
الجلسة الافتتاحية لمنتدى الدين لمجموعة العشرين (R20)
الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو يوجه خطابه للمشاركين في الـ (R20):
”يلزم على القادة الدينيين، من الأديان والأمم المختلفة، العمل سويًا على تقوية إسهام الدين في حلّ مشكلات العالَم، وتقليل العداوة، وإنهاء الصراع، والوصول إلى عالَمٍ مُتَّحِد، ينعم بالسلام“.

بالي، إندونيسيا، 2 نوفمبر 2022 ― اجتمع أكثر من 400 قائد ديني وعالِم، من حول العالَم، لأول قمة سنوية لـ (R20)، وهي القمة التي رحَّبَت بها حكومةُ إندونيسيا باعتبارها ”حدثًا رئيسيًا“ رسميًّا في أثناء رئاستها لـ ”مجموعة العشرين“. وإذ تعكس (R20) السمةَ العميقة، المُمَيَّزَة روحيًّا، لحضارة نوسانتارا (”جزر الهند الشرقية“، أو الحضارة الإندونيسية)، صُمِّمَ (R20) بعناية ليُغَذِّي بنى السلطة السياسية والاقتصادية في العالَم بالقيم الخُلقية والروحية (أي، الدينية)، بدلًا من توظيف الدين في خدمة أجندة علمانية محضة.
وفي الإقرار الصريح لنهضة العلماء الإندونيسية بأن الدين غالبًا ما أسهم في الصراع القائم على الهوية، على امتداد التاريخ، وكذلك، في اللحظة الراهنة، أسَّسَت نهضةُ العلماء منتدى الدين لمجموعة العشرين (R20)، وذلك ”للمساعدة في ضمان أن يضطلع الدين، في القرن الواحد والعشرين، بدورِ مصدرٍ أصيل وديناميكي للحلول، بدلًا من المشكلات“.
يوفِّر هذا البيانُ مقتطفاتٍ طويلة من خطابات أُلقيَت في صباح يوم الأربعاء، 2 نوفمبر 2022، في أثناء الجلسة الافتتاحية لـ (R20). المقصود من هذه المقتطفات السماح للقراء ― وبما يشمل القادة الدينيين، وصُنَّاع السياسات، والدارسين، والصحفيين، والأطراف المعنيّة الأخرى ― سريعًا بمطالعة وفهم الطبيعة الجوهرية لأجندة (R20) وكلمات القادة الدينيين البارزين في قمة (R20) في بالي.
وَجَّه رئيسُ إندونيسيا جوكو ويدودو، كلمته إلى الجلسة الافتتاحية لـ (R20) (الصورة أعلاه)، وهي التي حضرها قادة دينيون بارزون من 6 قارات و18 دولة من الدول الأعضاء بمجموعة العشرين (G20).
واختتم الرئيس ويدودو خطابَه الترحيبيّ بقوله:
السيدات والسادة، حضوركم اليوم في هذا المنتدى، (R20)، يمنحنا شعورًا بالفخر. تريد إندونيسيا أن تتعلم منكم جميعًا، يا مَن أتيتم إلى بالي من حول العالَم. ونحن، أي شعب إندونيسيا، على استعداد لمشاركة ملاحظاتنا وخبراتنا. هذا أمر مهم جدًا، يلزم على القادة الدينيين، من الأديان والأمم المختلفة، العمل سويًا على تقوية إسهام الدين في حلّ مشكلات العالَم، وتقليل العداوة، وإنهاء الصراع، والوصول إلى عالَمٍ مُتَّحِد، ينعم بالسلام، وفيه يعمل أهل كلّ دين سويًا لنترك من بعدنا ميراثًا أفضل للأجيال القادمة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فليصحبكم السلام
المجد لبوذا المُبَجَّل.

الرئيس المؤسِّس لـ (R20) كياي حاج يحيى خليل ثقوف (في المنتصف، جهة اليمين) يُحيي صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لـ ”رابطة العالَم الإسلامي“ والرئيس المشارك لقمة (R20) في بالي.
أسَّسَت نهضةُ العلماء، وهي أكبر منظمة إسلامية في العالَم، منتدى الدين لمجموعة العشرين، بالاقتران مع الرئاسة الإندونيسية لمجموعة العشرين، لتعزيز نظام دولي مؤسَّس على القوانين ويقوم على القيم الخلقية والروحية المشتركة. دَعَت نهضةُ العلماء ”رابطةَ العالَم الإسلامي“، وهي منظمة إسلامية غير حكومية ومقرها مكة بالمملكة العربية السعودية، للمشاركة في استضافة منتدى (R20) لهذا العام.

أداء راقص يُمَيِّز أصالةَ إقليم آتشيه ― وهو إقليم على الطرف الشمالي من سومطرة ويُعْرَف بـ ”شرفات مكة“ ― عُرِضَ في أثناء الاحتفالية الافتتاحية لـ (R20) في بالي، “جزيرة الآلهة” (أعلاه) وترحيب كياي حاج يحيى خليل ثقوف، رئيس نهضة العلماء، بالمشاركين في (R20) في بالي، ”جزيرة الآلهة“ (أعلاه) وترحيب كياي حاج يحيى خليل ثقوف، رئيس نهضة العلماء، بالمشاركين في (R20) (أسفله)

وها هو مقتطف من خطاب الترحيب الموجز لرئيس نهضة العلماء، كياي حاج يحيى خليل ثقوف، وقد حُرِّر للنشر، أسفله.
حضرات الضيوف الأفاضل، سيداتي وسادتي، أيها السادة المتحدثون والمشارِكون الأفاضل: بالنيابة عن أصدقائكم في إندونيسيا، نهضة العلماء ومركز القيم الحضارية المشتركة، أرحب بكم في بالي، إندونيسيا.
مرحبًا بكم في بالي، أرض الهندوسية في أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالَم.
مرحبًا بكم في بالي، أرض الهندوسية، التي يسمح سكانها بأداء أبرز رقصة تراثية من آتشيه، لأوضح ثقافة إسلامية داخل أمّتنا [الإندونيسية]، على هذه المنصة.
مرحبًا بكم في بالي، أرض الهندوسية، التي يسمح سكانها لنهضة العلماء، أكبر منظمة إسلامية في العالَم، ولـ ”رابطة العالَم الإسلامي“، أهم منظمة في العالَم الإسلامي، بإقامة (R20) هنا في هذا المكان، وهو المنتدى الذي يحضره قادة دينيون من كل أنحاء العالَم.
مرحبًا بكم في إندونيسيا، أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالَم، التي تسمح لبالي بالحفاظ على ثقافتها الهندوسية الفريدة. إنها الدولة ذات الأغلبية المسلمة الأكبر في العالَم، التي تسمح بازدهار ثقافة هندوسية فريدة، يشجعها ويحتفي بها كلُّ شعب إندونيسيا.
إن منتدى الدين لمجموعة العشرين، أو (R20)، مبادرةٌ تأتي من نيّة وإرادة صادقة، وطيبة، وروحية من أهل الدين ― من انشغال صادق، من جانب كل المؤمنين المتدينين، فيما يتعلق بمستقبل الإنسانية. من المؤكد أننا نأمل في حيازة هذه المبادرة لموقع بارز ومُبَجَّل في نطاق ديناميات الكفاح الإنساني العالَميّة لإيجاد حلول لمشاكلها الراهنة، والأزلية.

