
أقدم صحيفة باكستانية ناطقة باللغة الإنجليزية تمتدح نهضة العلماء لمواجهة مشكلة مُتَوَطِّنَة في التراث الإسلامي
الكاتب التركي كثير التردد على صحيفة نيو يورك تايمز مصطفى أكيول يشيد برؤية نهضة العلماء لـ ”الإسلام للإنسانية“
كراتشي، باكستان: في 1 نوفمبر 2019، نشرت صحيفة ”الفجر Dawn“، وهي أعرق صحيفة بالإنجليزية في باكستان والأكثر انتشارًا، مقال رأي يثني على الأمين العام لنهضة العلماء بإندونيسيا ـــ كياي حاج يحيى خليل ثقوف ـــ لدوره في تعزيز حركة الإسلام للإنسانية العالَميَّة. تسعى هذه الحركة لإعادة غرس (أي، إصلاح) المبادئ والتعاليم البالية للأرثوذوكسية الإسلامية في سياقها والتي تشجع على التمييز والعنف تجاه غير المسلمين، وإعادة الرحمة لمكانها الصحيح باعتبارها الرسالة الأساسية للإسلام.
كَتَبَ المقالَ ـــ المكتوب أسفله، مع روابط إضافية أضافها بيت الرحمة ـــ مصطفى أكيول، وهو كاتب تركي بارز، ومُعَلِّق سياسي، وكاتب يتردد كثيرًا على صحيفة نيو يورك تايمز وزميل أقدم بمعهد كاتو Cato للحرية العالَميَّة والرخاء.

فجر
من هو ”الكافر“؟
مصطفى أكيول | 1 نوفمبر 2019في وقت قريب بساحة القديس بطرس المذهلة في روما، رَحَّبَ البابا فرنسيس بمجموعة من الضيوف غير المعتادين: أعضاء نهضة العلماء (ن. ع) من أكبر دولة بها تعداد مسلمين في العالَم، إندونيسيا. أعطى رئيسُ الوفد، الشيخ يحيى خليل ثقوف، البابا وثائقَ تُلَخِّص رؤية ”الإسلام للإنسانية“ التي تعززها منظمته.
ترفض مبادئ وتعاليم هذه الرؤية الإسلامويةَ ـــ وهي النسخة المُسَيَّسَة من الإسلام الهادفة إلى تأسيس الخلافة باعتبارها نظامًا سياسيًا، وجعل الشريعة قانون البلاد، على الرغم من وجود التَنَوُّع في المجتمعات الحديثة. كما تتضمن مقترحًا جديدًا تمامًا وطَموحًا: أنه يجب على المسلمين التوقُّف عن تسمية غير المسلمين ”كفارًا“. هذا الأمر ضروري، بحسب قول الشيخ الإندونيسي ثقوف، كي يتمكن المسلمون من ”رؤية الآخرين باعتبارهم رفقاء بشرًا، رفقاء أخوة في الإنسانية“.
تأتي كلمة كافر من الجذر ”ك – ف – ر“، والذي يفيد معنى ”تغطية“ شيء ما. والمعنى المتضمن هو رؤية الكافر لصدق الإسلام، لكنه يصمم على ”تغطيتـ“ـه. علاوة على ذلك، يُنْظَر للكافرين باعتبارهم الأعداء الدائمين للإسلام والمسلمين. لهذا السبب سيعاقبهم الله بإدخالهم الجحيم الأبدي.
كل هذه الموضوعات يمكن إيجادها في القرآن، لكن لا يجب علينا إغفال وجود سياق لهذه الآيات. كان الكفار المذكورون في القرآن مشركين اضطهدوا المسلمين الأوائل واقتربوا من تصفية النبي محمد (صلَّى الله عليه وسلَّم) كذلك. بينما يدين القرآن هؤلاء الكفار، ناشد المسلمين برؤية الفروق الدقيقة بينهم وبين غيرالمسلمين الذين لا يحملون عداء تجاههم. وكما يرد في الآية: ”لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ“.
ليس الانسجام المجتمعي هو فقط المعرَّض للتهديد، وإنما اللاهوت العقلاني كذلك
كَرَّمَت آيات أخرى اليهود والمسيحيين باعتبارهم رفقاء توحيديين ـــ ”أهل الكتاب“ ـــ ووعدتهم بالخلاص في الآخرة. يتبنى القرآن كذلك نوعًا من التَّعَدُّدِيَّة الدينية، إذ يشير للآتي، ”وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً“.
