دورية اللاهوت الإنجيلية
”برهان من أجل التعاون الأخلاقي بين المسيحيين الإنجيليين والإسلام للإنسانية“
اللاهوتيون الكبار للتحالف الإنجيلي العالَميّ في مقر جيراكان بيمودا أنصار، المنظمة الفَتيّة لنهضة العلماء وعدد أعضائها 5 مليون عضو، في نوفمبر 2019. يظهر الدكتور توماس جونسون جالسًا على يسار الأمين العام لنهضة العلماء كياي حاج يحيى خليل ثقوف (في المنتصف).
بون، ألمانيا (1 أغسطس 2020): لقد أصدرت دورية اللاهوت الرئيسية للتحالف الإنجيلي العالَميّ (WEA) – التي تمثل 600 مليون مسيحي في 130 دولة – تحليلًا تفصيليًا لحركة الإسلام للإنسانية، اختتمته بما يلي: ”على الرغم من فهمنا لله وارتباطنا به وفق طرق مختلفة جدًا … يسوّغ مستوى الاتفاق الفلسفي بين المسيحيين الإنجيليين والإسلام للإنسانية البادي في هذا التحليل جهدًا مشتركًا مركَّزًا لبناء عالَم يمكن للإيمان الديني الازدهار فيه لصالح خير البشرية“.
نُشِرَ المقال البالغ 14 صفحة، بعنوان ”برهان من أجل التعاون الأخلاقي بين المسيحيين الإنجيليين والإسلام للإنسانية“ في دورية اللاهوت الإنجيلية: دورية التحالف الإنجيلي العالَميّ للاهوت والتطبيقات المعاصرة. يصف مؤلف التحليل، الدكتور توماس جونسون، الإسلامَ للإنسانية باعتبارها ”استجابة مصقولة فلسفيًا لبعض أسئلة عصرنا المُلِحَة“ التي ”تقبل بالكلية وجود المجتمعات الدينية المتعددة داخل الدولة الواحدة، على أمل إمكان ازدهار هذه المجتمعات وأعضائها معًا“.
الدكتور جونسون هو مبعوث التحالف الإنجيلي العالَميّ الخاص للفاتيكان والمبعوث الخاص للتعاون مع الإسلام للإنسانية. يشغل كذلك منصب رئيس مشترك للجنة العمل المشترك بين الإسلام للإنسانية والتحالف الإنجيلي العالَميّ، الذي تأسس في إبريل 2020، والذي يُمَثِّلُ ”جهدًا طموحًا لإعادة تشكيل كيفية تفكير العالَم في الدين“.
باعتباره لاهوتيًا مُوَقَّرًا، وأستاذًا جامعيًا وقسًّا بروتستانتيًا في الكنيسة المشيخية، لَخَّصَ الدكتور جونسون مقاله بقوله:
إن قدرة الإنسانية على العيش سوية في سلام وتوافق – وحيوات كلٍّ من المسيحيين والمسلمين المسالمين في الكثير من بقاع العالَم – معرَّضَة للتهديد من العناصر الإسلامية الراديكالية. لقد اتفق التحالف الإنجيلي العالَميّ ومنظمة إسلامية عظيمة على العمل معًا لمواجهة التهديدات التي تطال القيم المشتركة وخلق بديل إيجابي. يشرح هذا المقال سبب تسويغ جهد كهذا الجهد وكيف يأمل في تحقيق تأثير عالَميّ.
يبدأ المقال بقول المؤلف إنه سوف ”يناقش قصور بعض الاستجابات الإسلامية تجاه التَّطَرُّف الإسلامي، يعقبه تفسير لسبب كون الإسلام للإنسانية بديلًا مُفَضَّلًا. ثم أسوق بعد ذلك مقارنات بالأخلاق المسيحية وأختتم باقتراح كيفية العمل سويًا على نحوٍ كفء – وهو عمل يَعِدُ بتعاونٍ جديد“.
ما يلي مقاطع من مقال الدكتور جونسون.