ويظهر أسفل هذه الفقرة مقتطف موجز للخطاب الرئيسي الذي ألقاه صاحب الفضيلة والسمو الشيخ محمد بن عبد الكريم العيسى (الصورة أعلاه)، الأمين العام لـ ”رابطة العالَم الإسلامي“ والرئيس المشترك لقمة (R20) في بالي.
نسعد هذا اليوم أن نَكون معكم في هذا الجمع التاريخي المهم، والذي يجمع قادة دينيين بارزين لإطلاق مبادرة عالَميّة في إطار قمة الـ (G20)، وهي منصة الـ (R20)، والتي اعتمدتها بحمد الله رئاسة الـ (R20) في هذا العام لتصبح مجموعة تواصل لأتباع الأديان هي الأولى من نوعها في تاريخ الـ (G20).
مُقَدِّرين تقديرًا عاليًا لفخامة رئيس الجمهورية لدعمه ورعايته وتبنّيه هذه المبادرة. هذه المبادرة التي ستُلقي بالمزيد من المسؤولية على القادة الدينيين كما أنها ستُحَمّلنا، في ”رابطة العالَم الإسلامي“، ونهضة العلماء، مسؤولية خاصة بوصفنا المؤسسين لمنصة الـ (R20) في إطار دعم رئاسة الـ (G20) لهذا العام.
دعا الإسلام إلى الحكمة مع الجميع، وحفَّز على هذه الصفة، الصفة الوازنة في تكامل الشخصية الدينية … ”يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ“ (البقرة: 269).
ووصف ”الحكمة“ مليء بالمعاني الإضافية، ومن الحكمة أن نتجاوز التحدثَ عن الأماني والنظريات والأطروحات العابرة إلى الأعمال والمبادرات. ولذلك، نسعد، في منبر هذه المنصة، بأن نطلقَ ”مبادرةَ بناء الجسور بين الشرق والغرب“ من أجل عالَمٍ أكثر تفاهمًا وسلامًا ومجتمعات أكثر تعايشًا ووئامًا.
ونحن في عالَمنا اليوم أحوج ما نَكون إلى جانب عمليّ، وهو بناء الجسور من خلال المبادرات والبرامج الفاعلة والمؤثِّرَة التي تتجاوز ”شَتات“ و”مُعاد“ و”مُكَرَّر“ الحوارات، والتي لها سنين عددًا لا تزال تُراوِح مكانها؛ لم تصل إلى أهدافها؛ ودون، أيضًا، أن تحقق مُنْجَزًا يُمكن أن يُوصَفَ بأنه مُنْجَز وازن مفيدٌ لعالَمِنا. وهذه المبادرة تعمل على عقد تحالف حضاري بين الجميع، تركّز على قاعدة راسخة وقوية، وهي قاعدة المُشْتَرَكات الدينية والإنسانية، التي أشرنا إليها.

القادة الدينيون والسياسيون من الدول الأعضاء في مجموعة العشرين (G20) في صورةٍ جماعية التُقِطَت في أثناء الجلسة الأولى المكتملة العدد (أعلاه) وكياي حاج يحيى خليل ثقوف يرسم الخطوط العريضة لمهمة وأهداف (R20) في خطابه الرئيسيّ (في الأسفل)

في خطابه الرئيسيّ، أبانَ كياي حاج يحيى خليل ثقوف، مؤسس (R20)، الرؤيةَ التي ألهمت إنشاء هذه القمة. ناقش الأستاذُ ثقوف الحاجةَ الملحة لدى القادة الدينيين والثقافيين والسياسيين ليضبطوا، بحكمة، الصراع الحتمي بين القيم المتنافسة، وهو الصراع الذي تتسبب فيه العولمة التي تُقَرِّب بين شعوب وثقافات وتقاليد متعددة أكثر فأكثر.
وبالأخص، وَصَفَ الأستاذُ ثقوف الحاجة إلى تحديد وتبنّي هذه القيم الكونية التي تُقِرّ بها، بالفعل، أغلبية من سكان العالَم، مثل قيم الصدق، والرحمة، والعدل. ثم تَحَدَّثَ عن أهمية تطوير إجماع عالَميّ يتعلق بالقيم المشتركة التي ستحتاج ثقافات العالَم المتعددة إلى تطويرها وتبنّيها، إذا كان لهذه الثقافات المعنية أن تتعايش في سلام.
في هذا السياق، أوضح الأستاذُ ثقوف أنه من الضروري أيضًا الإقرار باستمرار الكثير من المجتمعات المتدينة في تبنّي قيم مُعَيَّنَة قد تمنع التعايش السلمي مع الآخرين. وقد أشاد بالإصلاحات التي قدّمتها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في ”المجمع الفاتيكاني الثاني“ ووَصَف كيف أنه:
في 2016، أقامت جماعة من اليهود (وهي ماسورتي Masorti، أو التيار المحافظ في اليهودية) منتدى للعلماء الحاخاميين وأصدرت تقريرًا من 29 صفحة قد يؤدي دور الملهم لنا جميعًا [”مكانة غير اليهود في الشريعة اليهودية والتقليد اليهوديّ اليوم“]. وكان هدفهُم ضمانَ إمكانية وجود علاقة أفضل وأكثر انسجامًا بين المجتمعات اليهودية وغير اليهودية. ودَرَسَت هذه الوثيقةُ بصدق وشجاعة، والتي تُسمَّى ”الجواب الحاخامي teshuva“، الشريعةَ اليهودية (هالاخاه) وناشَدَت اليهودَ عبر العالَم بتبنّي فهم لدينهم يُقِرّ بالمساواة الأساسية لكل البشر لتعزيز علاقات متآلفة مع الآخرين.

