التيارات المعاصرة في الإيديولوجيا الإسلاموية لمعهد هودسون

”لقد برزت نهضة العلماء باعتبارها مُتَحَديًا عظيمًا للجهات الحكومية ذات النفوذ في معركة على روح الإسلام“

”لقد تجاوزت حركة [الإسلام للإنسانية] التظاهر بتأييد أفكار التسامح والتعددية بإصدار الفتاوى المقصود منها إعادة زرع الإيمان في سياقه عن طريق إبطال تصنيفات مثل الكفار“

مسلمون إندونيسيون يرتدون أقنعة ويحافظون على ممارسة التباعد الاجتماعي أثناء صلاة الجمعة في مسجد التين الكبير بجاكارتا، إندونيسيا، 5 يونيو 2020. (إيكو سيسوونو تويودو/ وكالة الأناضول للأنباء عبر صور غيتي)

واشنطن العاصمة: لقد نشر مركز أبحاث رائد في الولايات المتحدة تحليلًا عميقًا ”للمعركة على روح الإسلام“، وأورد المركز بروز نهضة العلماء باعتبارها منافسًا عظيمًا في سياق تنافس العالَم الإسلامي على القوة الدينية الناعمة والقيادة – قادرة على العمل في نفس مستوى دول مثل السعودية والإمارات وتركيا وإيران.

نُشر مقال الدكتور جيمس م. دورسي – خبير في الشرق الأوسط وباحث كبير في جامعات رائدة بسنغافورة وألمانيا وإسرائيل – الواقع في 18 صفحة في دورية التيارات المعاصرة في الإيديولوجيا الإسلاموية التي ينشرها مركز معهد هودسون للإسلام، والديمقراطية ومستقبل العالَم الإسلامي.

بعد نشره بفترة قصيرة، رُشِّحَ المقال لجائزة الصحافة الأوروبية المميزة، في خضم الجدال الحاد الذي تلا قطع رأس مدرس مدرسة فرنسي وهجمات إسلامية أخرى ارتُكِبَت في نيس وفيينا ودِرِسْدِن.

يختتم دكتور دورسي مقاله بالتوضيح التالي:

”ثَمَّة معركة أساسية للقوة الناعمة المتدينة الإسلامية تخلق العداوة بين السعودية وإيران والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا وإندونيسيا تدور بنسبة كبيرة حول دعم التأثير العالَمي والإقليمي لهذه الدول. لا تعير هذه المعركة أدنى اهتمام لتطبيق أفكار إسلامٍ معتدل من حيث النظرية أو التطبيق على الرغم من مزاعم يزعمها خصوم عدة، وأغلبهم دول سلطوية تهتم قليلًا بحقوق الإنسان والأقليات أو بالحريات الأساسية.

”تختلف إندونيسيا ذات الأغلبية المسلمة، ثالث أكبر ديمقراطية في العالَم عن هذه الدول. لقد راكَمَت منظمة تقليدية ومحافظة من عدة أوجه، وهي نهضة العلماء، أكبر حركة إسلامية في العالَم، احترامًا واعترافًا عالَميَّيْن بتبنّيها للإسلام للإنسانية التي تُقِرُّ بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة والمبادئ الواردة فيه واتَّخَذَت خطوات فعلية وحقيقية للتفاعل مع المبادئ الإسلامية التي تراها عتيقة. بفعل ذلك، لقد برزت نهضة العلماء باعتبارها مُتَحَديًا عظيمًا للجهات الحكومية ذات النفوذ في معركة على روح الإسلام. لكنها لا تزال تواجه تحدِّي التغلُّب على الرؤية العربية التي يعبِّر عنها عبد الله الأول مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية بعد نهاية الخلافة، وهي الرؤية الذاهبة إلى أن القيادة الإسلامية يلزم أن تعود للعرب بطريقة ما“.

نسخة موجزة من مقال الدكتور دورسي واردة أسفله.

معركة على روح الإسلام

لقد شَمَتَ الحاكم الأردني عبد الله الأول بن الحسين، في 1924، عندما ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافةَ، وهو الرجل صاحب الرؤية المستقبلية الذي شَكَّلَ تركيا الحديثة من أطلال الإمبراطورية العثمانية. قال عبد الله لصحيفة الغارديان-مانشستر في ذلك الوقت، ”لقد انتحر الأتراك. لقد كان لهم في الخلافة واحدة من أعظم القوى السياسية، ولقد ألقوا بها بعيدًا . . . أرغب في إرسال تلغراف لشكر مصطفى كمال. الخلافة مؤسسة عربية. كان النبي عربيًا، والقرآن عربي كذلك، والأماكن المقدسة في الجزيرة العربية ويجب أن يكون الخليفة عربيًا من قبيلة قريش، وكان عبد الله يشير لقبيلة النبي محمد“. وأضاف، ”لقد عادت الخلافة الآن إلى الجزيرة العربية“.

لم يحدث ذلك. لم يُظهر القادة العرب أدنى اهتمام بعودة الخلافة حتى في ظل انتقاد الكثير من المفكرين والمشايخ المسلمين عبر الشرق الأوسط والعالَم الإسلامي لإلغاء أتاتورك لها. أعلنت الحركات السياسية الإسلاموية المبكرة، من جانبها، عن إحياء الخلافة على نحوٍ كبير باعتبارها تطلُّعًا بدلًا من اعتبارها هدفًا فوريًا. بعد قرن، لا تتقاتل مراكز النفوذ الإسلامية في العالَم على الخلافة. بدلًا من ذلك، ينخرطون في تعميق كفاح القوة الناعمة الدينية لتحقيق السيادة والتأثير الجيو-سياسيين.

تخلق المعركةُ على روح الإسلام العداوةَ بين القوى الشرق أوسطية والآسيوية: تركيا، التي كانت الكرسيَ الإسلامي العالَميّ للخلافة الحقيقية؛ والسعودية، موطن المدن المقدسة للإيمان الإسلامي؛ والإمارات العربية المتحدة التي تروّج لتأويل دولاني على نحوٍ حركي للإسلام؛ وقطر بنسختها الوهابية الأقل تزمُّتًا لحدٍّ ما والتي تميل للإسلام السياسي؛ وإندونيسيا، التي تدعم وتعزز فكرة عن الإسلام إنسانية تعدُّديَّة تمد يديها للأديان الأخرى وكذلك تمدهما للقوى الوسط-يمينية غير المسلمة حول العالَم؛ والمغرب التي تستخدم الدين باعتباره وسيلة لتعين المغرب نفسها على احتلال مكانة الدولة المعبّرة عن الإسلام المعتدل؛ وإيران الشيعية بثورتها التي خرجت عن مسارها.

في التحليل الأخير، قد لا يخرج فائز مبين من بين هذه الدول. لكن، يمكن لمسار المعركة تحديد الدرجة التي ستُعَرِّف الإسلامَ وفقها واحدةٌ أو أكثر من الأطياف المتنافسة ذوات النزعة المحافظة المتطرفة –أشكالُ إيمان دولانية تدعو للطاعة المطلقة للحكام و/أو تختزل المؤسسات الدينية إلى رهون للدولة. ثَمَّ سجالٌ أوسع مدى على امتداد العالَم الإسلامي عداوته صريحة تصل لقلب العلاقة بين الدولة والدين. يتأسس ذلك السجال على التساؤل عن دور الدولة، إن كان لها دور من الأساس، الذي ينبغي عليها أداؤه في تعزيز وتقوية الأخلاق الدينية وموقع الدين في عملية التعليم، والأنظمة التشريعية، والسياسات. باحتدام المعركة في سبيل القوة الناعمة الدينية بين الدول المتنافسة، صار الخط الفاصل بين الدولة والدين أشد غموضًا، بالأخص في الدول التي تميل للأوتوقراطية. من شأن هذا الصراع التأثير مستقبلًا، كما فعل دومًا، على احتمالات انبثاق تأويل أكثر تسامحًا وتعددي بحق لواحد من الأديان الإبراهيمية الثلاثة.