بعض استجابات المسلمين للتَّطَرُّف لا تصل للمدى المطلوب
”خطاب مفتوح“ في 2014 لأبي بكر البغدادي، قائد الجماعة الإرهابية للدولة الإسلامية في ذلك الوقت. وَقَّعها 126 لاهوتيًا سنيًّا، يوضح الخطاب أنه من اللازم للمسلمين دينيًا توطيد خلافة.
في الأعوام الأخيرة، اشتغل الكثير من اللاهوتيين والفقهاء المسلمين بقوة لإقناع المتطرفين بالعدول عن طرقهم العنيفة بينما يشرحون للعالَم المُتَفَرِّج سبب عدم تمثيل هذا العنف للإسلام. لقد كان ثَمَّة ثلاثة ردود رائدة وهي ”الرسالة المفتوحة إلى الدكتور إبراهيم عواد البدري الملقب بـ ’أبو بكر البغدادي‘ و إلى جميع المقاتلين و المنتمين إلى ما سميتموه ’الدولة الإسلامية‘“ ، ونشرها 125 عالِمًا سنيًّا في سبتمبر 2014؛ وإعلان مراكش عام 2016؛ ووثيقة الأخوة الإنسانية في 2019 (HFD) التي وقَّع عليها في أبو ظبي البابا فرنسيس وإمام الأزهر الأكبر.
تواجه هذه الوثائق الثلاث وتدين على نحوٍ مباشر العنفَ المرتكب باسم الإسلام؛ لو اتُّبِعَت هذه المبادئ، سيصبح عالَمنا أقل عنفًا. هذا أمرٌ هام. على الرغم من ذلك، تخلّد هذه التقارير الثلاثة الحديثة كذلك بعض القناعات التي تقوِّض إمكانَ تقليله للصدام العالَميّ والتراجيديات المحلية. على سبيل المثال، تؤكد ”الرسالة المفتوحة“ في عام 2014 (في الفقرة رقم 22) على نحوٍ مباشر التزام المسلمين دينيًا بتشكيل خلافة جديدة، حتى في أثناء رفض استخدام داعش لوسائل بشِعَة أخلاقيًا لإقامة خلافة. لقد اكتسب إلزامٌ مُتَصَوَّرٌ كهذا، وهو سبب رئيسي للصراع بين المسلمين وكذلك بينهم وبين غير المسلمين، صفةَ التأبيد بفضل هذه ”الرسالة المفتوحة“ ولم يُحْسَم.
بالمثل، على الرغم من رفض إعلان مراكش في عام 2016 للعنف المرتكب باسم الإسلام، وعلى الرغم من مناداته بتطوير مذهب إسلامي للمواطنة التي تنطبق على أهل الأديان الأخرى، إلا أنه يؤكد بوضوح على فكرة ”الدول الإسلامية“. في دولة مسلمة، يمكن إظهار التسامح مع الأقليات، ويمكن للمواطنة زيادة مستوى التسامح معهم، لكن سيُعْتَبَر وسيُعامَل غير المسلمين على الدوام على أنهم شيء أقل من جهات معنية بالمعنى الكامل في دولة تصف نفسها رسميًا بأنها مسلمة. يبدو أن مذهب مراكش لدولة مسلمة نسخةٌ أصغر من نفس المذهب الإسلامي الذي تكون فيه الخلافةُ النسخةَ الأكبر. ليس ثمة توكيد على حرية حقيقية للدين. . .
”كن أمينًا على الدوام. ليس ثَمَّة حاجة للخوف“.
حركة الإسلام للإنسانية جزءٌ من الميراث الهائل لرئيس إندونيسيا الأسبق والرئيس الأسبق لنهضة العلماء كياي حاج عبد الرحمن وحيد.
