خطبة تاريخية، تُنْشَر بالإنجليزية لأول مرة، تقدِّم تَذْكِرَة قوية للغرب

”الوحدةَ الاجتماعية أسمى فضيلة وأقوى أداة لترويج ودعم الخير المشترك“

”كان الانقسامُ سببَ الضعف والهزيمة والفشل على مرِّ العصور“

”لا يمكن لأي بيت انقسم أهله ضد بعضهم البعض الصمود“ ~ أبراهام لينكون

واشنطن العاصمة، 9 أغسطس 2021: لقد أتاحت أكبرُ منظمة إسلامية بالعالَم، نهضة العلماء بإندونيسيا، خطبةً عمرها قرن من الزمان، ألقاها واحدٌ من مؤسسي هذه المنظمة، وهو كياي حاج هاشم أشعري، لأول مرة باللغة الإنجليزية. إن نَشْرَ هذه الخطبة – وعنوانها مقدمة إلى المبادئ الأساسية لنهضة العلماء – جزءٌ من جهد أكبر تبذله نهضة العلماء، التي بها 90 مليون عضو، لتعزيز القيم الحضارية المشتركة ومنع تحويل الهوية إلى سلاح سياسي.

تحذِّر الخطبةُ، التي أُلقِيَت في الاجتماع التدشيني لنهضة العلماء في 1926، من أن الانقسام الاجتماعي”هو جذر الدمار والإفلاس، ومصدر الانهيار والخراب، وهو أداة الإذلال والفوضى“. بعد قرابة قرن من إلقائها، تبقى هذه الخطبة، التي تسهب في تفصيل الإطار الأخلاقي واللاهوتي الذي تعتنقه أكبر منظمة إسلامية في العالَم، الوثيقةَ التأسيسية لنهضة العلماء.

هذه الخطبة، مقدمة إلى المبادئ الأساسية لنهضة العلماء، واردة في كتاب الله ليس في حاجة إلى دفاع من أحد: إعادة رسم صورة العلاقات الإسلامية-المسيحية في القرن 21. بوصفه مختارات من الكتابات التي كَتَبَها باحثون مسلمون ومسيحيون بارزون تابعون لحركة الإسلام للإنسانية والتحالف الإنجيلي العالَميّ، أُعلِنَ عن نشر الكتاب في 13 يوليو 2021، في قمة دينية استضافها ”مسجد محمد“، المعروف باسم ”مسجد الأمة“. يقع هذا المسجد في حي ”شاو“ التاريخي، على بُعد 3.2 كيلومتر تقريبًا من البيت الأبيض، وهو أول مسجد في الولايات المتحدة بناه أحفادُ الأمريكيين الأفارقة المُسْتَعْبَدين.

في خطبة أُلقِيَت في هذه المناسبة، عَقَّب الإمام طالب شريف من مسجد الأمة أن كل البشر يتشاركون هوية مشتركة مشتقة من خالقهم. ”من هذه الهوية [الواحدة، المشتركة] أتت تعبيرات الحياة الإنسانية، وهي تعبيرات كثيرة، وجميلة، ورائعة، ومتعددة وكلها أسهمت في جمال وقوة أممنا وعالَمنا … يركّز الإسلام للإنسانية على تلك الهوية [المشتركة] أولًا“، التي تعزز الحب والرحمة والإحساس القوي بالوحدة مع الآخرين.

بعد ثلاثة أيام، في نقاش مع وزير الخارجية الأمريكي السابق، مايكل بومبيو أذاعه معهد هَدسون في 16 يوليو 2021، حذَّرَ الأمينُ العام لنهضة العلماء، كياي حاج يحيى خليل ثقوف، من أن الصراع القائم على الهوية في الولايات المتحدة يفرض تهديدًا كبيرًا على السلام والأمن العالَميَّيْن:

سيؤثر الحادث في أمريكا، أيًا كان، على الموقف العالَميّ بأسره. لذا، دعوني أقول بوضوح ويسر إننا نحتاج إلى أمريكا قوية ومتماسكة. لا يمكننا تحمُّل [تكلفة] انقسام أمريكا. لا يمكن للعلَم بأسره تحمُّل [تكلفة] انكسار أمريكا بسبب كل هذا الصراع الهوياتي.

