
الجلسة الثانية لمنتدى الدين لمجموعة العشرين (R20):
تحديد وتبنّي القيم التي تتشارك فيها أديان وحضارات العالَم الرئيسية
”تطلُّعات (R20) ذات طموح، […] والعوائق هائلة … [لكنَّ] الوقتَ مناسبٌ من أجل جهد متعدد ثقافيًا ودوليًّا لتوسيع وتعميق السعي وراء القيم الحضارية المشتركة“.
~ الخطاب الرئيسي للبروفيسورة ماري آن جليندون

رئيس إندونيسيا للشؤون الدينية، المُوَقَّر ياقوت خليل قوماس، في خطابه إلى الجلسة الثانية المكتملة العدد لـ (R20)
بالي، إندونيسيا، 2 نوفمبر 2022 ― اجتمعت زمرة متنوعة من القادة الدينيين، والسياسيين، والأكاديميين، وقادة من رجال الأعمال، في اليوم الأول من قمة (R20)، لمناقشة الحاجة الملحَّة إلى تحديد ”القيم المشتركة العامة لدى كل الأديان، والتي قد تصبح المرجِعيّةَ الأساسيّةَ التي يمكننا الشروع منها في سعي مشترك … لضمان أن يضطلع الدين بدورِ مصدرٍ أصيل وديناميكي للحلول، بدلًا من المشكلات“ (الرئيس المؤسس لـ (R20) كياي حاج يحيى خليل ثقوف).
بدأت الجلسة الثانية المكتملة العدد بخطاب رئيسيّ عنوانه ”السعي وراء القيم الحضارية المشتركة“، ألقته أستاذة القانون في جامعة هارفارد وسفيرة الولايات المتحدة السابقة إلى الفاتيكان، ماري آن جليندون. والبروفيسورة جليندون، وهي مؤلفة كتاب عالمٌ أصبح جديدًا: إلينور روزفلت والإعلان العالَميّ لحقوق الإنسان A World Made New: Eleanor Roosevelt and the Universal Declaration of Human Rights، خبيرة رائدة في انبثاق مشروع حقوق الإنسان بعد الحرب العالَميّة الثانية.

في كلمتها، لاحظت البروفيسورة جليندون ما يلي:
إن قرارَ إدماج هذه القمة للقادة والعلماء الدينيين، لأول مرة في جدول اللقاء السنوي لمجموعة العشرين حدثٌ بارزٌ وفريد من نوعه، ومن المؤكَّد أننا جميعًا نرحِّب بذلك الأمر، هنا، واليوم. ورغم ذلك، لا يمكن للمرء الإخفاق في ملاحظة أن ذلك الأمرَ خَلَقَ قدرًا معينًا من الحيرة في دوائر السياسة الدولية. ربما تَكونون قد سمعتم أسئلة مثل: ”ما شأن الدين بأهداف مجموعة العشرين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي العالَميّ، والنمو، والازدهار؟“، أو، ”كيف يمكن للدين المساعدة في التعامل، على النحو المطلوب، مع تحديات تواجه الانسجام الاجتماعيّ، والاستقرار السياسي، والنمو الاقتصادي، بينما كان الدين، في الغالب، عنصر تفرقة [يَخلق الخلافَ]، وقد استُعْمِلَت التعاليم الدينية، في الغالب، بوصفها ذرائع للعنف؟“، و”كيف يمكن وجود قيم خلقية وروحية مشتركة، ولو بأدنى درجة، في وجود الاختلافات الهائلة بين أديان وثقافات العالَم؟“.