الإسلام للإنسانية
ثَمَّة حركة إسلامية عظيمة تختلف تمامًا عن الحركات التي ناقشناها أعلاه. تؤكد هذه الحركة بشدة على الإعلان العالَميّ لحقوق الإنسان (UDHR)، وبما يشمل المادة رقم 18، وترفض فكرةَ دولة إسلامية أو خلافة. تخاطب نظرية الأخلاق التي تتبناها هذه الحركة مباشرة وعلى نحوٍ بنَّاء واقع المجتمعات المتعددة دينيًا. الأصواتُ الرئيسية في هذه الحركة قادةٌ في أكبر منظمة إسلامية، نهضة العلماء (ن.ع) ومقرها إندونيسيا. لقد أنتج منظورهم، وهو الإسلام للإنسانية، الكثير من المنشورات باللغة الإنجليزية للمجتمع الدولي، بالأخص منذ إعلان داعش تأسيس خلافتها في 2014.
سيجد التفحُّص الدقيق لأخلاق الإسلام للإنسانية أن المسلمين من هذا التوجُّه، في اتّباعهم لمبادئهم التي بلوروها، يدعمون الحرية الدينية وحقوق الإنسان للمسيحين وأهل الأديان الأخرى. لكن هدفهم الأخلاقي يتجاوز ذلك المدى لحدٍّ عظيم. على الرغم من تقديم الإسلام للإنسانية باعتبارها بديلًا إسلاميًا لعنف المتطرفين، إلا أنها تحتوي على تقييم جدّي للمبادئ الأخلاقية الكونية، والعلاقة بين الإيمان والعقل، وأشكال الخير الإنسانية الأساسية، والقوانين (المدنية والدينية) اللازمة لحماية أشكال الخير الإنساني سالفة الذكر، ودور الدين في المجتمعات.
في نطاق تنويعات الإسلام، يمثِّل الإنسانيون الإندونيسيون النقيضَ التام للمتطرفين العُنُف. يقدّمون أنفسهم باعتبارهم مسلمين قِوامًا تمامًا، لا باعتبارهم نصف مسلمين متأثرين بالعلمانية. ولأن الحال هكذا، على نحوٍ دقيق، يعززون تمامًا حقوق الإنسان الكلاسيكية، والحرية الدينية للأديان الأخرى، والديمقراطية الدستورية، وفي الوقت نفسه يستنكرون ويشيرون بوضوح إلى ”التعاليم البالية والإشكالية“ في الأرثوذوكسية الإسلامية التي، كما يزعمون، أسيء استخدامها لدعم التَّطَرُّف.
يعتقد ممثلو الإسلام للإنسانية أن المتطَرفين الإسلاميين – من داعش إلى الوهابيين السعوديين – أساءوا على الدوام استخدام الإسلام تحقيقًا لأغراضهم الخاصة، وأن إساءة الاستخدام المذكورة لاقت دعمًا من خلال نسخ من المذهب الإسلامي زُرِعَت في سياقها الخاص منذ قرون مضت وفق معطيات موقف مختلف اختلافًا جذريًا. في إعلانهم عن الإسلام للإنسانية في 2017، قالوا، ”عديدُ الفاعلين – كإيران، ولكن الأمر لا يقتصر على إيران والسعودية وداعش والقاعدة وحزب الله وقطر والإخوان المسلمين وطالبان وباكستان – يتلاعبون، بازدراء شديد، بالعاطفة الدينية في صراعهم للحفاظ على السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية أو الاستحواذ عليها وكذلك لتدمير أعدائهم. وهم يفعلون ذلك من خلال التوظيف النفعي لعناصر أساسية في القانون الإسلامي الكلاسيكي (الفقه)، والذي ينسبون له سلطة مُقَدَّسَة، وذلك لكي يقوموا بتعبئة الدعم البشري لخدمة أهدافهم الدنيوية“ (فقرة رقم 28).