نعتقد أن مقدمة القانون الأساسي تبقى ملائمة ليومنا هذا كما كانت وقت الإعلان عنها. على مدار القرن الماضي، لقد تضامنت نهضة العلماء وحافظت على الإسلام التراثي داخل إندونيسيا، في مواجهة تهديدات متكررة من حركات إسلامية عابرة للحدود وإيديولوجياتها، الناشئة في الشرق الأوسط.

بما أن نهضة العلماء تقترب من المئوية، ينظر القادة الروحيون لنهضة العلماء إلى تلك الوثيقة باعتبارها مصدرًا للإلهام والإرشاد في جهودهم التخطيطية للتأثير الإستراتيجي على امتداد العالَم. لأن رسالة هذه الوثيقة تبقى ملائمة، ليس فقط للإندونيسيين، وإنما كذلك لشعوب أمريكا الشمالية وأوروبا، حيث تهدد الانقساماتُ السياسية بإبطال الإنجازات الفريدة للحضارة الغربية، التي ساعدت على ميلاد نظام دولي مؤسس على القوانين، ويتأسس على احترام الحقوق والكرامة المتساوية لكل إنسان.

مُقَدِّمَة إلى مبادئ نهضة العلماء
(مُقَدِّمَة القانون الأساسي)

كَتَبَها: كياي حاج هاشم أشعري

إن أُمَّةً واحدة كجسدٍ واحد، وأهل هذه الأُمَّة كأعضاء الجسد. لكل عضوٍ مهمةٌ ودورٌ يناسبانه، ولا يمكن للجسد تجاهُل أداء كلِّ عضو.

كما هو معلوم كونيًا، الكائنات البشرية مخلوقات اجتماعية بطبيعتها، تختلط مع الآخرين؛ لأنه لا يمكن لإنسان، أو إنسانة، تحقيق حاجته، أو حاجتها، بمفرده، أو بمفردها، في الحياة. راغبين في ذلك أم لا، يلزم على كل شخص التَّفاعُل مجتمعيًا، وهو تفاعل من شأنه المساهمة على نحو مثالي في رخاء كل أعضاء المجتمع الآخرين بينما يحفظهم جميعًا من الخطر. إن وحدة قلوب البشر، وعقولهم، إذ يساعد الناس بعضهم بعضًا لتحقيق هدف مشترك، هو أهم مصدر للسعادة الإنسانية وأقوى عامل يحفِّز البشر لحب بعضهم بعضًا.

بسبب هذا المبدأ، أصبحت الكثير من الأمم تحيا في ازدهار. لقد أصبح الخُدَّام حُكَّامًا، معزِّزين لتَطَوُّر يحدث على مدى هائل. لقد أصبحت الأممُ متقدمة؛ وفُرِضَ حُكْم القانون؛ شُيِّدَت شبكات المواصلات، والتي مَكَّنَت من ازدهار التبادل الاقتصادي والثقافي. تنشأ منافع أخرى لا حصر لها من الوحدة الاجتماعية، لأن الوحدةَ الاجتماعية أسمى فضيلة وأقوى أداة لترويج ودعم الخير المشترك.

يؤكد ما ذُكِرَ أعلاه كلماتِ الشاعر الذي قال بحق:

”كونوا معًا يا أبنائي إذا
حَلَّت لحظة الأزمة
لا تَكونوا شِيَعًا وَحدكم
تُقاوِم الكؤوسُ الانكسارَ حين تجتمع سويًا
وحين تنتثر
تتهشم واحدًا تلو الآخر“

وتعلَّمنا من سيدنا علي (رضي الله عنه) [601-661] أن الله لا يمنح خيرًا، أيًا كان، للمنقسمين، في الماضي أو في المستقبل.

