مطبوعة أكاديمية نخبوية، تؤيدها وزارةُ القوات المسلحة في فرنسا، تُبْرز التأثير الجيوسياسي للـ (R20)

”وأقترح أنه سيَكون تحوُّلًا جذريًا إذا كان لـ (R20) تحفيز أهم السلطات الدينية بالعالَم لإصلاح تقاليدها من داخل أنساقها وتصبح قوة للسلام، تحمل معها العدد الهائل من الأتباع الملتزمين الذين يمكن لكل دين من هذه الأديان حشدهم“.

~ مما كتبه الدكتور جوناثان بِنْتُل في دورية نشرة المرصد الديني الدولي L’Observatoire International du Religieux

جنود يقومون بدورية حراسة أمام برج إيفل في 2015، بعد هجمة إرهابية كبيرة في باريس

باريس، فرنسا، يناير 2023 ― لقد نَشَرَ برنامج أكاديمي تابع لـ ”سيانس بو Sciences Po“ (معهد الدراسات السياسية بباريس)، وتدعمه وزارةُ القوات المسلحة في فرنسا، مقالًا يدرس التأثير الجيوسياسي لمنتدى الدين لمجموعة العشرين. وكما أتى في المقال، ”استهلَّت منظمة نهضة العلماء الإندونيسية، أكبر حركة إسلامية للمجتمع المدني في العالَم، منتدى الدين لمجموعة العشرين بالاشتراك مع الرئاسة الإندونيسية …. للقمة السياسية والاقتصادية لمجموعة العشرين“.

وبكلمات كياي حاج يحيى خليل ثقوف، رئيس نهضة العلماء بإندونيسيا، ومؤسس (R20): ”الهدفُ من منتدى الدين لمجموعة العشرين هو ضمان أن يضطلع الدين، في القرن الواحد والعشرين، بدورِ مصدرٍ أصيل وديناميكي للحلول، بدلًا من المشكلات. من خلال (R20)، نأمل في تعزيز انبثاق حركة عالَميّة، سيساعد فيها ذوو النفوس الصافية، من كل إيمان وأمَّة، في تحقيق التوافُق بين بنى القوة الجيوسياسية والاقتصادية في العالَم وأسمى القيم الخلقية والروحية، من أجل كلّ الإنسانية“.

تفحص وتواجه إحدى لجان عمل (R20)، وهي ((ل.ع-3) في إعادة غرس المبادئ البالية والإشكالية للأرثوذوكسية الدينية في سياقها) التعاليمَ المُتَضَمَّنَة في الأديان الكبرى بالعالَم، وهي التعاليم التي لا تتوافق مع التعايُش السلمي والنظام الدولي المؤسَّس على القوانين، الذي يقوم على احترام الحقوق والكرامة المتساوية لكل إنسان.

ظهر مقال الدكتور جوناثان بِنْتُل في دورية المرصد الديني الدولي L’Observatoire International du Religieux باللغتين الفرنسية والإنجليزية، وفيه يلاحظ الدكتور بِنْتُل أن ”طموحُ نهضة العلماء مدهشٌ حقًّا … ولقد نشر المحلل السياسي جيمس دورسي تعليقات ثاقبة عن التباين بين مفهوم ”الإسلام للإنسانية“ لدى نهضة العلماء ― الذي يَقبل، بكل قوة ووضوح، ”الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان“ ― والخطوات التي تتخذها المَلَكِيَّة السعودية الأوتوقراطية صوب الاعتدال [أو الوسطية]، وهذه المَلَكِيَّة لا تعتزم السماح بحرية التعبير والتنظيم. تهدف نهضة العلماء إلى تغيير ميزان قوى السلطة الدينية، بحيث ستَكون إندونيسيا في نفس مستوى السعودية ومصر؛ وسيحدث ذلك، بالفعل، لتعزيز مفهوم ’المجال الهندي‘ الذي يوحِّد جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا باعتبارهما قوة مُوازِنَة لكتل القوى المتنافسة“.

تغطيةُ ”سيانس بو“ للـ (R20) مهمة وعظيمة، إذ توحي بأن المؤسسة الأكاديمية والسياسية والعسكرية الفرنسية ربما قد بدأت، بجدية، في تحليل التشعبات الجيوسياسية لحركة الإسلام للإنسانية، التابعة لنهضة العلماء، و(R20). لقد تخرَّج خمسة رؤساء من الثمانية المنتمين للجمهورية الفرنسية الخامسة (1958-للآن) من ”سيانس بو“، وكذلك تخرَّجَ منها أعضاء آخرون لا حصر لهم، ينتمون إلى النخبة السياسية الفرنسية ونخبة من رجال الأعمال.