لذا، ينص الإعلان عن الإسلام للإنسانية على ما يلي، ”لو أن المسلمين لا يخاطبون العقائد الأساسية للأرثوذوكسية الإسلامية التي تعطي السلطة وتوصي بشكل صريح على ممارسة هذا العنف، فإن أي فرد – في أي وقت – يمكنه أن يُطوِّع التعاليم الأرثوذوكسية للإسلام لكي يناهض ما يدّعون بأنها القوانين غير الشرعية والسلطة لدولة كافرة ويقومون بذبح إخوانهم المواطنين، بغضِّ النظر عن إذا ما كانوا يحيون في العالم الإسلامي أو في الغرب“. وباعتبار المسعى التالي بديلًا، تسعى نهضة العلماء لتوطيد أرثوذوكسية إسلامية جديدة تواجه المبادئ الإشكالية لتعاليم الإسلام في العصور الوسطى التي يزعم المتطرفون أنها أرثوذوكسية.
لكونهم مسلمين بالأخص، يزعم الإنسانيون أن المتطرفين لا يمثّلون أفضل ما في الإسلام. مركز هذه الحجَّة وجوهرها يتمثل في امتلاك الإسلام لتراث تطبيقه متطور دومًا للأخلاق الإسلامية والقانون الإسلامي وفق وسائل تفاعل مع الثقافات المتغيرة. لكن هذه العملية توقفت منذ عدة قرون مضت، وتركت الكثير من المسلمين مُكَلَّفين بالالتزام بنسخة من الشريعة رجعية ومتعصبة ومُنْتِجَة للصراع ويستحيل التَّمَسُّك بها في مجتمع تَعَدُّديّ كوني. على النقيض، يحتوي الإسلام الأرثوذوكسي بالفعل في ذاته على منهجه اللاهوتي والشرعي اللائق الذي يؤدي إلى موقف إنساني النزعة ويدعم الديمقراطية، وبما يتضمن تعزيز الحرية الدينية والإيذان بإنهاء الدول المُعَرَّفَة دينيًا. تسعى الإسلام للإنسانية إلى إعادة تفعيل هذا المنهج اللاهوتي الإسلامي الأصيل لتطوير أرثوذوكسية إسلامية جديدة بحق وتعبّر عن الإسلام القويم لمدى أكبر، وبالتالي ستحل محل نسخة الإسلام التي عفا عليها الزمن، والتي تشتغل كالوقود في الكثير من الصراعات ومن المحتمل مشاركتها في صدام الحضارات.
كما يفسّر الإسلام للإنسانية، ”تحتوي الأرثوذوكسية الإسلامية على ميكانيزمات جوّانية، تتضمن علم أصول الفقه – منهجية الاستدلال الشرعي المُسْتَقِل المُسْتَخْدَمَة في إنشاء الفقه أو القانون الإسلامي (الذي يتم الخلط بينه وبين الشريعة) – الذي يسمح للباحثين المسلمين بضبط العناصر المؤقتة للأرثوذوكسية الإسلامية استجابة لظروف الحياة الآخذة في التغيُّر. تستتبع هذه الميكانيزمات الجوّانية عملية من الاستدلال الشرعي المُسْتَقِل المعروف بالاجتهاد، والذي تم إبطاله عند الباحثين المسلمين منذ خمسة قرون تقريبًا“ (بيان نوسانتارا، فقرة رقم 106). كما يرون الأمر، لقرابة خمسة قرون لم يُطَبَّق على النحو اللائق المنهج اللاهوتي الإسلامي، ”الميكانيزم الجوّاني“ لبسط الأرثوذوكسية الإسلامية، وهو ما أدى إلى انحسار دور الإسلام على الساحة العالَميَّة، تاركًا قادة الفكر المسلمين بكثير من الواجب الذي لم ينشغلوا باستيفائه.
المنهج اللاهوتي للإسلام للإنسانية
- تُمَيِّز الإسلام للإنسانية بوضوح شديد المبادئ الأزلية، غير المتغيرة، والشرعية عن المبادئ المشروطة المحدودة بمناسبتها لزمان وموقف مُحَدَّدَيْن. . .
- ترتبط هذه النظرية التأويلية للتطبيق اللائق بالمبادئ الدينية بتعريف مُتَعالٍ للشريعة، لا بتعريف صارم أو مُحَدَّد للشريعة. . .
- في مذهبها الاجتماعي، اعتمدت الإسلام للإنسانية مبادئ مختارة للحضارة لإندونيسية وجعلتها ملائمة للتطبيق، وترى أن هذه المبادئ سابقة على مجيء الإسلام. . .
- تقبل الإسلام للإنسانية الشرعية الأخلاقية لتطوُّرات سوسيو-سياسية منتقاة في القرنين الأخيرين. . .
كان جون كومينيوس (1529-1660)، المشهور باعتباره ”أبا التعليم الحديث“ و”مُعَلِّم الأمم“، فيلسوفًا ولاهوتيًا وأسقفًا في الكنيسة المورافية (وحدة الأخوة Unitas Fratrum)، وهي واحدة من أقدم الطوائف البروتستانتية في العالَمِ.
درَّسَ الدكتور توماس جونسون في جامعة كارلوفا، براغ، حيث أسَّسَ معهد كومينيوس. يسعى المعهد إلى دعم ورعاية الباحثين المقتنعين بحقيقة الرسالة الإنجيلية وأهميتها، الذين يحاولون أن يعيشوا بصدق تجاه الله، والمتزنين لاهوتيًا ويتطورون تطوُّرًا متميزًا، والذين ينهلون أفضل ما في الفكر المسيحي التاريخي لتقييم التوجُّهات الحديثة وما-بعد الحداثية تقييمًا دقيقًا، والناشطين في الكنيسة، والمجتمع والتعليم لمجد الله.
دعونا لا ننظر إلا لغاية واحدة، رخاء الإنسانية؛ ودعونا نضع جانبًا كلَّ الأنانية المتجذرة في اللغة أو الجنسية أو الدين
جون آموس كومينيوس
استجابة مسيحية للإسلام للإنسانية
لقد حَدَّدَ أصدقاؤنا المسلمون هدفًا ساميًا للغاية، هدف يتعلق بإسلام أرثوذوكسي جديد وأصيل بحق؛ آمل أن يتمكنوا من السعي وراء أحلامهم بحرية. إنه استجابة مصقولة فلسفيًا لبعض أسئلة عصرنا المُلِحَة.
لاهوتيًا، تزعم الأخلاق المسيحية أنها تختلف جوهريًا عن الإسلام. كما قال القديس يوحنا الإنجيلي ”لأَنَّ الشَّرِيعَةَ أُعْطِيَتْ عَلَى يَدِ مُوسَى، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَقَدْ تَوَاجَدَا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ“ (يوحنا 1:17). تؤسس هذه العلاقة بين القانون والنعمة لكل شيء نفعله باعتبارنا مسيحيين. القانونُ أمرُ الإله المتعلق بما نفعله وما لا نفعله؛ والنعمة مَدَدُه المرتبط بالقبول والغفران غير المُسْتَحَقَّيْن في يسوع المسيح كما صَرَّح الإنجيل. على النقيض، يُنْظَر للإسلام عمومًا باعتباره حاويًا لتأكيد أثقل بكثير عن الشريعة من التأكيد على النعمة، على الرغم من ورود إضاءات عن الحاجة للنعمة ورودًا بَيْنَ الْحِينِ وَالآخَر، كما يرد في الحديث المشهور المنسوب للنبي محمد، والذاهب إلى أن عرش الله مكتوب عليه ”رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي“. هذه مسألة فائقة الأهمية عند المسيحيين الذين يعتقدون في مجيء النعمة عبر يسوع المسيح باعتبارها أملنا الوحيد للخلاص وأنه لا يمكننا أن نُنْقَذ مهما بلغت طاعتنا للشريعة.