ستظل هذه الأسئلة تحوم في خلفية نقاشاتنا اليوم وغدًا، إذ نتشارك الأفكار المتعلقة بمثل هذه الموضوعات المتحدية، مثل كيفية التعامل مع المظالم التاريخية، وكيفية التوفيق بين المبادئ العالَميّة واحترام التنوُّع الثقافي، وكيفية ضمان أن يَكون الدينُ مصدرًا للحلول بدلًا من المشكلات في السنوات القادمة…
يبدو، من ثَمَّ، واضحًا أن الوقتَ مناسبٌ من أجل جهد متعدد ثقافيًا ودوليًّا لتوسيع وتعميق السعي وراء القيم الحضارية المشتركة. وبالفعل، سيعني التخلّي عن هذا السعي أن نستسلم لعالَمٍ تهيمن فيه القوة والعنف…
يلزم الإقرار بأن تطلُّعات (R20) ذات طموح، وأن العوائق هائلة. لذا، من المُتَوَقَّع أن الكثيرين سيصرفون النظرَ عن هذه التطلُّعات باعتبارها غير واقعية ― مثلما صَرف مَنْ يُسَمّون بالواقعيين النظرَ عن أهداف مشروع حقوق الإنسان بعد الحرب العالَميّة الثانية في ذلك الوقت. ورغم ذلك، أثبت مشروع حقوق الإنسان في القرن 20 أن المُثُلَ حقيقية وواقعية، وهي حقيقية كالأرض والماء. واليوم، كما يظهر ويتضح من هذا التجمُّع، ثَمَّ الكثير من الرجال والنساء ذوي النفوس الصافية، وهم على استعداد للاضطلاع بهذا التحدّي المُتَمَثِّل في جَعْل هذه التطلُّعات حقيقية.
من المؤكَّد أن الطريق أمامنا سيًكون مبذورًا بالمخاطر والعوائق. لكن، من الجدير بالتذكُّر أن الرجال والنساء الذين حلموا، منذ 75 عامًا، بنظامٍ عالَميّ يقوم على القيم المشتركة لم يكونوا سُذَّجًا في مثاليتهم. لقد عاشوا في أثناء حربَيْن عالَميَتَيْن وأزمات اقتصادية شديدة. وبعد أن رأوا البشر وقد أظهروا أفضل وأسوأ ما فيهم، استلهموا الشجاعة من الحقيقة التالية: بينما يَكون الجنسُ البشريّ قادرًا على ممارسة شرور عظيمة، إلا أنه قادر، كذلك، على تخيُّل وجود طرق أفضل للحياة، وللتعبير والإبانة عن تلك القيم المشتركة في الإعلانات الرسمية والدساتير، ولتوجيه سلوكهم صوب المبادئ الأخلاقية التي يُقرّون بها….
وبعد سنوات من الآن، سيُكَوِّن أناسٌ لم يُولَدُوا بعد آراء عن إدارتنا لميراث جيل ما بعد الحرب، وهو الذي تأسس على نزعة مثالية تخففها الواقعيةُ. سيقولون حكمهم، يومًا ما، المتعلق بالسؤال عن تعزيزنا أو إضاعتنا للميراث الذي سَلَّمه لنا رجالٌ ونساء كافحوا، قبل ذلك، للتوصُّل إلى مقياس للحق من رماد الأخطاء والإساءات المهولة.
لذا، أختتم حديثي بامتنان عميق لإقامة هذا اللقاء التاريخيّ في بالي — وبترقُّب كبير لنتائج نقاشاتنا!
بمكن مشاهدة الخطاب الكامل للسفيرة جليندون أسفله:

كان خطابُ البروفيسورة جليندون متبوعًا بحلقة نقاش أدارتها ريبيكا سوبريا شاه، وهي أمينة اتحاد ”ديفيا شانتي“ في بنغالور، الهند. وقد كان من بين المتحدثين:
- المُوَقَّر ياقوت خليل قوماس، وزير الشؤون الدينية لدولة إندونيسيا، الذي ألقى خطابًا بعنوان ”أمة البانتشاسيلا وقصة عولَمَتَيْن“.
- صاحب الفخامة الدكتور حمدان مسلم المزراوي، رئيس مجلس الأمناء، جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية (الإمارات العربية المتحدة).
- صاحب المعالي أندريس باسترانا أرانجو، رئيس منظمة ديمقراطيي الوسط الدولية والرئيس السابق لجمهورية كولومبيا، وهو الذي ألقى خطابًا بعنوان ”النزعة الإنسانية الغربية، والديمقراطية المسيحية، والإسلام للإنسانية: تحالف من أجل القرن 21“.
- المُوَقَّر، أرشد رشيد، رئيس غرفة تجارة وصناعة إندونيسيا، أو KADIN [وهو مسؤول بالمكتب التجاري الإندونيسي]، وهو الذي ألقى خطبة بعنوان ”بَثّ القيم الدينية في نطاق الأعمال والاقتصاديات“.
- البروفيسور ألبرتو ميلوني، أمين مؤسسة الدراسات الدينية (it) ورئيس ”اليونسكو” للتَّعَدُّدِيَّة الدينية والسلام في جامعة بولونيا (إيطاليا)، وتحدَّث عن “عظمة وبؤس الحوار بين الأديان“.

ويظهر، في الأسفل، موجز لتعقيبات البروفيسور ميلوني.
لقد أصبح من المعتاد، ومن المتعارف عليه، في العقدين الأخيرين على الأقل، استعمال حجة تتعلق بالحوار بين الأديان تقول بأن السلام هو الاستعمال ”الصحيح“ للدين، والعنف هو ”إساءة استعمال“ الدين…. على الرغم من ذلك، يلزم على المؤرِّخ أن يقول إن الوقائع تنشئ فينا التحلّي بالتأني فيما يتعلق بهذه الادّعاءات. ولأن التاريخ موجود كي يخبرنا بتمتُّع الاعتقادات الدينية بقوة أصيلة تغذّي العنفَ أو تعزِّز السلامَ.
في العقود الماضية للحوار بين الأديان، رأينا، بالفعل، في عديد المرات، أن ”المِيل“ الأول كان هو منتهى الطريق. ومن المحزن أن الفاعلين في الحوار المعنيّ عادوا، مرة تلو المرة، إلى المِيل الأول نفسه، إذ يعودون إلى نفس نقطة البدء، مُكَرِّرين نفس الحجج تقريبًا، بعد حصولهم على منصة في الإعلام أو في اللاهوت، من خلالها يتظاهرون بأنهم يُبْرِزون لا-حتميّة اندلاع الصراع بين التقاليد الدينية، أو داخل التقليد الديني الواحد، ولا-حتمية اندلاع صدام الحضارات منها.
ثَمَّ نكتة أحكيها من آن لآخر، تقول بأن إقامةَ مؤتمر، يُعلِن فيه الناسُ أن الأسودَ الحقيقية نباتيّةُ النزعة، أمرٌ عديم الجدوى. ليست الأسودُ نباتيةَ النزعة، وأهل الإيمان ― الكائنات البشرية، لمن قرأ القديس أوغسطينوس ― ليسوا نباتيين النزعة، بل هم خطرون. إذًا، في سبيل كبح العنف، لستم في حاجة إلى القول بأن الأسودَ الحقيقية نباتيةُ النزعة. بدلًا من ذلك، عليكم تَحَمُّل المسؤولية….
ما يجب على السلطات الدينية والقادة السياسيين والمفكرين قبوله، بوصفه مهمتهم هو مداواة ما أسماه الكاردينال ماتيو زوبي Cardinal Matteo Zuppi بـ ”وباء الحرب“.
في بولونيا، ليس ما اقترحناه بالفعل، وبالتالي، هو إطلاق حملة تتعلق بالقيم، وإنما إطلاق حملة تتعلق بالفضائل. وَكَتَبنا وثيقةً رسمية صغيرة الحجم وسَلَّمناها إلى قادة مجموعة العشرين في القمة بروما ― وهو تقرير قصير جدًا يقوم على الفكرة القائلة بأن المسؤولية يمكن تجذيرها في أشخاص متدينين أو غير متدينين باعتبارها واحدة من أعمق قناعاتهم …
اختزل المُقْتَرَحُ النقاطَ الثلاث في ورقة صغيرة، وثيقة في ورقة صغيرة بها ثلاث قضايا: ”لن يقتل أحدنا الآخر، وسيساعد كلٌّ منّا الآخرَ، وسيسامح كلٌّ منا الآخر“. وثَمَّ التزامات تتطلب شروطًا خاصة: لا غفران بدون حقيقة، ولا إغاثة بدون كرم، وليس ثَمَّ نزع للسلاح بدون عدالة.
إذا لم يَكُن الحوار بين الأديان سوى مكان يردد فيه القادة الدينيون، مثل الببغاوات، الآراء الاعتيادية ”وَفق كلماتهم“، فمن المُقَدَّر للحوار المعنيّ أن يَكونَ ممارسةً عديمة الفائدة. إذا كانت أنماط اللاهوت تؤيد أجندات الأشخاص الأقوى في المجتمع فقط، بتَمَثُّلَ القيم الدينية مع قيم أخرى [علمانية بالعموم]، سيُشعل هذا الأمرُ الثورةَ والتمرُّد. إذا لم تَكُن التعدُّدِيَّة الدينية سوى وعظ سطحي تبسيطيّ عن الأخوَّة يلزم إلقاؤه برفق، لن يصبح واقعًا أبدًا. إذا لم يَكُن للأديان من دور سوى توفير الدعم التحفيزيّ للأجندات الاقتصادية، وهي في قلب اهتمامات مجموعة العشرين، سيصبح هذا كله جهدًا لا طائل منه.
