
الإسلام والمُخْتَفون
باحث مسلم بارز يُقِرّ بـ ”التاريخ المأساوي الطويل للاضطهاد الديني في العالَم الإسلامي“
صورة قبطية تُصَوِّر مسيحيين قَطَعَت داعش رؤوسهم في سرت، ليبيا، في 2015
برينستون، نيوجيرسي، 23 يوليو، 2020: ناشد الأمين العام لنهضة العلماء بإندونيسيا، وعدد أعضائها 90 مليون عضو المسلمين، ليكونوا قدوة ويتحركون لإنهاء الاضطهاد المُنَظَّم واسع المدى المستمر تجاه الأقليات الدينية على امتداد العالَم الإسلامي.
قال الأمين العام لنهضة العلماء يحيى خليل ثقوف ”إن الإجحاف والتمييز ضد الآخرين، وتحويل الهوية ’القَبَلِيَّة‘ إلى سلاح – سواء أتمَّ ذلك حفاظًا على النفس أو تعظيمًا لها – كانا صفتين مميزتين لكل المجتمعات تقريبًا على امتداد التاريخ“، استجابة للاضطرابات في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية التي أثارها موتُ جورج فلويد على أيدي شرطي أمريكي.
صرَّح الأستاذ ثقوف بتعقيباته بالاقتران مع مقاله، ”استجابة لأزمة أساسية داخل الإسلام نفسه“، في دورية الخطاب العام (”Public Discourse“)، وهي دورية تتوفر عبر الإنترنت تابعة لمعهد ويذرسبون، والمعهدُ مركزٌ بحثي غير ربحي مقره برينستون، نيو جيرسي. المهمة التي أعلنتها دورية الخطاب العام هي ”تعزيز الفهم للأسس الأخلاقية للمجتمعات الحرة في المجال العام“، بناء على ”التزام بفكرة وجود الحقيقة، وإمكان معرفتها، ووجوب إرشادها لسياساتنا وثقافتنا“. دورية الخطاب العام يقرأها جمهور كبير من المثقفين ذوي النزعة المحافِظَة يُمَثّلون أشكالًا متنوعة من خلفيات دينية – منهم الكاثوليك واليهود والمسلمون والإنسانيون غير الدينيين.
في مقالته المستفيضة، يناقش الأستاذُ ثقوف الكتابَ الجديد الذي ألّفه ستيفين راشا بعنوان ”المُخْتَفون“، ”الذي يرسم صورة حية على نحوٍ مزعج لمأساة شاهدها في العراق“ و”القَدَر الكارثي لمسيحيي العراق“. يكتب الأستاذ ثقوف، وهو عالِم إسلامي بارز ويُعْتَرَف بأنه ”واحد من أصْدَق وأوضح المصلحين في العالم الإسلامي“:
لماذا أظهر قتلة الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش)، المندفعون عبر سهل نينوى في 2014، هذا القدر الهائل من الوحشية والهمجية تجاه اليزيديين والمسيحيين؟ سيجيب أي استقصاء متبحِّر وأمين فكريًا على هذا السؤال إجابةً مزعجة إزعاجًا عميقًا: يمكن بسهولة تتبُّع مذهب وأهداف وإستراتيجية هؤلاء المتطرفين وصولًا إلى مبادئ وتعاليم محددة في الإسلام السلطوي الأرثوذوكسي وممارسته التاريخية، وبما يتضمن أجزاءً من الفقه التي تحض على الاستعلائية الإسلامية وتشجع على العداء تجاه غير المسلمين وتطلب إقامة دولة إسلامية كونية، أو الخلافة.

دير مار إيليا (قبل وبعد تدمير داعش له) الذي بُنِيَ عام 590 م قرب الموصل، العراق. ”في عام 1743، ذَبَحَ جنرال فارسيّ حوالي 150 راهبًا [في هذا الموقع] رفضوا اعتناقَ الإسلامِ“. (صحيفة الغارديان)
إقرارًا من الأستاذ ثقوف بالرابط بين المبادئ والتعاليم البالية في الأرثوذوكسية الإسلامية والتَّطَرُّف الإسلاموي، يقول إن الفقه يُمَكِّن ”حملات القتل الجماعي، والتهجير والإرهاب التي تهدد بكسر روابط الثقة المتهرئة بالفعل والتي تجعل الحياة الجماعية المشتركة بين المسلمين وغير المسلمين ممكنة“. ومن باب الاستجابة، يحاجّ الأستاذ ثقوف بقوة لصالح تطبيق ”إستراتيجية عالميَّة لتطوير أرثوذوكسية إسلامية جديدة تعكس الأحوال والظروف الفعلية للعالم الحديث الذي يلزم على المسلمين أن يعيشوا فيه ويماسوا إيمانهم“.