على الرغم من هذا الاختلاف اللاهوتي المركزي، تُظْهِرُ مقارنة الإسلام للإنسانية مع الأخلاق الاجتماعية المسيحية وفلسفة القانون أنه، في خضم التهديدات العظيمة في هذا العصر، نظل حلفاء إيديولوجيين ويجب علينا معاملة أحدنا الآخر وفق هذا المنطلق. على الرغم من احتمال عدم حسم الاختلافات اللاهوتية بين المسيحيين والمسلمين، إلا أن مستوى اتفاقنا في مجالَي الأخلاق والقانون ينادي بتعاون عالَميّ في المجال العام. بدلًا من وقوف كل طرف منّا في جهة مضادة للآخر، يجب على المسيحيين الإنجيليين والمسلمين الإنسانيين المساهمة في حماية أحدهما لمجتمعات الآخر الدينية مع توضيح وتجسيد بوصلة أخلاقية عالَميَّة.
علاوة على ذلك، يمكن للتَّفَكُّر في الأفكار الرئيسية التي تُعبِّر عنها الإسلام للإنسانية مساعدتنا في تعميق فهم أوضح للجوانب الأساسية للأخلاق المسيحية وكيفية ارتباطها بالفكر الإسلامي. سأذكر ثلاث نقاط.
- تُميِّز أيَّة نظرية مسيحية في التأويل متعلقة بالقانون بين قوانين الإله الأخلاقية والتكليفية والشرعية، وكلها موجودة في الإنجيل. يمتلك هذا التمييز كلًّا من تشابهات واختلافات عن التمييز الذي تخبر عنه الإسلام للإنسانية بين المبادئ الأزلية والمبادئ المشروطة. . .
- يستتبع كامل الالتزام بالإسلام للإنسانية الدعوة إلى مبدأ أخلاقي كوني يتوقعون من المسلمين وغير المسلمين الإقرار به، حتى لو لم يُمَفْصَل مصدر وطبيعة هذا القانون تمامًا، على الدوام. هذا ما يسميه المسيحيون بـ ”القانون الأخلاقي الطبيعي“. . .
- في نطاق الأخلاق المسيحية، ثَمَّ نقاش متطور للعلاقة بين القوانين الأخلاقية التي تمتلك متوازيات بارزة وهامة في فلسفة الإسلام للإنسانية. . .
في الفترة من 7 لـ 13 نوفمبر في عام 2019، اجتمع قادة إنجيليون من 92 دولة في بوكور، إندونيسيا، من أجل الجمعية العمومية للتحالف الإنجيلي العالَميّ. كانت التيمة الرئيسية للجمعية ”فليأتِ ملكوتك“.
إذًا، ماذا يمكننا أن نفعل؟
على الرغم من فهمنا لله وارتباطنا به وفق طرق مختلفة، يرى المسلمون الإنسانيون والمسيحيون الإنجيليون في الحياةَ والعائلة والعقلانية والمجتمع المؤمن وحياة سوسيو-اقتصادية أشكالًا إنسانية أساسية للخير لها دور جوهري لتحقيق الرخاء الشامل للإنسانية في هذا العالَم. نعلم أن أشكال الخير المذكورة سلفًا غير حصينة وتطلب حمايتها من تهديدات متعددة. لدينا قناعات مشابهة بخصوص مقاييس أخلاقية ينبغي عليها التأثير في المبادئ الدينية والقانونية، التي يجب عليها جميعًا حماية أشكال الخير الإنسانية الأساسية. يلزم إبراز ذلك فكريًا وسياسيًا وفي التعليم وفي الجهود الإنسانية المشتركة.
عند إحداث التفاعل بين المبادئ الأساسية في الإسلام للإنسانية مع مبادئ الأخلاق المسيحية، يحوز المرءُ منهجًا أخلاقيًا-تشريعيًا يمثِّل استجابة للتَّطَرُّف الديني، واستجابة لجهود تسعى للحفاظ على دول مُعَرَّفَة دينيًا تتطلب هوية دينية محدَّدَة ليصبح الناسُ جهات معنية بالمعنى الكامل في المجتمع. بمعنى آخر، عند المسيحيين والمسلمين طريقة واضحة لتفسير الشر الأخلاقي عند كلٍّ من المتطرفين الدينيين والدول المُعَرَّفَة دينيًا – دولة لا تعتمد على التزام مسبق بأية رؤية دينية – على أساس يمكننا من خلاله الانخراط في خطاب ذي مبادئ ومنضبط مع حاملي الرؤى الأخرى والسعي للقضاء على الإرهاب والاضطهاد المؤسسين على الدين. يمكن لتأثيرنا أن يكون أعظم لو قدَّمه الممثلون الرسميون لأكبر تقليدين دينيين يُتَصَوَّر لمدى واسع اشتباكهما في صراع مع أحدهما الآخر.
