إسهام إندونيسيا لمستقبل الحضارة

خطبة ألقاها حـ. مهيمن إسكندر
رئيس حزب نهضة الوطن (PKB) ونائب رئيس مجلس النواب بالحزب، جمهورية إندونيسيا
أُلقِيَت أمام اللجنة التنفيذية لمنظمة ديمقراطيي الوسط الدولية (CDI) والنخبة المجتمعة في منتدى يوراسيا لمنظمة ديمقراطيي الوسط الدولية
24  يناير 2020، يوجياكرتا، إندونيسيا

حـ. مهيمن إسكندر (الثاني من جهة اليسار) مع نائب رئيس إندونيسيا كياي حاج معروف أمين؛ ومحافظ يوجياكرتا سري سلطان هامينغكوبونو العاشر؛ ورئيس منظمة ديمقراطيي الوسط الدولية أندريس باسترانا أرانجو والأمين العام لمنظمة ديمقراطيي الوسط الدولية/ حزب الشعب الأوروبي أنطونيو لوبيز إستوريز وايت، في طريقهم للمكان الذي ألقى فيه الأستاذ إسكندر خطبته الأساسية بعنوان إسهام إندونيسيا لمستقبل الحضارة

ملاحظة: إن حزب نهضة الوطن الذي تأسس في 1998 على يد قيادة نهضة العلماء هو أكبر حزب سياسي إسلامي في إندونيسيا وشريك ائتلافي مع حكومة الرئيس جوكو ويدودو.

سيداتي وسادتي، أيها الضيوف الكرام، الأخوة والأخوات، الذين سافر الكثير منكم آلاف الأميال ليكونوا هنا اليوم: سلام الله وبركاته ورحمته عليكم.

في تحضيرهم لتأسيس إندونيسيا باعتبارها دولة قومية مستقلة، لم يشغل آباؤنا المؤسسون أنفسهم بمجرد مصير إندونيسيا، بينما تجاهلوا بقية العالَمِ. لم تُصَمَّم المبادئ الدينية والفلسفية والأخلاقية والسياسية العميقة التي أسسوا عليها دولتنا لتعزيز مصالح إندونيسيا وحدها. تفكَّر آباؤنا في مستقبل العالَم بأسره ـــ عارضين مجموعة من التَّطلُّعات التي يمكن للآخرين تبنّيها، أثناء كفاحهم لخلق مستقبل أكثر جلالًا وبركة لكل البشر وللحضارة ككل.

أوضحت أول فقرة في ديباجة دستور إندونيسيا لعام 1945، وهو الذي يشكِّل نقطة انطلاق قطار الفكر الذي أُسْهِب في تفصيله داخل النَّصِّ الدستوري ما يلي.

”حيث إن الاستقلال هو حق من الحقوق الأساسية لكافة الشعوب“ ـــ أكرر: ”كافة الشعوب“ ـــ ”فقد بات من الضرورة القضاء على كافة أشكال الاستعمار حول العالم، إذ أنها لا تتماشى مع مبادئ الإنسانية والعدالة“ ـــ أكرر مرة أخرى: ”مبادئ الإنسانية والعدالة“.

لهذا التقرير دلالة عميقة، تتجاوز الواقع الواضح لأن آباءنا المؤسسين اهتموا بحق بالإنسانية ومستقبل الحضارة نفسها، وكان لهم تطلُّعات عظيمة تتعلق بالاثنتين.

نحيا في عالَم مضطَرِب. عالَم من الخوف والغضب، عالَم حمل الوزن المتراكِم للكراهية والعنف لآلاف السنين، واللذان لا يُظهران أدنى علامة على الاختفاء، ولا يوجد أي طريق واضح يمكن للعالَم عبره الهرب من فوضاه المتوطنة. ولا يجب علينا نسيان أن كفاحنا المشترك ـــ لتحسين مصير دولتنا ـــ مرتبط على نحوٍ معقد بالمِرْجَل المُعَكَّر للديناميات الجيوسياسية التي تتكشف فيما وراء حدودنا.

عبر تاريخ دولتنا بوركنا بقادة مدهشين، منهم سوكارنو أو بونج كارنو، وكياي حاج عبد الرحمن وحيد أو جوس دور، الذين نحبهم ونوقرهم كثيرًا. كرس سوكارنو وجوس دور حياتهما، وقدما أفضل ما في وسعهما، لهذه الدولة وشعبها. بالطبع، في ظل عيشهما في أوقات مختلفة ومواجهتهما لتحديات مختلفة للغاية، يوجد الكثير من الاختلافات في الأفكار التي أسهبا في تفصيلها والتفكير فيها. لكن، اتفق الرئيسان العظيمان، وأكَّدا باستمرار، أن كفاحنا في سبيل مستقبل هذه الدولة لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال ـــ بل ويلزم أن يترافق مع ـــ كفاح في سبيل مستقبل كل الإنسانية والحضارة ككل.

ينتشر الخوف والغضب والكراهية بمعدل سريعٍ وتلقي بظلالها على الأرض كلها ـــ ”بالكاد“ تزعزع استقرار بعض الدول بينما تلقي بدول أخرى، ومعها عشرات الملايين من قاطنيها، في هاوية مطلقة من الظلام والهلاك. من الواضح وجود سبب أساسي لهذا التهاوي التراجيدي وهو صراع القيم العميق الذي تحفزه العولمة، مقترنة بالامتزاج السريع بين الثقافات. نحيا في زمان لم تَعُد الحدود الجغرافية مانعة للناس من إحدى الدول من مقاتلة دول كثيرة أخرى؛ ولم تعد مانعة لأي جماعة عرقية أو دينية من التفاعل مع جماعات أخرى لا حصر لها؛ ولم تعد مانعة لأي فرد من ملاحظة الآخرين عبر العالَمِ والتواصل معهم.

لو لم تجد الإنسانية أرضًا مشتركة لضبط اختلافاتها عبر حوار سلمي، سيكون انفجار العنف أمرًا حتميًا، كما نشهد ما يحدث بالفعل عبر العالَمِ اليوم. في أي مكان جلنا بنظرنا، نرى الأديان، وبما فيها الإسلام، مسلحة لخدمة الأهداف والأجندات الدنيوية الصرفة. يفرض هذا الأمر تهديدًا فائقًا للإنسانية وللحضارة ككل.

عندما توضع الأديان عن قصد فوق مسار صدام، يصبح من الصعب منع الصراع الكوني، وذلك لأن كل دين يزعم الدفاع عن مهمة كونية. عندما تحيا الجماعات الدينية جنبًا إلى جنب، وتمتزج بشدة، سيحفز الصراعُ الديني حتمًا الاضطرابَ الاجتماعي والعنف، والذي سيقود بدوره إلى انتشار واسع المدى للعداوة أو حتى طرد الأقليات التي تعجز عن الدفاع عن نفسها، وهو شيء نراه بوضوح حادثًا في أجزاء متعددة من العالَمِ اليوم.

ليس ثَمَّة نهاية منطقية لدائرة العداوة والعنف المشترك حينما تخرج عن السيطرة سوى انهيار النظام السوسيو-اقتصادي-سياسي الموجود بالفعل أينما حدثت مثل هذه الفوضى. كما حذَّرَ جوس دور في مقال منشور عام 2005 في صحيفة وول ستريت:

”إن كامل بنيان الحضارة الحديثة مشيَّد على الأسس الاقتصادية والتكنولوجية التي يرغب الإرهابيون في هدمها كأكواخ الصيد عقب تسونامي. تكفلت قنبلتان صغيرتان، وضعتا في مناطق مميزة، بتدمير الاقتصاد السياحي لبالي في 2002 وأرسلا الكثير من سكانها ليعودوا لحقول الأرز أو يبحثوا عن مصدر رزق في البحر، كي يسدوا جوعهم. ما عساه يكون تأثير أزمة اقتصادية عالَميَّة عقب هجمات أكثر تدميرًا من هجمات بالي المذكورة أو 9/11؟

”حان الوقت لذوي النفوس الصافية من كل إيمان وأمة للإقرار بوجود خطر مريع يهدد الإنسانية. لا يمكننا تحمُّل تكاليف الاستمرار في ’العمل كما هو معتاد‘ في مواجهة هذا الخطر الوجودي. يجب علينا بالأحرى تحييد عدائنا السياسي الدولي والحزبي، وننضم سويًا لمواجهة الخطر البادي أمامنا“.

طَوَّر آباؤنا المؤسسون، وقدَّموا للعالَمِ، مجموعة من المبادئ الكونية التي بمقدورها إضاءة الطريق لنخرج من الظلام ونمنع الحضارة من الانهيار. هذه المبادئ هي:

أولًا، معاملة الآخرين بعدلٍ وباعتبارهم متساوين معنا ـــ بدون أي اعتبار للعرقية أو الدين؛ وبدون عداوة أو كراهية؛ وبدون السعي لتهميش الآخرين أو إقصائهم؛

ثانيًا، قبول واحترام الدولة القومية المتسيدة باعتبارها النظام السياسي الذي يُلزِم الناسَ من كل دولة بدون الترويج لأجندة سياسية استعلائية أو السعي ورائها في مقابل دول أخرى؛

ثالثًا، قبول واحترام قوانين أي دولة باعتبارها ملزِمّة لكل مواطنيها، وهي التي لا تترك مجالًا لأي أحد كي يتعامل مع الدين باعتباره مبرِّرًا لمخالفة القانون، دعوا عنكم إشعال و/أو المشاركة في تمرُّدٍ ضد السلطة المُشَكَّلة كما يجب للدولة القومية؛

ورابعًا، حفظ وتقوية نظام دولي يتأسس على القوانين والعدالة والحرية والسلام الدائم.

لو أن الحكومات والأديان والناس بالعالَمِ على استعداد لقبول هذه المبادئ الأربعة باعتبارها الأرض المشتركة لحياتنا معًا، سنكون قادرين على إيجاد حلٍّ سلمي لأي اختلافات عندنا بدون اللجوء للعنف أو التدمير.

ما نحن بحاجة إليه هو جهد أصيل وراسخ لتقديم هذه المبادئ للعالَمِ، ودعوة الناس من كل إيمان وأمة لقبول هذه المبادئ باعتبارها حجز الأساس لنظام عالَمي عادل بحق يعزز التعاون والاحترام المتبادَل وازدهار الإبداع الإنساني عبر العالَم.

دعوني أنتهز هذه الفرصة لأقول إن حزب نهضة الوطن عاقد العزم على ضمان أداء إندونيسيا لكامل دورها في هذا الجهد، وأن حزب نهضة الوطن سيحمل لواء إسهام إندونيسيا لمستقبل الإنسانية والحضارة العالَميَّة.

رئيس حزب نهضة الوطن حـ. مهيمن إسكندر وأندريس أرانجو وأعضاء آخرون من اللجنة التنفيذية لمنظمة ديمقراطيي الوسط يلقون الترحيب من طلبة مدرسة باندانران الداخلية الإسلامية في يوجياكرتا، إندونيسيا، 24 يناير 2020

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع

تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)

قد ترغب في قراءة:

مَدٌّ متصاعِد من الاعتراف الدولي بحركة الإسلام للإنسانية

الإنسانية الغربية، والديمقراطية المسيحية، والإسلام للإنسانية: اتحاد للقرن 21