كما شَيَّدَ المسلمون إمبراطوريات، تَمَّ تجاهُل الآيات المتسامحة، أصبح الكفار بمثابة المصطلح الشائع لغيرالمسلمين أجمعين وتَمَّ النظر لبقية البشرية باعتبارها قابعة في الظلام الدامس.
لا زالت هذه الرؤية الشاملة ذات تأثير في المجتمعات المسلمة. يقول آن أنصاري Aan Anshori، منسق في الشبكة الإسلامية ضد التمييز في إندونيسيا، وداعم لدعوة نهضة العلماء بإبطال مصطلح ”كافر“، ”لقد تعلَّمنا أن غير المسلمين يختلفون عنّا ويهدفون كذلك إلى جعل المسلمين حول العالَم في بؤس. لقد تعلَّمنا أن مظهرهم باعتبارهم أفرادًا قوائم، يخفون رغباتهم الواقعية لغزو الإسلام والمسلمين“.
عندما يُنْظَر لغير المسلمين في ضوء هذه الرؤية الشنيعة، يُنْظَر للمسلم المنضم إليهم باعتباره خائنًا لا يمكن التعامل معه بمغفرة. لهذا ينال مثل هؤلاء المرتدين عقوبة الموت في القانون الإسلامي الكلاسيكي ـــ على الرغم من عدم وجود أساس قرآني لهذه العقوبة. في هذه الأثناء، تستهدف جماعات إرهابية مثل الدولة الإسلامية والقاعدة مسلمين باستخدام هذه الصفات.
يُمَثِّل مثل هذا العداء تجاه المرتدين أو الكفار عقبةً خطيرة أمام حقوق الإنسان في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. وهو عقبة كذلك أمام العلاقات الودية والتي تنبني على المساواة التامة بين المسلمين والآخرين. لوحِظَت هذه المشكلة مبكرًا من منتصف القرن 19 بواسطة الإمبراطور العثماني، كرسي الخلافة السُنيَّة. ثم أتى فرمان الإصلاحات 1856 الشهير، والذي أعلنه السلطان عبد المجيد الأول. أبطل هذا الفرمانُ ”كل تمييز أو تخصيص يميل إلى جعل أي طبقة بصرف النظر عن المنتسبين إليها أدنى من طبقة أخرى، على أساس دينهم أو لغتهم أو عِرقهم“. وكانت gavur واحدة من المصطلحات المحظورة، وهي تشير إلى ”كافر“ باللغة التركية.
ليس الانسجام المجتمعي هو فقط المعرَّض للتهديد، وإنما اللاهوت العقلاني كذلك. إن غيرَ المسلمين غيرُ مسلمين لنفس السبب الذي يكون وفقه أغلب المسلمين مسلمين بالفعل: يتَّبعون تقاليد العائلات والمجتمعات التي وُلِدوا فيها. القول بأن الله لعنهم لهذا السبب يفترض وجود إله غير عادل. لن يكون هذا حقًا إله الإنسانية الرحيم الذي يُقَدّمه القرآن.
تستحق نهضة العلماء، الذين يشير اسم جمعيتهم حرفيًا إلى صحوة العلماء، الثناء على مواجهة هذه المشكلة المُتَوَطِّنَة في التراث الإسلامي. تُذَكّرنا فكرتهم عن ”إسلامٍ للإنسانية“ بـ ”الإنسانية المسيحية“ ـــ وهي الحركة الفكرية التي وَطَّدت النهضة الأوروبية. حاجج مناصروها، مثل فرانشيسكو بتراركا شاعر القرن 14 الإيطالي، أن الفضيلة الأخلاقية يمكن ”للمسيحيين [الوصول إليها]، لكن هذا الوصول لا يقتصر عليهم فقط … وإنما يمكن لكل البشر وكل الأمم الوصول إليها كذلك“. هذه فكرة جديدة في وقتها، وسمحت بصعود مجتمعات الغرب الحرة والتَّعَدُّدِيَّة.
عندما تُواجَه هذه الفكرة الإنسانية على حساب المسلمين، نشتكي نحن المسلمين، ومعنا كل الحق في الشكوى، من ”الإسلاموفوبيا“. لكن يجب علينا كذلك مواجهة عدم الخوف من المسلمين في صفوفنا. تستحق نهضة العلماء الثناء على مواجهة هذه المشكلة المُتَوَطِّنَة في التراث الإسلامي.
الكاتب باحثٌ تركي في معهد كاتو بواشنطن العاصمة.
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)
قد ترغب في قراءة:
العالَم أولًا: نهضة العلماء تُبْطِل التصنيفَ الشرعي لـ ”كافر“ في القانون الإسلامي