كيف يمكن للمسيحيين حول العالَم تعزيز مثل هذا التعاون؟
- يمكننا إقامة مناسبات مشتركة يناقش عبرها الباحثون أو القادة المدنيون كيفية حديثنا عن أحدنا الآخر وكيفية اشتباكنا مع الأسئلة المرتبطة بدور الدين في المجتمع.
- يمكننا إنتاج كتابات مشتركة.
- يمكننا جمع القادة السياسيين من كلا المجتمعين الدينيين للحديث عن كيفية إمكان تطويرهم للقوانين المدنية، بناء على فهمهم المشترك للقانون الأخلاقي الكوني الذي سيحمي كافة أشكال الخير الإنسانية الأساسية.
- يمكننا العمل معًا لتوفير معلومات للأعمال وقطاعات الحكومة والتعليم عن كيفية تعزيز التفاعل المنسجم بين الناس من مختلف الثقافات والأديان.
- يمكننا التعاون في توفير المساعدة الإنسانية أو في مواجهة مشكلات أخرى لا يمكن للحكومة منفردة حلها إلا نادرًا، مثل التَّشَرُّد والإتجار بالبشر وإدمان المخدرات والمشاكل البيئية.
إن التحالف الإنجيلي العالَميّ حاليًا ينشغل بهذا التَّحَدِّي على مستوى عالَمي. في نوفمبر 2019، أثناء تواجدنا في إندونيسيا لحضور المجلس العام للتحالف الإنجيلي العالَميّ، قضى معظمنا أغلب اليوم مع قادة نهضة العلماء. بعد مراسلات ونقاشات أعمق، في إبريل 2020 أعلنّا عن مشروع مشترك للرَّدِّ على التهديدات التي تطال الحرية الدينية المتولدة عن كلٍّ من التَّطَرُّف الديني والتَّطَرُّف العلماني. في لقائنا المشترك في يونيو، قررنا السعي وراء جهود تعاونية في ثلاث مناطق: معارضة ”الطغيان“ (أي، الحكومات والحركات التي تهدد الحقوق الإنسانية والحريات الأساسية)؛ وصياغة تفصيلية لرسائل مشتركة في مجالات الفقه والتشريع والأخلاق وحقوق الإنسان؛ والاتصالات العامة.
إن تمدُّد العلمانية والإلحاد والنزعة النسبية الأخلاقية في الغرب الحديث لاقى دعمًا جزئيًا من التصوُّر واسع المدى، على الرغم من زيفه في العموم، الذاهب إلى أن الأديان المؤسسية المُنَظَّمَة سببٌ للحرب والقمع. يسوّغ مستوى الاتفاق الفلسفي بين المسيحيين الإنجيليين والإسلام للإنسانية البادي في هذا التحليل جهدًا مشتركًا مركَّزًا لبناء عالَم يمكن للإيمان الديني الازدهار فيه لصالح خير البشرية.
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)
قد ترغب في قراءة:
منظمتان إنجيلية وإسلامية عالميتان تطلقان مشروع حرية دينيًا مشتركًا كبيرًا
موفد اتحاد إنجيلي عالَميّ يبرز الأهمية التاريخية الممكنة للإسلام للإنسانية
البابا فرنسيس لقادة نهضة العلماء: ”صلّوا من أجلي وسأصلي من أجلكم. كلنا أخوة“
الإنسانية الغربية، والديمقراطية المسيحية، والإسلام للإنسانية: اتحاد للقرن 21