سببُ ذلك أن قومًا قلوبهم متفرقة تحكمهم أهواؤهم، لا مجال عندهم للخير المشترك. وبدلًا من أن يَكونوا أُمَةً مُوَحَّدَة، هم أفرادٌ بالكاد يجتمعون بمعنى فيزيائي [أي، تقارب الأجساد في مكان واحد ليس إلا]: قد يحسب المرء أنهم مُوَحَّدون، وفي الواقع، قلوبهم متفرقة ومتباعدة.

لقد أصبحوا – كما يقول البعض – كماعز تفرَّقَت في حقلٍ مفتوح، تحاوطهم وحوشٌ مفترسة. إن كانت الماعز بخيرٍ، لوقتٍ ما، فما ذلك إلا لأن الحيوانات المفترسة لم تصل إليهم بعد، لكن، يومًا ما، من المؤكد وصول تلك الحيوانات المفترسة. قد يرجع سبب ذلك إلى تقاتُل الوحوش المفترسة فيما بينها وإخضاع الواحد منهم للآخر، بحيث يصبح المنتصرون منهم سُرَّاقًا، والخاسرون منهم لصوصًا. وعلى الرغم من ذلك، ستقع الماعزُ فريسة لكلٍّ من السُّرَّاق واللصوص.

كان الانقسامُ سببَ الضعف والهزيمة والفشل على مرِّ العصور. إنه جذرُ الدمار والإفلاس، ومصدرُ الانهيار والخراب، والعامل المؤثِّر للإذلال والفوضى.

كم عدد العائلات الكبيرة التي عاشت – في البدء – في ازدهار وراحة في الكثير من البيوت التي جعلتهم يشعرون بالطمأنينة حتى زحف عقربُ الانقسام، يومًا ما، بينهم، وسمه الزَّحَّاف يُفسِد قلوبهم كَمَثَلِ الشيطان إذ أدَّى دوره بينهم؟ في النهاية، تصبح العائلة فوضى هائلة، وتنهار بيوتهم عليهم.

لقد أخبرنا صحابي النبي علي (رضي الله عنه) أن سبب الحق قد يكون ضعيفًا بسبب الفتنة والانقسام الداخلي، بينما قد ينمو الشرّ قويًا من خلال التماسك ووحدة الهدف.

واختصارًا، مَنْ يَنظر إلى مرآة التاريخ، ويقلب في صفحات الأمم المتعددة وتَقَلُّب الأزمنة – ويرى ما حدث لتلك الأمم حتى وصولها لنقطة فنائها – سيعلم أن المجد الذي طَوَّرهم يومًا لم يَكن شيئًا سوى بركة منسوبة إلى وحدة مُثُلهم، وأفكارهم، ووحدة الهدف. كانت هذه الوحدةُ العاملَ الحاسم الذي ارتقى بكرامتهم وضَمَنَ سيادتهم: القلعة الحصينة التي صانت قوتهم وضَمَنَت بقاء وحفظ تعاليمهم.

لا يمكن لأعداء شعب مُوَحَّد فعل شيء لإيذائهم؛ بالأحرى، يُحني الأعداءُ رؤوسهم احترامًا لقوة الشعب وكرامته. إن الشعب المُوَحَّد قادر، ببراعة، على تحقيق أهدافه الكثيرة.

هذا مصيرُ شعبٍ لا تغرب شمس الله عليه؛ بل يشرق نوره الكريم دومًا عليهم، لا على أعدائهم.

أيها العلماء والقادة المستنيرون من الجماعة السُّنيَّة، يا مَن تسيرون على هدي مدارس الفقه الأربع: لقد استقيتم معرفتكم مِمَّن أتوا قبلكم؛ ومَن كانوا قبلكم استقوا معرفتهم مِمَّن أتوا قبلهم، في سلسلة متصلة من السند تمتد [من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)] لكلِّ واحدٍ منكم اليوم. وكلُّ واحد منكم يتعلم باستمرار من أيِّ إنسان قد يُسبغ عليكم حكمةَ دينكم.

بالتالي، أنتم مَن تَحمون هذه المعرفة القَيِّمَة، أنتم حُرَّاسها. لا تدخلوا البيوت إلا من أبوابها. مَن يدخل بوسيلة أخرى سيُسَمَّى لصًّا.