تعمل القيادة الروحية لنهضة العلماء على ضمان اضطلاع أكبر منظمة إسلامية في العالَم بدورها في هذا المسعى الهائل، عبر تفكيك واستبدال اللاهوت المؤسس للعنف الإسلامي والمحفز عليه. في 2019، نشر المجلس المركزي لنهضة العلماء قوانين الفقه المبنية على تجمُّع لقرابة 20،000 عالِم مسلم عبر أرخبيل إندونيسيا ( المؤتمر الوطني لعلماء نهضة العلماء 2019) عززت مبدأ الدولة القومية الحديثة بدلًا من الخلافة؛ وأقروا جميع المواطنين، بصرف النظر عن عِرقهم أو دينهم، باعتبارهم مالكين لنفس الحقوق والواجبات في إطار دولة وطنية حديثة؛ وأعلنوا أنه يلزم على المسلمين طاعة قوانين أي دولة قومية حديثة يقيمون فيها؛ وأوضحوا أنه على المسلمين إلزامات دينية لتعزيز السلام بدلًا من شَنّ الحرب تلقائيًا على من يؤمنون بأديان أخرى، كلما اندلع صراع بين السكان من المسلمين وغير المسلمين في أي مكان بالعالَمِ.
ثَمَّة سمة رئيسية في أحكام المؤتمر الوطني لعلماء نهضة العلماء 2019 وهي إبطال التصنيف الشرعي للـكافر في الفقه كي يمكن لغير المسلمين التمتُّع بالمساواة التامة باعتبارهم مواطنين، بدلًا من الاعتماد على حمايةٍ مصدرها تسامح حاكم مسلم.
وهكذا نعود للقصة التي بدأنا منها: المُخْتَفون. لقد وفَّر ستيفين راشا تقريرًا حيويًا للانقراض الوشيك لجماعة دينية في نفس مكان مولدها، الشرق الأوسط القديم. ضمنيًا، وصف راشا كذلك تهديدًا خارجيًا يواجه الجميع من المسلمين وغير المسلمين على السواء. يبقى في عداد المستقبل اهتمامنا بتحذيراته والتصرُّف في الوقت المناسب لمنع كوارث مشابهة تحيق بهؤلاء الذين يحيون في أراضي مباركة، والذين يبدون بعيدين عن الفوضى المخيفة التي تبتلع مناطق شاسع في العالَم الإسلامي.

جوليس إسحاق مع البابا يوحنا الثالث والعشرين اللذين ”أحدث لقاؤهما تغييرًا في العالَم“
على نحوٍ مثير للاهتمام، صرَّح الأستاذ ثقوف بتعقيباته بعد 60 عامًا من اللقاء التاريخي في الفاتيكان بين البابا يوحنا الثالث والعشرين والمؤرخ اليهودي الفرنسي جوليس إسحاق الذي خسر زوجته وابنته في الهولوكوست. أطلق نقاشهما عملية فهم وحوار بين التعاليم الكاثوليكية الرومانية والأديان الأخرى، بالأخص اليهودية، تُوِّج نقاشهما بتبنّي المجمع الفاتيكاني الثاني لإعلان علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية (Nostrae aetate) في 1965.
في هذا الإعلان، ومعناه ”في عصرنا“، تبنّت الكنيسة الكاثوليكية موقفًا مدهشًا للنقد الذاتي، مُعْلِنَة أن ”الكنيسة التي تشجب الاضطهادات كلها ضد الناس أياً كانوا، واعية تمام الوعي بالإرث الذي تتشاركه مع اليهود، والكنيسة لا تدفعها في ذلك الدوافع السياسية بل محبة الإنجيل الروحية، وتُدين الكراهيةَ والاضطهادات ومظاهر مناهضة السامية التي يرتكبها أي أحد ضد اليهود في أي زمان“ – وهي إدانة واضحة للمناهضة التاريخية والمعاصرة للسامية، من جانب الكاثوليك وغيرهم كذلك. على نطاق أوسع، يختتم الإعلان – الذي حوَّل بالأساس التوجُّه اللاهوتي وميل الكنيسة الكاثوليكية تجاه التقاليد والمجتمعات الدينية غير المسيحية – بقوله، ”ليس ثَمَّ أساسٌ يبقى لأيَّة نظرية أو ممارسة تؤدي إلى التمييز بين إنسان وإنسان أو شعب وشعب، طالما كان مدار الانشغال هو الكرامة الإنسانية والحقوق المتولدة عنها“.
استجابة لمقال الأمين العام لنهضة العلماء، لاحظ دانيال فيلبوت، أستاذ الدين والسياسات العالّميَّة بجامعة نوتر دام، أن ”ثقوف ونهضة العلماء يطوّرون إطار عمل عقائدي لإنتاج تغييرات في الإسلام شبيهة للغاية بالتغييرات التي حدثت في دين آخر – أقصد الكاثوليكية“ (”هل جون كورتني موراي مسلم؟“).
كان جون موراي (1904-1967) راهبًا يسوعيًا أمريكيًا ولاهوتيًا اشتهر بجهوده في التوفيق بين الكاثوليكية والتَّعَدُّدِيَّة الدينية، بالأخص في تركيزه على العلاقة بين الحرية الدينية ومؤسسات الدولة الحديثة المشيَّدة ديمقراطيًا. أثناء المجمع الفاتيكاني الثاني، أدَّى جون كورتني موراي دورًا أساسيًا في إقناع الأساقفة الكاثوليك المجتمعين بتبنّي الإعلان الرائد عن الحرية الدينية، (إعلان المجمع عن الكرامة الإنسانية Dignitatis humanae).
أيقونة شهداء ليبيا
رسمها
إرميا القطشة
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)
قد ترغب في قراءة: