
لا تحولوا مصطلح الإسلاموفوبيا لسلاح
لمنع تكرار حادثة كرايستشيرش، يلزم على الإسلام مواجهة الهجمات التي تُشَنّ باسمه والتي جعلت من الغرب متطرفًا تجاهه
يحيى خليل ثقوف | 25 مارس 2019

كيف يمكننا منع حدوث جريمة وحشية كالتي ارتُكِبَت في كرايستشيرش؟
كيف يمكننا – نحن المسلمين وغير المسلمين معًا – منع حدوث جريمة وحشية كالتي ارتُكِبَت في كرايستشيرش؟ كما شاهدتُ سكان نيوزيلاندا على اختلاف أشكال إيمانهم يأسفون على ما جرى، دار السؤال في عقلي. حتى الآن، ثُلَّة من الإجابات اقتربت من الحقيقة.
أظهرت المذبحةُ الحاجةَ لفهم واضح لاستخدام الهويات العرقية والدينية والسياسية وتوظيفها كأسلحة، وهو ما يجري عبر العالَم كله. كان هذا الأمر بمثابة الهدف الشرير لبرينتون تارانت: المساهمة في خلق استقطاب داخل الغرب – والمساهمة كذلك في خلق استقطاب موازٍ في العالَم الإسلامي. لقد حُسِبَت أفعاله، التي تشبه لمدى مخيف أفعال داعش والجماعات الإسلامية الإرهابية، لتزيد من وتيرة العداء والتشكُّك الموجود بالفعل تجاه المسلمين في الغرب. كما صُمِّمَت هذه الأفعال لإحداث استجابة من الإسلاميين وبالتالي عملت على تشجيع دورة من العنف الانتقامي.
لا يجب علينا السماح له، أو لأي أحد آخر، بالنجاح في ذلك المسعى. إن الإجابة الوحيدة تكمن في التضامن عبر المسارات العرقية والدينية والثقافية لمواجهة هذه الأزمة العالَميَّة. لكن هذا الأمر يعني بعزم الإقرار بالعوامل المُسَبِّبَة للعنف الذي نراه في عديد المناطق من العالَم. باعتباري مسلمًا، يقودني هذا الأمر لسؤال يتطلب إجابات صعبة وأمينة في آنٍ.
على سبيل المثال، لماذا زَيَّنَ صاحب الهجوم سلاحه باسم تشارلز مارتِل، الذي هزم جيشَ المسلمين في بواتييه، فرنسا، في 732 م؟ كما يتضح من بيانه، فهو استعلائي أبيض لا يخجل. على الرغم من ذلك، المراجع التاريخية الكثيرة التي يحتوي عليها بيانه دليل ثباتٍ على قرابة 1400 عام من الصراع المسلَّح بين المسلمين وغير المسلمين، ووعي دقيق باللحظات التي انحسر فيها مَدُّ غزو المسلمين وهو الغزو الذي هَدَّدَ على نحو متكرر باجتياح أوروبا. من هناك، تحوَّل ثبات صاحب الهجوم لأحداث أحدث عهدًا: الهجمات الإسلاموية الإرهابية في أوروبا. على سبيل المثال، أشار تحديدًا إلى موت إيبا أكيرلَنْد، وهي فتاة سويدية (11 عامًا) قُتِلَت في هجوم إسلاموي إرهابي في 2017.
على قدر كون ذلك الأمر مزعجًا لسلام الكثيرين، إلا أنه يستحق مزيدًا من الاهتمام. يأتي استهداف المسلمين أثناء الصلاة في كرايستشيرش بعد قرابة عقدين أصبحت خلالهما الفظائع الإسلاموية سمة منتشرة ومتغلغلة في النشرات الإخبارية الهامة حول العالَم. من المحتمل أن تستعصي هذه المجزرة بنيوزيلندا على إمكانية تصَوُّر حدوثها لو لم يُنْظَر لها من سياق أوسع أصبح الإسلام وفقه مرادفًا للإرهاب في عقول الكثير من غير المسلمين.
مما يثير الحزن، من منظور الإسلام السياسي، أن جريمة كرايستشيرش الوحشية هي ببساطة جزء من دورة عنف قديمة. بالطبع، لا يعتبر أغلب الأوروبيين أنفسهم ”في حرب“ مع الإسلام. لكن لنسبة كبيرة من المسلمين، يعود هذا الأمر إلى تَمَتُّع الغربيين بسلام المُنْتَصِر، وهو ما يسعى الإسلامويون لتحدّيه. لهذا السبب تكون كرايستشيرش لحظة خطيرة.
لا يتطلب إنهاء دورة العنف مواجهة إيديولوجيا ودوافع شخص مثل تارانت فقط، وإنما يتطلب كذلك فهم الإطار التاريخي الذي يتشاركه مع الكثير من المسلمين. أقصد أن المسلمين وغيرالمسلمين باقون بالفعل وسيبقون في حالة صراع دائم، حتى نهاية الزمان (طبقًا للإسلاميين) أو اختفاء الإسلام (طبقًا لمناصري ”مجابهة الجهاد“).
بين المسلمين وغير المسلمين، ثَمَّ حاجة مُلِحّة لمواجهة هذه العناصر البالية والإشكالية في الأرثوذوكسية الإسلامية والتي تؤسس للرؤية الإسلاموية الشاملة للعالَم، وهي التي تُزيد نيران العنف اشتعالًا على الجانبَيْن. ولقد بدأت نهضة العلماء، وهي أكبر منظمة للمسلمين في العالَم، والتي أكون أمينها العام، باتخاذ هذه الخطوات بالفعل.
نُقِرُّ بأن الحقيقة هي إمكانية تعقُّب المذهب الجهادي وأهدافه وإستراتيجيته لمبادئ وتعاليم مُحَدَّدَة تخص الإسلام الأرثوذوكسي السلطوي وممارساته التاريخية. يتضمن هذا الأمر مناحي من الشريعة تعزِّز الاستعلاء الإسلامي، وتشجع على العداوة تجاه غير المسلمين وتتطلب إقامة خلافة. هذه العوامل – التي لا تزال تُدَرَّس بواسطة أغلب المؤسسات السُّنيَّة والشيعية – تُشَكِّلُ استدعاءً لصراع أزليّ.
لنا رؤية صلبة مفادها التحذير من عدم مواجهة المسلمين لتعاليم ومبادئ التراث الإسلامي التي تشجع على العنف، فحينئذ، يمكن لأي إنسان استخدامها لمجابهة ما يدَّعون أنها بمثابة قوانين غير شرعية ويذبحون أخوانهم المواطنين، سواء أكانوا يحيون في العالَم الإسلامي أم في الغرب. هذا هو الرابط بين الكثير من الأحداث الحالية، من سوريا لشوارع لندن.
ثَمَّ حاجة مُلِحَّة لإجراء نقاش أمين عن هذه القضايا. لهذا السبب يُقلقني رؤية النُخَبِ السياسية والفكرية الغربية تستخدم مصطلح ”الإسلاموفوبيا“ كسلاح، لتخلق تحليلًا اختزاليًا لظاهرة معقَّدَة تُهدِّد البشرية بأسرها. على سبيل المثال، من غير الصائب وغير المجدي واقعيًا تعريف الإسلاموفوبيا باعتبارها ”متجذِّرَة في العنصرية“، كما اقترحت مايسمّى ”اللجنة البرلمانية الجامعة لكل الأحزاب بخصوص المسلمين البريطانيين“. في الواقع، إن انتشار التَّطَرُّف الإسلاموي والإرهاب هو ما يسهم بالأساس في بروز الإسلاموفوبيا عبر العالَم غيرالمسلم.
لهذا السبب من الضروري مواجهة ”الذهنية المسلمة“ السائدة، والتي تعتمد على العداوة والتشكك حيال غير المسلمين، وغالبًا ما تُعَقْلِن ارتكاب العنف باسم الإسلام. وإذا لم يحدث ذلك، سيستمر التعامل مع المسلمين بشكل متطرف بسبب الهجمات الإسلاموية، ولمدى كبير بسبب الهجرة واسعة النطاق للغرب.
نناشد الناس من كلا جانبي الانقسام السياسي في الغرب، من كل الأديان ومَن لا يؤمنون بالأديان، أن ينبذوا ممارسة استخدام الإسلام كسلاح لتحقيق مزايا تحزُّبيَّة وأن ينضموا لنا في كفاحنا المرير لإصلاح المبادئ والتعاليم البالية في الأرثوذوكسية الإسلامية، بدلًا من تَركِ ميراث مأساوي من الكراهية للأجيال المستقبلية.
يحيى خليل ثقوف هو الأمين العام لجمعية نهضة العلماء، أكبر منظمة إسلامية في العالَم.
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع