صحيفة وول ستريت

كيف نجعل الإسلام أقل جذرية

إعادة غرس تعاليم الإسلام في سياقها لمواجهة التَّطَرُّف وللحثِّ على الإصلاح

كتبه يحيى خليل ثقوف | 14 يناير 2021

أعضاء نهضة العلماء، أكبر منظمة إسلامية في إندونيسيا، يقيمون صلاة جماعة للترحيب بشهر رمضان في جاكارتا، 14 يونيو 2015. الصورة: آديك بيري/ وكالة فرانس برس/ عبر صور غيتي GETTY IMAGES

بعد زمان مقداره عُمْر جيلٍ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لم يحرز العالَم إلا تَقَدُّمًا طفيفًا من جهة تحرير نفسه من تهديد الإسلام الراديكالي. في كلِّ مرة تقضي الولايات المتحدة على أسامة بن لادن أو أبي بكر البغدادي وأشباههم، يظهر 100 متطرف غيرهم على الساحة.

لقد ابتلع عنفٌ مخيفٌ أكثر بقاع العالَم الإسلامي، من آسيا الوسطى مرورًا بالشرق الأوسط، وصولًا إلى أفريقيا. يثور العنف كذلك ثورةً متكررة في شوارع لندن وباريس ونيويورك. بدءًا من 2019، استبقت وكالة الاستخبارات المحلية في بريطانيا قوائمَ مراقبة تشتمل على أكثر من 35000 مشتبه فيهم من المتطرفين الإسلاميين يُعْتَقَد في تشكيلهم لتهديد على المملكة المتحدة.

لماذا يجتاح التَّطَرُّف الإسلاموي العالَمَ الحديث؟ لماذا تُظْهِر القاعدة وبوكو حرام والدولة الإسلامية (داعش) همجية ووحشية كهذه؟

كما أخبرتُ الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرًا، يمكن تَعَقُّب عقيدة وأهداف وإستراتيجيا هؤلاء المتطرفين وصولًا إلى مبادئ مُحَدَّدَة كما مورِسَت تاريخيًا. تأمر أجزاءٌ من القانون الإسلامي الكلاسيكي بممارسة الاستعلاء الإسلامي، وتشجع العداوة تجاه غير المسلمين، وتطلب توطيدَ دولة إسلامية عالَميَّة أو خلافة. ليست داعش بانحرافٍ في مسار التاريخ.

حتى إلغاء الخلافة العثمانية رسميًا في 1924، كان أغلبُ الشرق الأوسط محكومًا وَفْق القانون الإسلامي الكلاسيكي، أو الفقه، الذي غالبًا ما يُخلَط بينه وبين الشريعة. لقد ظلَّت الافتراضاتُ الإجرائية عن هذه الخلافة والجسد الكلي الكلاسيكي للفقه الإسلامي الذي حَكَمَ هذه الخلافةَ مستقرًا على نحوٍ عميق في المجتمعات الإسلامية. حتى عندما لم يُحْتَفَظ بهذه المبادئ في القانون الوضعي، احتفظت هذه المبادئ الكلاسيكية بسلطة دينية مُعْتَبَرَة وشرعية اجتماعية شكَّلَت الذهنيةَ المسلمة السائدة.

تشترط الأرثوذوكسية الإسلامية الكلاسيكية الموتَ باعتباره عقوبة الرِدَّة وتجعل حقوق غير المسلمين مشروطة بإرادة الحاكم المسلم، مما يقدِّم أشكالَ حمايةٍ محدودة لغير المؤمنين خارج هذا الإطار التمييزي العالي. يَعتبر ملايين المسلمين الملتزمين، وبما يتضمن الكثير من المسلمين في بلدان غير مسلمة، التطبيقَ الكامل لهذه المبادئ أمرًا مركزيًا لإيمانهم.

تكمن المشكلة في أن هذه المبادئ، التي تشكِّل لُبَّ الإيديولوجيا الإسلاموية، معاديةٌ للتعايش السلمي في عالَم تَعَدُّدِيّ ومُعَوْلَم. لكن لا يمكننا نسف أيَّة إيديولوجيا من جذورها في الواقع. تقريبًا، من بين أربعة أفراد في العالَم ثَمَّ فردٌ مسلم، والكثير من المسلمين – وأنا منهم – جاهزون للموت في سبيل إيماننا.

لن ينفي العالَمُ الإسلامَ، لكن يلزم على العالَم نفي بلوى التَّطَرُّف الإسلاموي. سيتطلب ذلك الأمر من المسلمين وغير المسلمين العمل سويًا، متكئين على جوانب وأبعاد سلمية في التعاليم الإسلامية لتشجيع احترام التَّعَدُّدِيَّة الدينية والكرامة الأصيلة لكلِّ إنسان.

الطريقة الأكثر رسوخًا لمواجهة أيَّة إيديولوجيا دينية متطرفة هي إعادة غرس تعاليم هذه الإيديولوجيا في سياقها وإصلاحها من الداخل. منذ أربعة قرون مضت، قتل الكاثوليك والبروتستانت بعضهم البعض على الدوام؛ والآن هم في حالة تعايُش. أعتقدُ في إمكان حدوث نفس النوع من التغيير في نطاق الإسلام خلال جيل أو جيلين. ما نحتاجه هو بديل موثوق فيه يتَّسق مع الأرثوذوكسية الإسلامية، يطوِّره وينشره ذوو السلطة الدينية والسياسية في العالَم الإسلامي.

تعزز نهضة العلماء، أكبر منظمة إسلامية مستقلة في العالَمِ، والتي أشغل فيها منصب الأمين العام، بديلًا كهذا. من موقعنا الراسخ داخل تراث روحي وفكري وشرعي للإسلام السُّنيّ الأرثوذوكسي، نقرُّ بأن أغلب الفقه لا يشكِّل جوهر الدين الروحي الذي لا يتغير، المعروف باسم الثوابت، وإنما الفقه بالأحرى تعبيرات مشروطة تاريخيًا أو متغيرات. يمكن تغيير هذه التعبيرات عن الإسلام [أي، المتغيرات].

لقد نهض مسلمون لا حصر لهم من إندونيسيا بهذه المهمة، أقصد مهمة الإصلاح، في العقود الأخيرة. بدءًا من ثمانينيات القرن العشرين، قاد ورثةٌ بارزون لهذا التراث نهضةَ العلماء رسميًا لإباحة الاجتهاد الجمعي: استخدام العقل المستقل لتجديد العناصر الزمانية في الفقه وضمان تجسيد التعاليم والممارسات الإسلامية للحب الكوني والرحمة، وهما رسالة الإسلام الأساسية.

لقد أثمرت هذه الجهود بالفعل، وفي 2019، تبنَّى المؤتمر الوطني لعلماء نهضة العلماء بيانَ نوسانتارا – وهو إطار عمل لاهوتي لتجديد الأرثوذوكسية الإسلامية – وأبطَلَ التصنيف الشرعي للكافر داخل القانون الإسلامي، كي يتمتع غير المسلمين بالمساواة التامة، باعتبارهم مواطنين، بدلًا من مكابدة تمييز منظَّم ضدهم وبدلًا من عيشهم تحت هوى حاكم مسلم.

ليس هدفنا إعادة تكوين العالَم الإسلامي وَفْق الصورة الخاصة بنا. بالأحرى، نسعى لتوطيد نسخة موثوق فيها من الأرثوذوكسية الإسلامية والتي يمكن للمجتمعات الإسلامية الأخرى اختيار تبنّيها في وجود التحفيز العالَميّ الملائم. لو حدث ذلك، بعد جيلٍ من الآن، يمكن للعالَم الإسلامي أن يكون أقل راديكالية وعنفًا.

إعادة غرس الأرثوذوكسية الإسلامية في سياقها أمر حيوي وهام لتحقيق رخاء المسلمين وغير المسلمين. إنه شرط أوَّلي لأيِّ حَلٍّ عقلاني وإنساني للأزمة متعددة الأبعاد التي أصابت العالَم الإسلامي لأكثر من قرن. يمكن للقادة عبر العالَم المشاركة على نحوٍ أكثر فعالية عبر فحص فهم السلام الذي يزدهر في إندونيسيا ومناشدة الدول الإسلامية الأخرى للتفكير في مسارٍ مشابه.

الأستاذ ثقوف هو الأمين العام للمجلس الأعلى لنهضة العلماء والمؤسس المشترك لحركة لإسلام للإنسانية.

ظهر هذا المقال في 15 يناير 2021، في النسخة المطبوعة من صحيفة وول ستريت.

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع

تحميل نسخة PDF من هذا المقال

قد ترغب في قراءة:

التيارات المعاصرة في الإيديولوجيا الإسلاموية لمعهد هودسون:
”لقد برزت نهضة العلماء باعتبارها مُتَحَديًا عظيمًا للجهات الحكومية ذات النفوذ في معركة على روح الإسلا“

الإسلام والمُخْتَفون

بيان نوسانتارا