نَقَلَ قداسةُ البابا فرنسيس تحياتِه الشخصية وتفكُّراته الجوهرية عن منتدى الدين لمجموعة العشرين إلى المشاركين في القمة الافتتاحية لـ (R20) في بالي. وقرأ صاحبُ المعالي، القديس بيرو بيوبو، السفير البابويّ إلى إندونيسيا، رسالةَ البابا فرنسيس، الواردة في 4 صفحات (الصورة أعلاه)، وفي الأسفل، ننقل مقتطفات منها.
أقدّم تحياتي الشديدة إلى كلّ من يشاركون في المنتدى الديني لـ (G20)، وأعبِّر عن امتناني لمُنَظِّمي هذا الحدث.
يوفِّر لقاؤكم في بالي، وهو الذي يسبق قمة (G20)، فرصةً مناسِبَة لنتفكر معًا، بوصفنا قادة دينيين ومُمَثِّلين للأديان، في مسائل وقضايا واحتياجات عصرنا. ومن بين هذه الأمور المعنيّة سؤالُ الدور الذي يمكن للدين أن يؤديه من جهة إيجاد حلول لأزماتٍ لا تؤثِّر، في الوقت الراهن، على الأفراد فقط، بل يمتد أثرها ليصل إلى شعوب، ودول بأسرها، وكذلك المجتمع الدوليّ. لأنه في وسط مجتمع مُعَوْلَم، ”تُسْتَدْعَى التقاليد الدينية العظيمة وتقاليد الحكمة لتشهد على وجود إرث روحي وخُلقيّ مُشْتَرَك، بناء على مبدأين: التَّعالي والأخوَّة“ (قراءة للإعلان الأخير وخلاصة اجتماع [قادة الأديان العالَميَّة والتقليدية]، نور سلطان، 15 سبتمبر 2022)….
لا يمكن عزل أسمى التطلُّعات الإنسانية عن الحياة، بحيث تهبط في مرتبتها إلى محض المجال الخاص. إن الرجال والنساء في كلّ مكان، على الرغم من الانتماء إلى ثقافات ولغات وتقاليد دينية مختلفة، يسألون نفس الأسئلة الأساسيّة: من أنا؟ من أين أتيت؟ لماذا يوجَد ظلم، وشَر، وموت في العالَم؟ ما الذي يوجَد بعد الموت؟ وإذ تواجه أديانُ العالَم هذه الأسئلة، تناشدنا للنظر بما يتجاوز وهم الغرور، والارتقاء برؤيتنا إلى ما يعلو على ذلك، إلى الإله الذي خَلَقَنا لنَكونَ عائلة إنسانية واحدة، وهو الذي يوفِّر الحياةَ والأملَ للجميع.
ومما يؤسف له أن العالَم يتسم، على نحوٍ متزايد، بتجاهل الإله وانتهاكات تُرْتَكَب باسمه. يلزم علينا التأكيد على أن التطرف، والنزعة الراديكالية، والإرهاب وكلّ بواعث الكراهية والعداء والعنف والحرب، ومهما كانت محفّزاتها أو غاياتها، لا علاقة لها بالروح الأصيلة للدين، ويلزم رفضها وَفق أوضح الألفاظ وأكثرها حسمًا. بدلًا من ذلك، تتمثل مسؤوليتنا، باعتبارنا مؤمنين وباعتبارنا قادة في مجتمعاتنا، في تعزيز طرق الحوار المتبادَل، والحب، والوفاق، التي تؤدي إلى السلام والتوافُق مع خطّة القدير. وفي هذا الصدد، يَكون الدين، وبعيدًا عن كونه سببًا للأزمات العديدة الماثلة أمامنا اليوم، جزءًا من حلّ هذه الأزمات.
بالتالي، أثق في أن كلّ ما ستخرجون به في أثناء هذا المنتدى للدين سيُفيد، وَفق روح الحوار المتبادَل، الصالحَ العام من خلال تذكير الرجال والنساء، في كل مكان، بالعناية الإلهية بكل خلق من مخلوقاته، والحاجة إلى تقوية روابط التضامن الأخويّ. وبهذه الطريقة، يمكن لعملكم المساهمة في حَلِّ الأزمات المتعددة التي تواجه العائلة الإنسانية، وبذلك، نُفيد إخواننا وأخواتنا.

حضرات الرُّسُل المُوَقَّرون للإيمان الخالد!
وجَّه صاحبُ القداسة، سوامي جوفيندا ديف جيري مهراجا (الصورة أعلاه)، خطابَه بالجلسة الافتتاحية لـ (R20) باسم تقليد ”شانكاراشاريا“ الهندي. يَحفَظ هذا التقليدُ تعاليمَ الـ ”أدفايتا“ للمعلِّم (وتعني acharaya) والعالِم الفيديّ [نسبة إلى الديانة الفيدية]، آدي شانكارا Adi Shankara، الذي تُعْتَبَر شروحه النسقيّة على المبادئ العشرة للأوبانيشاد، والبهاغافاد غيتا، وبراهما سوترا، تأسيسية في تطوير الفكر الهندوسي الحديث. تظهر، في الأسفل، نسخة مُحَرَّرَة ومختصرة من تعقيبات سوامي جوفيندا ديف جيري.
حضرات الرُّسُل المُوَقَّرون للإيمان الخالد!
آتي إليكم من أرض آدي شانكاراشاريا، أرض الــ ”أدفايتا“، التي لا توفِّر التسويغَ من أجل الوحدة الجوهرية للبشرية فقط، بل توفّرها من أجل الكون بأكمله. شخصيًّا، أنا سعيدٌ بزيارة هذه البقعة من كوكب الأرض، حيث تَرَكَ الهندوس، منذ الأيام الغابرة، بصمتهم الروحية والثقافية.
بالفعل، من العجيب، والصادق في الوقت نفسه، أن مؤسسة الدين، التي أُسِّسَت في الأصل لضمان سلامة الإنسان، أصبحت هي نفسها مصدرًا للكثير من مشكلاتنا. لكن، أيلزم أن يَكون الأمر كذلك؟ على الرغم من الاختلافات بين الأديان ― الاختلافات الثقافية أو التاريخية أو الطقوسية ―يلزم أن يَكون جوهر كل الأديان واحدًا: الضمير، والرحمة، والتوسُّط، وسلامة العالَم، لأن الإله، بالنسبة إلينا جميعًا، واحد. تتحدث كل الأديان بنفس اللسان: هجر الرذائل، والتَّطَهُّر من خلال الصوم، والتَّرَنُّم بالاسم المقدس، والإحسان، وأخيرًا وليس بآخر، الإيمان بالإله. في الحقيقة، هذه الوحدة المؤسِّسَة للأديان هي التي جمعتنا هنا معًا، وأنا، باسم الدارما الهندوسية، أهنئ المُنَظِّمين.
بأخذ ذلك الأمر بعين الاعتبار، دعونا نوحِّد قلوبنا وأيدينا ونعيد ”الدين“ إلى دوره المجيد الأصلي والجوهريّ بحق ― ”الدين“ باعتباره الطريق إلى عالَم عادل وسلميّ وسعيد. ولن يَكون ذلك بـ ”شَنِّ حرب“ ضد الشَّرِ، وإنما بالسير على طريق الاستبطان، طريق الاعتراف المنفتح، طريق الاستنارة، بالحب والرحمة في القلب.
لكلّ أديان العالَم نصوص قديمة. وينبغي توقيرها واحترامها جميعًا لأنها أنارت فتبدد الظلام، وجعلت الحياة الإنسانية أكثر استنارة وأسعد في تلك الأوقات الغابرة. وفي أثناء حفظ الإيمان واتّباع التعاليم الدينية من أجل التطوُّر الروحيّ، تتطلب الظروفُ العالِميّة الجديدة أن نطوِّرَ تأويلات ملائمة لإيماننا، متسقة مع وسطنا الاجتماعي والثقافي الحديث وقوانين الدول المختلفة.
ثَمَّ أجيال جديدة، من كل أنحاء العالَم، تنتظر حدوث ذلك الأمر وتنظر، في تَطَلُّعٍ، إلينا، متحلية بالأمل. لقد كانت الهندوسية تدفُّقًا ثقافيًا تقدُّميًّا، تتكيف وَفق نهجٍ يتسق مع الأزمنة المتغيرة على الدوام. لقد وصف المهاتما غاندي، على نحوٍ مناسب، الهندوسيةَ باعتبارها سعيًا مستمرًا وراء الحقيقة. ولا ينبغي أن تَكون كيفية إمكان مضينا للأمام، في هذا الاتجاه، وعلى أفضل وجه، موضوعًا للنقاش في اجتماعات كهذه فقط، بل أن تُحَقَّق كذلك في سلوكنا اليومي.
أيتها النفوس الإلهية، دعونا، من ثَمَّ، نضم أيدينا سويًا، ونجمع سويًا مصادرنا الروحية، ونمضي في مهمة تطوير نظام عالَميّ جديد، ملامحه هي التي تَصَوَّرها العظيم ريشي من ”بَهَارات“:
عسى أن تَكون كل الكائنات سعيدة
ويَكون كلها في صحة وافرة
لعل الجميع لا يرون إلا الأيام الطيبة
وعسى ألا يعاني أحد أبدًاليست الرؤية الهندوسية للحياة حلمًا ولا محض صلاة. أعتقد أنها مهمة نحملها، جميعًا، على عَاتقنا، لأننا أبناء الله المختارون لتشكيل مستقبل أفضل للإنسانية.
وأختم حديثي بصلاة كونية بكلمات القديس دانيشوار، وهو فيلسوف وقديس وشاعر، من الهند، ومن العصور الوسطى.
أرجوك أن تباركنا، يا إلهي، بعالَمٍ ―
عالَم يتيه فيه الأشرار، مُجَرَّدين من الرذائل، في الأعمال النبيلة.
عالَم تتآلف جميع عناصره.
عالَم يتنعم بالاستنارة والحب المُتَبَادَل.
عالَم تتحقق فيه كل أمنية نبيلة.
وباختصار، عالَم تَكون كل مخلوقاته في نعيم أبديّ، وفي اتحاد مع القدير.فليصحبكم السلام

ألقى فضيلة الإمام الدكتور شوقي إبراهيم عبد الكريم عَلَّام، مفتي الديار المصرية، وهي أكبر دولة في العالَم العربي من حيث تعداد السكان، تعقيباتٍ تظهر منها مقتطفات، في الأسفل.
نجتمع معًا على كلمة سواء وأجندة مشتركَة لما فيه صالح البلاد والعباد. كما أثمِّن، كذلك، رؤية مجموعة (R20) لتعزيز السلام العالَميّ وتطوير الحوار بين الحضارات. وقد أضحى هذا المنتدى، بفضل هذه الجهود، نموذجًا بارزًا لرفع مستوى التعاون بين أتباع الأديان لصالح الإنسانية جميعًا…
نحن في حاجة إلى أن يُدَرِّب تعليمنا المعاصر الطلابَ، صغارًا وكبارًا، على أن يتكافلوا ويتكاملوا في اتفاقهم واختلافهم أيضًا، في حاجة إلى أن يَكون منطق ومنطلق دعاة حقوق الإنسان في العالَمِ دعوتهم إلى العناية بالإنسان ومساندته بصرف النظر عن اعتبارات الجنس واللون والدين. نحن في حاجة إلى النظر بعين الاعتبار إلى المشتَرَك الإنسانيّ من ناحية، وإلى احترام الخصوصيات والتنوعات من ناحية أخرى. نحن في حاجة إلى أن تنشر مؤسساتُنا السلامَ والمحبة والحوار، قولًا وفعلًا بينها.
وقي هذا الإطار، قد أخذ علماء الدين الإسلامي على عاتقهم نشر الصورة الصحيحة عن الإسلام، والتي نأمل أن تُعطي العالَمَ فهمًا أفضل عن مبادئ هذا الدين وقيمه الأخلاقية السامية. وإن هذه المشاركة لتأتي في هذا السياق.

من اليسار إلى اليمين، حاج سيد سلمان شيستي، من ”شريف درجة“ (الهند)؛ والإمام مرْسودي، الأمين الخاص للوزير المنسق للشؤون السياسية والقانونية والأمنية بإندونيسيا؛ وصاحب الفضيلة والسمو الشيخ محمد بن عبد الكريم العيسى؛ والمُوَقَّر يوشينوبو مياكي (اليابان)
وجَّهَ المُوَقَّرُ يوشينوبو مياكي، رئيس رابطة الدراسات الشنتوية الدولية، خطابَه إلى الجلسة الافتتاحية لـ (R20) باسم تقليده الديني العريق. وتظهر، في الأسفل، نسخة مختصرة من تعقيباته.
”الشنتو“ هي دين اليابان الأصلي، الفطريّ. وهي مرتبطة بنسق القيم الياباني التقليديّ، وبالرؤية الشاملة للعالَم لأغلب اليابانيين وسلوكياتهم كذلك. قد يشير البعضُ إلى ”الشنتو“ باعتبارها ”دِينًا طبيعيًا“، لأنها مرتبطة، على نحوٍ وثيق، باحترام كل منحى من مناحي بيئتنا الطبيعية. وبالفعل، يعرف الذين زاروا اليابان أن ثقافتنا تؤكد، بوضوح شديد، على احترام وحفظ البيئة الطبيعية، والحفاظ على الانسجام بين الإنسان والطبيعة، وهو ما يمكن رؤيته في أكثر من مئة ألف معبد شنتويّ وثمانين ألف معبد بوذي مُنتشرين على امتداد الأرخبيل الياباني.
شخصيًا، أنتسب إلى سلسلة من رهبان ”الشنتو“ تعود إلى الكثير من الأجيال. كان جدّي، الراحل صاحب النيافة توشيو مياكي، رائدًا في الحوار بين الأديان الذي دشَّنه في أثناء الحرب العالَميّة الثانية. في 1970، أسَّسَ ”المؤتمر العالمي للدين والسلام“. وأنا على ثقة من أنه سيَكون مسرورًا إذا كان له أن يَشهَدَ المبادَرَة العالَميّة التي نطلقها اليوم تحت رعاية نهضة العلماء، وحكومة إندونيسيا، و”رابطة العالَم الإسلامي“.
ربعُ سكان العالَم من المسلمين. ومن بين دول العالَم ذات الأغلبية المسلمة، إندونيسيا أكبرهم. لديّ توقُّعات كبيرة لقيادة إندونيسيا في العالَم الإسلامي. ولأن إندونيسيا، على الرغم من أغلبيتها المسلمة، لا تُزَكّي نفسها. بالأحرى، إندونيسيا متسامحة مع الهندوسية والبوذية والأديان الأصيلة ― وهو ما يمكننا رؤيته هنا في بالي ― وتقدّم مثالًا يُحتَذَى به في المجتمع الإنساني في القرن 21. أعرف ذلك الأمرَ من خبرتي الشخصية، إذ كنتُ صديق الرئيس السابق لنهضة العلماء، ورئيس إندونيسيا
وطوال سنوات كثيرة، شَغَلتُ منصبَ الأمين العام لـ ”قمة القادة الدينيين لمجموعة الثمانية“. ومن هنا، فكَّرت مليًّا، وبعزم، في التحديات التي تواجه الإنسانية، ودور منظمات مثل ”مجموعة العشرين“، التي تُمَثِّل %60 من سكان العالَم و%90 من الناتج المحلي الإجمالي للعالَم. للآن، رغم ذلك، لقد أثبتت كيانات بين-حكومية، مثل ”مجموعة العشرين“، أنها عاجزة عن منع الأزمات الاقتصادية وحلّ الصراعات الراسخة بين الشرق والغرب ― وبين الشمال والجنوب، أي، بين الدول النامية والدول المتطورة ― التي استمرت للكثير من القرون. والآن، حان وقت مبادرة قادة العالَم الدينيين، ليواجهوا هذه المسائل، ولحلِّ هذه الصراعات.