صراع تنافسي تشتد وتيرته بمرور الزمن

يكشف استقصاء عن التاريخ الحديث للسعي وراء القوة الناعمة الدينية عن صراع تنافسي تشتد وتيرته مع الدخول المتعاقب لعدة لاعبين جدد. أولًا، في ستينيات القرن العشرين، احتكر السعوديون، بالاشتراك مع تدخل باكستاني ودرجة من المساهمة لغرب إفريقيا، مجالَ اللعب لدرجةٍ ما بإنشائهم للبنات ما سينبثق باعتباره الحملة الدبلوماسية العامة التي تتلقي تمويلا هائلًا وتديرها الدولة، وهي الأشد على مستوى العالَم. . .

مثَّلَت الثورة الإسلامية بإيران في عام 1979 اللحظةَ التي أصبحت حينها الثورة الناعمة الدينية السعودية لا يضاهيها أحد. كما أسست لمرحلة جديدة في العداوة السعودية-الإيرانية التي ابتلعت تدريجيًا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وما يتجاوزهما. القوة والتأثير الناعمان الدينيان عنصرٌ ثابتٌ لهذه العداوة. . .

معركة معقدة تشتد وتيرتها بمرور الزمن

لو توَّلَت حملة القوة الناعمة الدينية السعودية، التي لا تضاهيها قوة، تعريفَ المرحلة الأولى في المعركة على روح الإسلام، وببدء المرحلة الثانية مع انبثاق إيران الثورية، فإن المرحلة الثالثة الأحدث هي الأكثر تعقيدًا بينهم، ليس فقط بسبب وصول لاعبين جدد على الساحة وإنما كذلك لاستلزامها وجود عداوات داخل العداوات الموجودة بالفعل تاريخيًا.

اللاعبون الجدد بالأساس هم الإمارات العربية المتحدة، وتركيا، وقطر، وإندونيسيا. تسبب دخول هذه الدول في النزاع في زيادة إبهام الخطوط الفاصلة بين القوى الناعمة الدينية المحضة والقوة الناعمة الثقافية، والقومية، والكفاح داخل المجتمعات الإسلامية على القيم، بما يتضمن الحريات المتعددة والحقوق والأنظمة السياسية المفضلة.

المرحلة الثالثة معقدة بسبب الحقيقة التالية: كل اللاعبين باستثناء إندونيسيا تبنّوا بالفعل نموذجًا رابطًا بين القوة الناعمة الدينية والقوة الصلبة واستخدام الوكلاء لإحراز تقدم في أجنداتهم الخاصة. هذا الأمر ظاهر بوضوح في الحرب التي تقودها السعودية والإمارات العربية المتحدة لصدِّ إيران في اليمن؛ وفي الدعم الإماراتي والمصري والتركي للجهات المتصارعة في الحرب الأهلية بليبيا؛ وتدخُّل تركيا ودول الخليج في سوريا.

يكشف العنف المتزايد حقيقة الانتهازية التي يمارس بها أغلبُ اللاعبين. على سبيل المثال، لقد كانت السعودية راغبة إما في تشكيل تحالفات أو تعزيز تحالفات قائمة بالفعل مع جماعات متوافقة مع الإخوان المسلمين على الرغم من إشارتها لتنظيم الإخوان المسلمين باعتبارها كيانًا إرهابيًا، بينما الإمارات تدَّعي الاعتدال لكنها تستمر في دعم قوى الثورة الليبية للقائد خليفة حفتر الذي تتضمن قواته عددًا كبيرًا من المقاتلين السلفيين. . .

الوافد الجديد

لقد أثبتت إندونيسيا، وهي الوافد الجديد في التنافس على القوة الناعمة الدينية والقيادة، أنها مسألة مختلفة تمامًا. لم تبرز حكومة الرئيس جوكو ويدودو، وإنما برزت نهضة العلماء، وهي أكبر حركة إسلامية في العالَم، باعتبارها منافسًا عظيمًا، وهي منافس قادر على العمل في نفس مستوى الدول التي تتنافس معها.

نتيجة لذلك، اضطلعت دولة إندونيسيا بدور ثانوي في التنافس العالَميّ بين المسلمين. تستفيد دولة إندونيسيا من علاقاتها وارتباطاتها الوثيقة بنهضة العلماء وكذلك بقدرة الحركة على الوصول لأروقة السلطة والقوة السياسيتين في عواصم العالَم، وبما يشمل واشنطن، ولندن، وبرلين، وبودابست، والفاتيكان، ودلهي. كانت نهضة العلماء مفيدة في تنظيم زيارة البابا فرنسيس لإندونيسيا في 2020، وهي زيارة أُجِّلَت اضطراريًا بسبب وباء فيروس كورونا.