وعلى النقيض، يلزم على القادة الدينين تبنّي تكفير الذنوب والحق، وهم على وعي بأن الربّ القدير يعرف كلَّ شيء عن كل فرد منهم، ويعرف كلَّ شيء عن كلِّ واحد منا هنا، ويعرف نوايانا. ويعرف المؤرخ أن أقوى المواعظ تأثيرًا، وأقوى الأنبياء، هم الذين يَكونون واعين بأن الرَّب يعرف، يعرف إخلاصَ الإنسان الأشد إخلاصًا، ويعرف إيديولوجيا أهل الإيديولوجيات، ويعرف سطحيةَ السطحيين، ويعرف الأملَ من أجل السلام والرغبة في الوحدة الموجودة بين العائلة الإنسانية.
ثَمَّ مقولة لغريغوري العظيم: ”تنمو كلمة الإله مع مَن يقرأها“. وآمل أن (R20) سيصبح مكانًا نستطيع أن نقرأ فيه الحقيقةَ مرة أخرى، وهي الحقيقة التي أوحِيَت إلينا، والتي تمنحنا فرصةً لتحمُّل المسؤولية.

يظهر، في الأسفل، مقتطف من تعقيبات صاحب المعالي الرئيس أندريس باسترانا أرانجو، وقد حُرِّرَت للنشر.
أهنئكم، يا سيدي الرئيس جوكوي، كما يحب شعبك تسميتك، على الإقرار بـ (R20) باعتباره حدثًا رئيسيًّا في فعاليات مجموعة العشرين، ولقيادتك وبصيرتك الحكيمة إذ جَمَعَتا هؤلاء الفاعلين الرئيسيين للمشاركة في حدث جديد. من الجوهريّ، بالفعل، لرخاء الإنسانية أن تُعادل القيمُ الخلقيةُ والأخلاقيةُ الاعتباراتِ الاقتصاديةَ والسياسية من جهة تشكيل السياسات العامة.
اليوم، يا سيدي الرئيس العزيز، تصنع تاريخًا كالذي صَنَعَه الرئيس سوكارنو في 1955، في مؤتمر باندونغ، وهو واحد من أهم الأحداث السياسية في القرن 20. ومع (R20)، تقدِّم فرصة تاريخية لإحياء روح مؤتمر باندونغ وتجديد أجندته كي تواجه تحديات الإنسان الراهنة….
وهنا، بالضبط، نلقى الهدف النهائي من (R20)، كما أخبر عنه صديقنا العزيز باك يحيى، الرئيس المؤسِّس لمنتدى الدين لمجموعة العشرين والرئيس العام لنهضة العلماء: ”من خلال (R20)، نأمل في تعزيز انبثاق حركة عالَميّة، سيساعد فيها ذوو النفوس الصافية، من كل إيمان وأمَّة، في تحقيق التوافُق بين بنى القوة الجيوسياسية والاقتصادية في العالَم وأسمى القيم الخلقية والروحية، من أجل كلّ الإنسانية“.

واخْتُتِمَت الجلسة بتفكُّرات في القيم التي تتشاركها أديان وحضارات العالَم الرئيسية، ألقاها قداسة ماهاماهوبادياي بادريشداس سوامي، وهو راهب هندوسي مُرَسَّم لـلطائفة الهندوسية بوشاسانواسي أكشار بيوروشاتام سوامينارايان سانثا Bochasanwasi Akshar Purushottam Swaminarayan Sanstha (BAPS) ورئيس المعهد البحثيّ (BAPS) سوامينارايان، أكشاردام، في نيو دلهي، الهند. وكانت خطبته بعنوان ”دعونا نمد أيدينا لتوسيع دائرة التآلف العالَميّ“.
الجلسة الثانية، المكتملة العدد، لـ (R20)
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)
قد ترغب في قراءة:
الجلسة الأولى، المكتملة العدد، لـ (R20): الجلسة الافتتاحية
الجلسة الثالثة، المكتملة العدد، لـ (R20): المظالم التاريخية، وقول الصدق، والتصالح، والغفران