وجَّه رئيسُ الأساقفة هنري شوكودوم ندوكوبا خطابه إلى الجلسة الافتتاحية لـ (R20) باسم أكبر مجتمع أنجليكاني في العالَم، الكنيسة الأنجليكانية بنيجيريا، التي يشغل فيها منصب كبير الأساقفة. في يوليو 2022، تصدَّر رئيسُ الأساقفة ندوكوبا عناوين الأخبار عندما رفض المشاركة في مؤتمر ”لامبيث“، وهو التجمُّع العَشْرِيّ العالَميّ للأساقفة الأنجليكانيين الذي يَعقده رئيس أساقفة كانتربيري بسبب دواعي قلق عميقة تتعلق بالأنجليكانية في الغرب.
وكما يلاحظ القراء من النسخة المُحَرَّرَة والمختصرة لتعقيباته (بالأسفل)، وفَّرَت منصةُ (R20) لرئيس الأساقفة ندوكوبا فرصة فريدة من نوعها للتعبير عن الألم الذي يشعر به المسيحيون على امتداد غرب أفريقيا تجاه الاضطهاد المستمر الواقع على مجتمعاتهم بواسطة المتطرفين الإسلامويين، وهو الأمر الذي تَنسبه الحكوماتُ الغربية، في الغالب، إلى تأثيرات تغيُّر المناخ بدلًا من الإقرار بجذوره في الإيديولوجيا الدينية والصراع القائم على الهوية.
لتحل نعمة وسلام الربّ والمخلِّص يسوع المسيح علينا وعلى العالَم.
أنا سعيد لتحدُّثي مع هذا التجمُّع المهم في مناسبة قمة القادة الدينيين الدولية لمنتدى الدين لمجموعة العشرين (R20). إنه شرف وامتياز عظيم في هذا الصباح، بصحبة قادة دينيين من حول العالَم، لنفكر في موقع المجتمع الدينيّ في التطوُّر والرخاء المستقبليَّيْن للناس. أتحدث من أجل ”كنيسة نيجيريا“ (الجماعة الدينية الأنجليكانية)، وهي أكبر كنيسة أنجليكانية في العالَم، وبها 25 مليون عابد منتظم. أتحدث كذلك من ”الجنوب العالَميّ“، مركز الجاذبية الراهن للمسيحية العالَميّة، أي، الجنوب العالَميّ هو المكان الذي تشهد فيه المسيحية نموًا سريعًا، إذ يصبح الناسُ مسيحيين يوميًا، ويجدون في يسوع المسيح الأمل للحياة وللأزلية. لقد وجدوا أن كلمةَ الربّ والروح القُدُس مصادرُهما للقوة والأمل في وجه التحديات الكبيرة. والآن، يوجد أكثر من 52 مليون أنجليكانيّ في الجنوب العالَميّ من أصل 85 مليون أنجليكانيّ عبر العالَم.
ُقال إن الأفريقيين مُوَجَّهون روحيًا ومتدينون، ونحن كذلك بالفعل. على تنوع الأديان في قارتنا، نتشارك وعيًا عميقًا بأننا نحيا حيواتنا في عالَمٍ لم نخلقه، وبحقائق روحية يلزم علينا أخذها بعين الاعتبار. وأكثر الأمور تشجيعًا لنا أخذ إندونيسيا للقيادة والريادة، من أجل أناس منّا، من الجنوب العالَميّ، لجلب الدين إلى هذه المنصة العالَميّة للنقاش والسعي وراء حلول للتحديات التي تواجه دولنا. ويكمن أملي في أن قادة الأمم، الذين يتمتعون، الآن، بامتياز السلطة السياسية والاقتصادية للدول، سيَكونون متواضعين بما يكفي ليعرفوا أننا لدينا، من تقاليدنا الدينية، ثروات معنوية، وقيم، ومصادر نأتي بها إلى المشاورات الدولية وصنع القرار.
قال يسوع المسيح إنه ”قَدْ جَاءَ لَا لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدِمَ وَيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ“ (مرقس 10: 45). وكما قال رئيس أساقفة كانتربيري في جنازة الراحلة الملكة إليزابيث، ”أهل الخدمة المُحِبَّة نادرون في أي طريقٍ بالحياة. وقادة الخدمة المُحِبَّة أندر. لكن، في كل الحالات، مَن يَخدموا سيُحَبُّون ويُذْكَرون عندما يصبح المتمسكون بالسلطة والامتيازات في طيّ النسيان“. والخدمةُ المُحِبَّة والإيثارية هي جوهر كينونتنا، باعتبارنا مسيحيين، وهو، أيضًا، أرض مشتركة في تقاليدنا الدينية. لم تحافظ علينا قيود حب الإله في الخدمة، في مواجهة كثير من العسر والاضطهاد والتهميش والمعاناة فقط، بل تحفزنا على بسط حبّنا ― حتى ― لمضطهدينا وأعدائنا.
لستم على دراية بتحديات التطرُّف الديني التي نتعامل معها جميعًا في مجتمعاتنا الآن، وفي الوقت نفسه، نتيجة لمثل هذا التطرُّف في الماضي. سنسمع، في هذا المؤتمر، عن هذه التحديات التي واجهها مجتمعُنا المسيحيّ في نيجيريا بسبب التطرُّف الديني والإرهاب. إن هذه الهجمات في شمال وقلب نيجيريا، وفي أجزاء أخرى كذلك، محاولةٌ واضحة لإرهاب وتشريد السكان المسيحيين المحليين بحيث يَفِرّون تاركين أرضهم ومنزلهم وممتلكاتهم.
والأمر الذي أهمّنا بحق، في العقد الماضي أو أكثر، هو العنف المُجْمَل ضد المسيحيين ومجتمعاتهم منذ عام 2000، على يد جماعة ”بوكو حرام“، والطوائف الإسلامية الراديكالية، وتابعي القاعدة، والدولة الإسلامية في العراق والشام منذ 2009، ولاحقًا، على يد ميليشيات الرعاة الفولانيين [الشعب الفولاني Fulani كله من المسلمين الذين يعيشون في مواطن عديدة في غرب أفريقيا ووسط أفريقيا والساحل الأفريقي].
نيجيريا الآن واحدة من أخطر الدول التي يمكنك أن تَكون مسيحيًا فيها. لقد قَتَلَت الجماعاتُ المتطرفة المنظمة والمُسَلَّحَة والمُمَوَّلَة على أتمّ وجه آلافَ الناس وأخليَت أكثر من 150 قرية من سكانها سريعًا. وثَمَّ ما يزيد على 2 مليون شخص طُرِدوا من مأواهم، واختُطِفَ آلاف غيرهم من أجل الجنس والمطالبة بالفدية. الكنائس الآن مُجْبَرَة على دفع ملايين النَيْرَات [وهي العملة النيجيرية] فدية لأعضاء الكنائس المختطفين، واستُشْهِد حوالي 12 قسيسًا مسيحيًّا على يدّ هؤلاء المتطرفين. وهذا، بالطبع، بالإضافة إلى مئات الكنائس التي هوجِمَت، وألقيَت عليها القنابل، ودُمِّرَت. نحيا، يوميًّا، في خوف وهلع.
والأمر الذي يثير إشكالية لأقصى مدى هو وجود قلة قليلة من البشر على استعداد للاستماع إلى الضحايا. حتى عندما أصدرت ”المجموعةُ البرلمانية من جميع الأحزاب فيما يتعلق بالحرية الدينية (المملكة المتحدة)“ تقريرًا يقول بأن المسيحيين النيجيريين يواجهون الإبادة الجماعية ببطء، يُصِرّ الغربُ على أنها مسألة صدامات قَبَلِيَّة بين أرباب الأبرشيات والمزارعين، إذ يتقاتل الطرفان على الموارد الاقتصادية الشحيحة التي تسبب فيها تغيُّرُ المناخ. يبدو أن سوءَ تبليغِ المعلومات، وهو سوء يتصف بأنه صائب سياسيًّا، يدعمه إستراتيجيًّا السياسيون النيجيريون وجماعات أخرى تستفيد من هذه المجازر غير المُعْلَن عنها من خلال الميزانيات النقدية وميزانيات الأمن والتكريس لإيديولوجيا راديكالية.
لقد نَفَّذَت الجماعاتُ الإسلامية عملياتِ قتلٍ تستهدف أشخاصًا بعينهم في مناطق لا علاقة لها بعوامل تغيُّر المناخ. وثَمَّ مثال في صميم الموضوع، يتعلق بقتل قسيس مُعَيَّن حديثًا في ”الكنيسة الإنجيلية تفوز بالجميع the Evangelical Church Winning All“. توجَّهَت الجماعة الإسلامية مباشرة إلى منزله، وأطلقوا عليه النار فسقط قتيلًا، وتركوه وغادروا المكان. لم يَكن هذا القسيسُ مزارعًا ولا كانت قريته واقعة في مكان من الأماكن المخصصة لرعاية الماشية. هذه قصة الكثير من القساوسة الذين قَتَلَهم المتطرفون. لا يزال أبناؤهم ونساؤهم الأرامل يتساءلون عن السبب، ويطلبون العدالة التي قد لا تتحقق أبدًا لأن ما حدث حقًّا حُرِّفَ بالفعل.
لا يريد المسيحيون في نيجيريا إلا إيقاف عمليات القتل، وحصول الضحايا على العدالة. لا نزال نعمل على إعادة بناء المجتمعات، وتطوير المؤسسات والمعاهد التعليمية التي دَمَّرها المتطرفون، بجانب توفير الطعام والمساعدة الدوائية للضحايا.
نحتاج منكم أن تساعدونا في عملية إعادة بناء دولتنا. نحتاج منكم مساعدتنا على أن نحكي قصصنا. لدينا شَهادات على الاضطهاد ولدينا الخبر الصادق عنه. نريد إعادة بناء مجتمعاتنا، وباعتبارنا عائلة مسيحية عالَميّة، نحتاج إلى دعائكم وصلواتكم، كما نحتاج منكم أن تَحكوا قصصنا. بسبب التَّطَرُّف الديني، اقتيد عدد ― لا يزال يتزايد ―من اليتامى والأرامل والمُشَرَّدين خارج منازلهم ومزارعهم وخسروا، حقًّا، كلّ شيء. ثَمَّ قسيس من قساوستنا، ومعه زوجته، يعتنيان بأكثر من 50 طفلًا مُشَرَّدًا في منزلهم.
ومثل هذه الهجمات مُوَجَّهَة، كذلك، إلى المسلمين المعتدلين، لمنعهم من أن يَكونوا معتدلين في تفاعلهم مع السياسة، والتشريع، والقانون، والنظام. وهذا الأمر يدمِّر نيجيريا بأسرها….
يتمثل واحد من أهدافنا الرئيسية لتجمُّعنا في مواجهة مثل هذه الاعتداءات، ولإيقافها، كلما كان ذلك الأمرُ ممكنًا. في نيجيريا، نحتاج إلى مساعدة من الناس ذوي النفوس الصافية من كل المجتمعات الدينية لإيقاف تدفُّق الأسلحة والموارد لهؤلاء المتطرفين.
هنا، في إندونيسيا، أنتم ملتزمون بالتَّعَدُّدِيَّة الدينية والتسامح، وتمارسونهما. ستَكون مثلُ هذه المقاربة نافعةً للمجتمعات العالَميّة، بالأخص، تلك التي يشتد فيها حضور التَّطَرُّف الديني.
ليبارك الرَّبّ نيجيريا.
ليبارك الرَّبّ إندونيسيا.
ليبارك الرَّبّ (R20).

وجَّهَت الدكتورة فاليريا مارتانو، وهي مؤرخة إيطالية ومستشارة للمجمع الباباويّ للحوار بين الأديان، خطابها إلى الجلسة الافتتاحية لـ (R20) بالنيابة عن جماعة ”سانت إيجيديو“، وهي المشرفة على أعمالهم في آسيا. تأسست جماعة ”سانت إيجيديو“ في 1968، وتنشط الآن في أكثر من 70 دولة، ولديها تركيز خاص على تعزيز السلام وخدمة الفقراء. تظهر، في الأسفل، نسخة مُحَرَّرَة ومختصرة لتعقيبات الدكتورة مارتانو.
السيد رئيس جمهورية إندونيسيا، فخامة السادة الحضور، سيداتي وسادتي، أصدقائي الأعزاء. اعتلائي للمنصة في هذه القمة شرف كبير، إذ تَجْمَع ― مباشرة قبل انعقاد ”مجموعة العشرين“ ― ممثلين للأديان العالَميّة، وعلماء، وباحثين، ونشطاء، للتعبير عن مشاغل وآمال الكثيرين، بحيث يفعل كلُّ واحدٍ منّا ذلك وَفق تقاليدنا الدينية الخاصة.
إن استضافة إندونيسيا لهذه القمة أمرٌ له دلالة خاصة، إذ نتحدث عن دولة وَضَعَت الوحدة في تَّنوُّع الأديان والثقافات في قلب هويتها، وهي نموذج في حضارة التعايُش.
نقف داخل مسار تاريخي دراميّ، في وسط ما عُرِّفَ على أنه كوارث متزامنة، مُرَكَّبَة من 3 حروف (ص. ك. م): الصراعات، كوفيد، المناخ.
نواجه تحديات هائلة: تزايُد الصراعات، في عدة مناطق من العالَم، وحديثًا، في قلب أوروبا، مع تهديد التصعيد النوويّ؛ وعرقلة الأنظمة البيئية، وهي نتيجة الاستغلال المتهور لمصادر أمنا الأرض، وهو استغلال لا يُوَلِّد الفقر فقط، بل يتسبب، كذلك، في الهجرات، والإتجار بالبشر، ونشوء الأمراض، والأوبئة.
ما الذي يمكن للأديان قوله وفعله في وجه هذه الكارثة الآخذة في التحوُّل؟ نحن واعون بأن الأديان لا تتمتع بأي قوة سياسي أو اقتصادية، ورغم ذلك، لديها إمكان كبير من أجل السلام. وفي الواقع، ولأقتبس كلمات لاهوتيّ أنجليكانيّ، وهو ميروسلاف فولف، إن الأديانَ ”فواعل العولمة الأصليون“، إذ تتبنى جميعها قيمًا كونية وتؤمن بعائلة إنسانية واحدة.
وفي حقيقة الأمر، ليست الأديانُ عوالمَ منفصلة، عن بعضها البعض، وعن الواقع؛ وإنما هي كائنات حيّة، مرتبطة، على نحوٍ عميق، بآلام الإنسانية، وتطلُّعاتها، ومخاوفها. وهذا يجعلنا، كما قال البابا الكاثوليكي بولس السادس، في أثناء حديثه، للمرة الأولى، في ”الجمعية العامة للأمم المتحدة“ في 1965، ”خبراء في الإنسانية“.
نعم، أهل الإيمان، من الرجال والنساء، خبراء في الإنسانية. تجعلنا الرحمة والتعاطف، وهما المتأصلان في كلِّ مؤمن ― وبصرف النظر عن الدين الذي يعتنقه أو تعتنقه ― مُواجِهين للفقر، ومعاناة ضحايا الحروب، والمهاجرين، والسجناء. في 1986، تحدث البابا يوحنا بولس الثاني ― في أول لقاء بين ممثلي الأديان الذين جَمَعَهم بابا كاثوليكيّ ― في أسيزي، عن السلام باعتباره أرضًا للبناء يُتاح للجميع المشاركة فيها، ولم يَدْعُ الخبراء فقط، بل دعا كل الرجال والنساء للمشاركة في السلام. ولقد ضاعفت جماعة ”سانت إيجيديو“ ― وهي الجماعة التي أُمَثّلها ― من التزامها، على المستوى العالَميّ، بتعزيز ما سُمِّيَ بـ ”روح أسيزي“. وتُكَوِّن محاورُنا الروحية، التي يمكن تلخصيها بوصفها ”الصلاة، الفقراء، السلام“، منصةً شاملة من أجل تطبيق هذه الروح المعنيّة.
وعلى هذا المسار، منذ 1990، أسَّسَت جماعة ”سانت إيجيديو“ رابطًا مُمَيَّزًا مع إندونيسيا. جسَّدَ الراحلُ عبد الرحمن وحيد، أو ”جوس دور“، وهو الذي أعتبره أستاذي ومرشدي ― والذي عَرَّف نفسه على أنه مسلم غانديّ، رجلٌ للسلام والحوار ―في تلك السنوات، أملَ إندونيسيا الديمقراطية والتعدُّدِيَّة النزعة، إندونيسيا جامعة لتَنَوُّعها.
على أثر ”جوس دور“، اضطلعت إندونيسيا بتحدّي بناء نفسها باعتبارها مجتمعًا تَعَدُّدِيًّا.
ولقد طَوَّرَت جماعة ”سانت إيجيديو“ ― بفضل الرابطة العميقة المُقامة مع نهضة العلماء ― على مرّ السنوات تعاونًا مكثَّفًا مع المنظمتين الإسلاميتين العظيمتين اللتين تمثلان العمود الفقري للإسلام الإندونيسي ― نهضة العلماء والمحمدية ― اللتين عقدنا معهما اتفاقيات أنْتَجَت، بالفعل، أشكال تعاون قوية وراسخة على المستويين القوميّ والدولي. وليس من الممكن، في هذا السياق، استحضار كل مراحل هذا التعاون.
وسأمر سريعًا على آخر شكل من أشكال التعاون: في يونيو الماضي، في روما، أعاد باك يحيى خليل ثقوف، الرئيس العام لنهضة العلماء، والبروفيسور إيمباياتزو، رئيس جماعة ”سانت إيجيديو“، تجديدَ مذكرة تفاهُم تضع، في صورة رسمية، التعاون الذي استمر طويلًا بين المؤسستين فيما يتعلق بقضايا الحوار بين الأديان، والأفعال الإنسانية، وتعزيز السلام.
تُرسي مذكرةُ التفاهُم التزامًا مشتَرَكًا، وأقتبس ما يلي: ”التعاون على كلٍّ من المستويين الأساسي والكليّ لتطوير وتطبيق إستراتيجيات تُسَهِّل حلَّ الصراع، والتصالح والسلام في مناطق تُوَظَّف فيها التعاليم الدينية والهوية باعتبارهما أسلحة لتعزيز الكراهية الطائفية، والاستعلاء، والعنف“. تنتظر مذكرةُ التفاهم تحقيق أفعال تعاونية، بالأخص في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وختامًا، الأديان الآن أقرب بكثير مما كانت عليه. لقد حُطِّمَت موانع الارتياب وانعدام الثقة المتجذِّرَة في التاريخ، وربما يَكون التعاونُ بين المؤمنين من الأديان والتقاليد المختلفة هو أعظم شيء مُبْتَكَر في هذا القرن. والمثال الواضح على ذلك هو ”وثيقة الأخوة الإنسانية“ التي وَقَّعَ عليها البابا فرنسيس وشيخ الأزهر الأكبر الإمام أحمد الطيب، في أبو ظبي، في 2019.
إذا كان الطريق قد وصل بنا، إلى الآن، فهم أهمية القيم المشتركة لمنع تحويل الهويات إلى سلاح ومن أجل السير بحضاراتنا للأمام، أعتقد أن اليومَ أوانُ اتخاذ خطوة إضافية، أوان التزامٍ بتقوية منصات التعاون المتعددة الأطراف، على المستوى الإقليميّ والعالَميّ معًا، لرسم تصوُّر وتطبيق لطرق راسخة ومُحَدَّدَة تمامًا للتعاون، في مجال حفظ السلام، والكفاح ضد الفقر، وأنشطة أخرى، من أجل إنقاذ الكوكب.
لعلّ قيمنا المشتركة تتطور فتصبح التزامًا مشتركًا، مُعَبَّرًا عنه من خلال أفعال مشتركة، وتؤدي إلى تعاون واسع المدى لتعزيز السلام العالَميّ. أشكركم.