شَكَّلَت الحركة كذلك روابط عمل وثيقة مع مجتمعات ذات قاعدة شعبية إسلامية في أجزاء متعددة من العالَم بالإضافة إلى روابط وثيقة مع الجماعات اليهودية والمسيحية. لقد أصبح التأثير والوصول الدوليين العالَميين المتناميين لنهضة العلماء أمرًا ممكنًا عبر تبنّي الأخيرة في 2015 لمبدأ ”إسلام نوسانتارا (جزر الهند الشرقية)“ أو ”الإسلام للإنسانية“ التي أقرَّت إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. لقد تجاوزت الحركة التظاهرَ بتأييد أفكار التسامح والتعددية بإصدار الفتاوى المقصود منها إعادة زرع الإيمان في سياقه بالقضاء على تصنيفات شرعية مثل الكفار.

تعود ثورة نهضة العلماء تجاه عملية إعادة غرس الإسلام في سياقه إلى تجمُّعٍ للعلماء في 1992 برئاسة عبد الرحمن وحيد، قائد المجموعة في ذلك الوقت ثم أصبح لاحقًا رئيس إندونيسيا. لاحظت المجموعة وقتها ”أن السياق المتغيِّر للواقع يستلزم بالضرورة خلقَ تأويلات جديدة للقانون الإسلامي والتعاليم الإسلامية الأرثوذوكسية“.

في حديثه لصحيفة ألمانية بعد 25 عامًا من ذلك الحدث، أرسى الأمين العام لنهضة العلماء يحيى خليل ثقوف الخطَ الفاصل الأساسي بين فكرة مجموعته عن الإسلام المعتدل وفكرة خصوم إندونيسيا في نفس السياق بدون تحديد أسماء الخصوم. حين طُلِبَ منه تحديد المبادئ الإسلامية الإشكالية، قال ثقوف: ”علاقة المسلمين بغير المسلمين، وعلاقة المسلمين بالدولة. وعلاقة المسلمين بالنظام القانوني السائد أينما عاشوا . . . في التقليد الكلاسيكي، يُفْتَرَض أن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين علاقة فصل وعداوة . . . لكن في عالَم اليوم، يكون مذهبٌ كهذا غير معقول. وبالمدى الذي يتشبث به المسلمون بهذه الرؤية للإسلام، فإنها تجعلهم غير قادرين على العيش في توافُق وانسجام وسلام داخل مجتمعات القرن الحادي والعشرين المتعددة ثقافيًا ودينيًا“.

تحلَّى ويدودو في البدء بأمل تقوية بيان نهضة العلماء عن الإسلام للإنسانية لحكومته لاعتبار إندونيسيا بمثابة منارة التأويل الحديث للإيمان الإسلامي. متحدثًا في مناسبة تدشين الجامعة الإسلامية الدولية (UIII)، في غرب جاوة، أنشأ ويدودو تحديًا لمنافسيه في الشرق الأوسط بإعلانه أنه كان ”من الطبيعي واللائق لإندونيسيا أن تصبح المرجع (الحاكم) لتقدُّم الحضارة الإسلامية“. رأى ويدودو في الجامعة إمدادًا ببديل للجامعة الإسلامية بالمدينة، التي أدَّت دورًا أساسيًا في حملة القوة الناعمة الدينية للسعودية، والأزهر في القاهرة الذي يرجع زمان تأسيسه إلى عدة قرون مضت، الواقع تحت تأثير منحات دراسة وباحثين مدعومين ماليًا من السعودية، بالإضافة إلى التمويل الإماراتي. قال الباحث في الفلسفة الإسلامية، أمين عبد الله، إن الجامعة ”خطوة واعدة لتقديم إندونيسيا باعتبارها المركز العالَميّ للإسلام ’المعتدل‘“.

إن المخاوف السعودية والإماراتية من إمكانية انبثاق إندونيسيا باعتبارها منافسًا جادًا على القوة الناعمة الدينية خُفِّفَت حدتها عندما أحبط نقادٌ في إدارة حكومة ويدودو تطلعاته. ودُفِنَ مقترح من 6 صفحات لتعزيز القوة الناعمة الدينية الإندونيسية عالَميًّا قدمته نهضةُ العلماء في 2016 بطلب من براتكينو، وهو وزير في حكومة ويدودو مسؤول عن توفير الدعم الإداري لمبادراته، بعد تحذير وزير الخارجية من أن تبنّي هذا المقترح من شأنه تدمير العلاقات مع دول الخليج.

كان يمكن لهذا الأمر أن يكون نهاية القصة. لكن لم تتوقع السعودية ولا الإمارات ذلك التصميمَ من جانب نهضة العلماء لدفع مبدأ الإسلام للإنسانية صوب العالَميَّة، وبما يتضمن أرفع مستويات الحكومة في العواصم الغربية وفي دول مثل الهند. ولم يتوقعا كذلك رغبة الرئيس ويدودو في وضع الطرفين في مقابل بعضهما البعض عبر دعم حملة نهضة العلماء في اشتباكها مع المسائل الدينية مع كلٍّ من السعوديين والإماراتيين.

إن الدرجة التي تتصور بها الإمارات العربية المتحدة والسعودية إندونيسيا باعتبارها تهددًا أمرٌ بَيِّن ومُدَلَّل عليه في سجالات محتدمة تجري في اجتماعات بين الأديان على مستوى عالٍ يعقدها الفاتيكان، وسام براونباك، سفير الولايات المتحدة المتنقل للحرية الدينية الدولية، وآخرون عن مبادئ مثل تعزيز إعلان الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان.

كان بروز نهضة العلماء هو ما أقنع محمد بن عبد الكريم العيسى، ”رئيس رابطة العالَم الإسلامي“، بزيارة مقر نهضة العلماء الإندونيسية في جاكارتا في بدايات 2020. كانت أول زيارة لواحدة من أبرز المنظمات الإسلامية في العالَم في تاريخ الرابطة الممتد لقرابة 60 عامًا. سمحت هذه الزيارة العيسى لتقديم نفسه لمعارفه في دوائر اتصاله بين الأديان وكذلك في حواره مع المسؤولين الغربيين ومتحدثين بارزين آخرين ذوي تأثير وكأنه في حالة حوار مع نهضة العلماء.

رفض العيسى فرصة مقابلة منذ عامين عندما كان هو وشيخ من نهضة العلماء في مكة في نفس الوقت. أخبر العيسى متحدثًا غربيًا كان يحاول ترتيب المقابلة أنه ”لم يسمع من قبل قط“ عن العالِم الإندونيسي ولم يتمكن من توفير الوقت للقاء ”بسبب جدول لقاءات مُحَدَّد بالفعل، مزدحم للغاية مع شخصيات إسلامية دولية“ تضمنت ”شخصيات بارزة معتدلة ذات تأثير من فلسطين والعراق وتونس وروسيا وكازاخستان“.

أُجْبِرَت السعودية بعد شهور تالية في التحضير للانتخابات الرئاسية الإندونيسية في 2019 على تغيير سفيرها في جاكارتا، أسامة بن محمد عبد الله آل شعيب. نَدَّدَ السفيرُ في تغريدة له عبر تطبيق تويتر – عبر حسابه الذي أُوقِفَ عمله منذ ذلك الوقت – بأنصار، المنظمة الفَتِيَّة لشباب جمعية نهضة العلماء، باعتبارها ”أحد الجماعات المنحرفة“، كما دعَمَ مظاهرةً مناهضة للحكومة.