لأنه ثَمَّ صنفٌ من الناس [وهم الوهابيون] يقعون في أعماق الفتنة، إذ يختارون تبنّي البدعة بدلًا من تعاليم الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بينما تندهش أغلبية المؤمنين – ببساطة – فيقعون في صمتٍ. ولذا ينتشر الهراطقة واللصوص [والوهابيون منهم] انتشارًا لا هوادة فيه. يُحَرِّفون الحقَّ ليلائمهم، يأمرون بالشر كما لو كان خيرًا وينهون عن الخير كما لو كان شرًّا. يطلبون من الآخرين اتّباع تأويلهم لكتاب الله، على الرغم من أن أفعالهم لا تقودها تعاليم القرآن الكريم بأدنى درجة.

ولم يتوقفوا عند ذلك الأمر، وإنما، أسسوا منظمات لترويج تعاليمهم المنحرفة وتضخيم خطئهم المتجسد على نحوٍ مُنَظَّم (وتنظيمي). انضوى البؤساء إلى هذه التجمُّعات ولم يسمعوا كلمات النبي (صلى الله عليه وسلم):

فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ

كان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) [584-644 ميلادي] محقًّا بالكلية عندما قال: ”يهدم الإسلامَ زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن وحكم الأئمة المضلون“.

كلكم أنفس صالحة قادرة على تبديد أكاذيب خبراء ترويج الشرِّ؛ والتأويل الديني للحمقى؛ وفجور المتجاوزين لكل الحدود؛ بتطبيق الحُجَج التي أمدنا اللهُ بها، رب الكون، الذي يعرض لبرهان حقيقته على لسان مَنْ يشاء له.

وكلكم من بين الجماعة التي وصفها حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ”لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ“.

تعالوا! جميعكم، وكل أتباعكم من الفقراء والأثرياء، الضعفاء والأقوياء. انضووا إلى هذه الجمعية المباركة التي نُسَمَّى: ”جمعية نهضة العلماء“.

ادخلوا [هذه الجمعية] بروحٍ تفيض بالحب، والرحمة، والانسجام، ووحدة الهدف. ادخلوا برابطة توحّدنا، جسدًا وروحًا. هذه جمعية صالحة: جمعية سِلْمِيَّة، طبيعتها تحسين الشخصية وتعزيز الأدب تجاه الآخرين. مذاقها حلو في أفواه المُكرَّسين للخير، وهي شوكة في حلق الأشرار، تخنق الذين [قد يَكونون ماهرين في تلاوة القرآن الكريم، لكنهم لا يستوعبون معناه الجوَّاني في قلوبهم]. وبهذا الصدد، عليكم جميعًا السعي إلى تذكير أحدكم للآخر بالعمل سويًا في انسجام، مُطَبِّقين وسائل مُرضِيَة للقلب وتستعين به، بالإضافة إلى براهين لا تقبل التفنيد [تتعلق بقناعات المرء]. انقلوا بوضوح ما أمَرَكم به اللهُ، لتُطَهَّر الأكاذيب الدينية وتخرج من كل الناس، في كل اتجا.

فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ”إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ، وَسُبَّ أَصْحَابِي، فَعَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِين)“. (حديث رواه الخطيب البغدادي [1002 – 1071 ميلادي] في الجامع).

وقد قال الله (سبحانه وتعالى):

وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى

ترجمة توماس ج. دينهام وت. هولاند تايلور

يتضمن ميراث كياي حاج هاشم أشعري تأسيس إندونيسيا باعتبارها دولة قومية متعددة دينيًا وتُقِر التَّعَدُّد، وظهور نهضة العلماء، على الساحة العالَميَّة، باعتبارها نموذجًا للقومية الدينية المُحْسِنَة

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع

تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)

قد ترغب في قراءة:

تقرير مسجد الأمة

الله ليس في حاجة إلى دفاع من أحد: إعادة رسم صورة العلاقات الإسلامية-المسيحية في القرن 21