واختتم المطرانُ توماس شيرماخر، وهو الأمين العام والمدير التنفيذيّ للتحالف الإنجيليّ العالَميّ، الجلسةَ الافتتاحية لـ (R20) بخطبة عنوانها ”الإيمان البروتستانتي والقيم الحضارية المشتركة“. تظهر، في الأسفل، نسخة مُحَرَّرَة ومختصرة لتعقيباته.
إنه لامتياز عظيم، أعني مجيئي بالتحيات الصادقة من ”التحالف الإنجيلي العالَميّ“ و600 مليون مسيحي في 143 دولة نمثّلهم ونخلق قناة الاتصال بينهم! وأسأل الربّ وأسأل الإله أن يبارككم ويمنحكم الحكمة التي تحتاجونها من أجل مسؤولياتكم. منذ 3 أعوام، التقى فريقنا من ”التحالف الإنجيلي العالَميّ“، في جاكارتا، مع قادة نهضة العلماء؛ وطَوَّرنا خطةً لنعزِّز، سويًّا، قيمًا حضارية مشتركة، باعتبارنا مسيحيين ومسلمين نعمل معًا. نحن أناس ذوو نية صافية، لا نريد استعمال العنف ضد بعضنا البعض، وبدلًا من ذلك، نريد الانخراط في خطاب عقلانيّ مع بعضنا البعض، وتعزيز مجتمع حر وعادل نستطيع أن نحيا جميعًا فيه.
في المؤتمر التدشيني للتحالف الإنجيليّ العالَميّ، في لندن، في 1846، وفي وجود أكثر من 800 مبعوث يُمَثِّلون 52 طائفة بروتستانتية من المملكة المتحدة، وأوروبا، والولايات المتحدة، وكندا، كان ثَمَّ موضوع من أوائل مواضيعنا المثيرة للجدل تعلَّقَ بكيفية إيقاف شر العبودية المروّع. وكان الكثيرُ من قادتنا الأوائل، أيضًا، قادةً في حركة إلغاء العبودية؛ وكان بعضُهم رفقاء في الدراسة لويليام ويلبرفورس (1759 – 1833)، العضو البريطاني بمجلس النواب، وهو الذي قاد جهود حركة إلغاء العبودية. وربما يَكون القسُّ موليسون ماديسون كلارك، وهو القسّ ذو البشرة السمراء في الكنيسة الأسقفية الميثودية الإفريقية (واشنطن العاصمة)، هو المتحدث الذي أثار الدهشة لأقصى مدى في ذلك الحدث، إذ كانت الكنيسة مكونة، في الغالب، من عبيد. نعم ― كان قسٌّ أسمر البشرة، من كنيسةِ عَبيدٍ، متحدثًا رئيسيًا في مؤتمر للقادة المسيحيين في لندن، في 1846، كان أغلب حضوره من ذوي البشرة البيضاء.
في تاريخ ”التحالف الإنجيليّ العالَمي“ الخاص بنا، نستطيع تحديد ثلاث قيم أو مبادئ تستحق، بالأخص، مكانًا في منصة عالَميّة للقيم الحضارية المشتركة. وتتمثل هذه القيم في الحاجة إلى:
I. الإقرار بأن البشر لديهم عظمة وهبها لهم الإلهُ، وتشتمل على الكرامة والإبداع. ولهذا السبب، نسعى وراء مساعدة الناس واحترامهم، بصرف النظر عن العِرق، أو العمر، أو الجندر.
II. الإقرار بامتلاك البشر لإمكانية الوقوع في الخطأ، وهي إمكانية فريدة. يمكن للطبيعة توليد الأعاصير، والفيضانات، والزلازل. أما حدوث هولوكوست، وحروب هوجاء، وإبادة جماعية، واستغلال جنسيّ، وعبودية، وانتقام، وخيانة، فكلها أمور تتطلب وجود البشر. وأول جريمة قتل في الإنجيل هي جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل أمام مذبح للأضحية، وهو ما يوضِّح الكيفية التي تصبح من خلالها أقصى فاعلية إنسانية، وهي الدين، مُخْتَلَّة، ويُطلقان الدمار الذي قد ينشأ من إمكانية وقوعنا في الخطأ، وهي إمكانية واردة بقوة ووفرة.
III. الإقرار بأن الناس العاجزين في حاجة إلى حب عمليّ من الآخرين. في مسودة دستور جمهورية ألمانيا الاتحادية لعام 1949، قال مؤسسو دولتنا بعد الحرب إنهم ”يدركــ[ـــون] مسؤوليتهـــ[ــم] أمام الله والبشر“. ليس هذا الدستور إلحاديَّ النزعة، على الرغم من أن بعض الألمان البارزين كانوا ملحدين. إنه دستور شعب ذي أديان متعددة، أو شعب بدون دين مُحَدَّد. ويفترض هذا الدستورُ وجودَ قيم خُلقية حضارية يمكننا تحديدها بدقة وتطبيقها سويًّا. وهذه مهمتنا في (R20).

عقب كلمتيهما في المنتدى، أقام كياي حاج يحيى خليل ثقوف والشيخ محمد العيسى مؤتمرًا صحفيًا (الصور في الأعلى والأسفل). حَظَت قمةُ (R20) بتغطية صحفية، وإذاعية، وإعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي في إندونيسيا، والهند، وعلى امتداد العالَم الناطق باللغة العربية.

الجلسة الأولى، المكتملة العدد، الجزء الأول:
الجلسة الأولى، المكتملة العدد، الجزء الثاني:
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)
قد ترغب في قراءة:
الجلسة الثالثة، المكتملة العدد، لـ (R20): المظالم التاريخية، وقول الصدق، والتصالح، والغفران