يمكن التدليل أكثر على قدرة نهضة العلماء على التنافس عبر التأثير المتزايد لدورها في منظمة ديمقراطيي الوسط الدولية (CDI)، أكبر تحالف للأحزاب السياسية في العالَم. تعين عضويةُ حزب نهضة الوطن (PKB)، وهو الحزب السياسي لنهضة العلماء، في منظمة ديمقراطيي الوسط الدولية، نهضةَ العلماء على حيازة موقع بارز في التنافس على القوة الناعمة مع الإمارات العربية المتحدة والسعودية، وكلا هاتين الدولتين تمنعان تأسيس الأحزاب السياسية. في هذه الأثناء، يتبنى حزب نهضة الوطن التعدديةَ على نحوٍ أكبر من حزب العدالة والتنمية (AKP) بتركيا، إذ أظهر الأخيرُ نزعاتٍ سلطوية على نحوٍ متزايد.

جرى لقاء اللجنة التنفيذية لمنظمة ديمقراطيي الوسط الدولية في مدينة يوجياكرتا الجاوية في يناير 2020. من بين المشاركين قادة بارزون من أمريكا اللاتينية ورؤساء سابقون للدولة، ووزير الخارجية المجري فيكتور أوربان، ورئيس الوزراء السلوفيني الأسبق يانيز يانشا، وإلمار بروك، مساعد وثيق الصلة بالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.

كان تأثيرُ نهضة العلماء بيِّنًا في تبنّي منظمة ديمقراطيي الوسط الدولية لقرارٍ نادى بالتمسُّك بالأخلاق الكونية والقيم الإنسانية بناء على الإنسانية الغربية، والديمقراطية المسيحية، والإسلام للإنسانية. نادى القرار بمقاومة ”انبثاق دول ذات تمركز حضاري، وسلطوية لا تقبل النظام المؤسس على القوانين بعد الحرب العالَميَّة الثانية، إما من جهة حقوق الإنسان، أو حكم القانون، أو الديمقراطية أو احترام الحدود الدولية وسيادة الدول الأخرى“.

تستفيد نهضةُ العلماء مما وصفه الصحفي محمد أبو الفضل باعتباره رفضًا لأي ”تيار إسلامي عربي“ كان، بحسب كلماته، ”روافده تخفي غابًا وجوهًا متشددة“ في التصورات الغربية. رأى أبو الفضل أنه ”تم الاتجاه نحو ما يسمى بـ ’الإسلام الآسيوي‘، الذي تشي معطيات متعددة أنه أكثر اعتدالًا، وأقل استعدادًا لتصدير أي أفكار تبدو متطرفة للآخر، وأخف جموحًا في التفسيرات الملتبسة، وأشد حرصًا على التسامح“.

استنتاج

ثَمَّة معركة أساسية للقوة الناعمة المتدينة الإسلامية تخلق العداوة بين السعودية وإيران والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا وإندونيسيا تدور بنسبة كبيرة حول دعم التأثير العالَمي والإقليمي لهذه الدول. لا تعير هذه المعركة أدنى اهتمام لتطبيق أفكار إسلامٍ معتدل من حيث النظرية أو التطبيق على الرغم من مزاعم يزعمها خصوم عدة، وأغلبهم دول سلطوية تهتم قليلًا بحقوق الإنسان والأقليات أو بالحريات الأساسية.

تختلف إندونيسيا ذات الأغلبية المسلمة، ثالث أكبر ديمقراطية في العالَم عن هذه الدول. لقد راكَمَت منظمة تقليدية ومحافظة من عدة أوجه، وهي نهضة العلماء، أكبر حركة إسلامية في العالَم، احترامًا واعترافًا عالَميَّيْن بتبنّيها للإسلام للإنسانية التي تُقِرُّ بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة والمبادئ الواردة فيه واتَّخَذَت خطوات فعلية وحقيقية للتفاعل مع المبادئ الإسلامية التي تراها عتيقة. بفعل ذلك، لقد برزت نهضة العلماء باعتبارها مُتَحَديًا عظيمًا للجهات الحكومية ذات النفوذ في معركة على روح الإسلام. لكنها لا تزال تواجه تحدِّي التغلُّب على الرؤية العربية التي يعبِّر عنها عبد الله الأول مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية بعد نهاية الخلافة، وهي الرؤية الذاهبة إلى أن القيادة الإسلامية يلزم أن تعود للعرب بطريقة ما.

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع

تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)

قد ترغب في قراءة:

دورية المراجعة الإستراتيجية: نهضة العلماء على أتَمّ استعداد للقيادة العالَميَّة