تأسس البرنامج البحثي المرصد الديني الدولي L’Observatoire International du Religieux في ذروة حركة الدولة الإسلامية، عندما انضم ما يزيد عن 4000 مواطن فرنسي إلى داعش. ويسعى البرنامج المعنيّ إلى إجلاء الظواهر الدينية المعاصرة وتفاعلها مع السياسة. منذ إنشائها في 2016، نَشَرَ المرصد L’Observatoire 41 نشرة في مواضيع متنوعة مثل أديان الشرق الأوسط، والعلاقة بين المسيحية والحكومات في آسيا، والإسلام في أفريقيا الشمالية، وحركة ”الخمسينية“ في البرازيل.

البرنامج المعنيّ مدعوم من المدير العام للعلاقات الدولية والتخطيط بوزارة القوات المسلحة في فرنسا.

يمكن قراءة النَّصِ الكامل لمقال الدكتور بِنْتُل أسفله.

النشرة رقم 41

يناير 2023

(R20): إندونيسيا تقود منتدى الدين لمجموعة العشرين (G20)

جوناثان بِنْتُل

في نهاية 2022، استهلَّت منظمة نهضة العلماء الإندونيسية، أكبر حركة إسلامية للمجتمع المدني في العالَم، منتدى الدين لمجموعة العشرين بالاشتراك مع الرئاسة الإندونيسية، من 1 ديسمبر 2021 إلى 30 نوفمبر 2022، للقمة السياسية والاقتصادية لمجموعة العشرين. عَقَدَ (R20) مؤتمرًا [للحوار] بين الأديان حضره قرابة 300 عالِم مسلم في بالي، أعينهم صوب صنع السلام، قبل أسبوعين من اجتماع مجموعة العشرين في نوفمبر الماضي. نهضة العلماء مستقلة قانونيًّا عن الحكومة، لكنَّ الدولة الإندونيسية دَعَمَت المنتدى، وافتتحه رئيسُ إندونيسيا، جوكو ويدودو. لم يجتذب مؤتمر الـ (R20) أيّ تغطية إعلامية في الإعلام الغربي. يحاجّ هذا المقالُ بأن المفهوم المؤسِّس للـ (R20)، ومدى تأييده، أمران جديدان يستحقان الانتباه من دراسي التداخل بين الدين والجيو-سياسة في وقتنا المعاصر[1]. وأقترح أنه سيَكون تحوُّلًا جذريًا إذا كان لـ (R20) تحفيز أهم السلطات الدينية بالعالَم لإصلاح تقاليدها من داخل أنساقها وتصبح قوة للسلام، تحمل معها العدد الهائل من الأتباع الملتزمين الذين يمكن لكل دين من هذه الأديان حشدهم. وثَمَّ هدف أكثر تواضُعًا لديه فرص أكبر للنجاح، يتمثل في أنه سيقع على عاتق نهضة العلماء إثبات أن الإسلام الإندونيسي، وهو إسلام مرونته وإنسانيته أكبر من مرونة وإنسانية التأويلات الصادرة من المملكة العربية السعودية ومصر، لديه أصالته الخاصة ودعمه الشعبي، وبالتالي، ليس الإسلام الإندونيسي في حاجة إلى الرضوخ للشرق الأوسط.

ثَمَّ رؤية شاملة ”للحركة المشتركة بين الأديان“ أقرَّ بها الباحثون الاختصاصيون، على الرغم من أنها محلية. أتى استنتاج مؤرخها القيادي، توماس ألبرت هوارد، كما يلي: ”هذه الحركة مثالية النزعة بشدة وتحرِّك أهدافَها مقاصدُ نبيلة، وهي، كذلك، حركة تواجهها تحديات أصولية وأشكال محتملة للنقد“[2]. قد يمكن، إذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء، تتبُّع فكرة التوفيق بين الأديان المتعارضة ظاهريًّا، فنجد أنها كانت لدى الكثير من المفكرين المبدعين، من الكاردينال الألماني نقولاس الكوزاني (1401-1464) إلى الإمبراطور المغولي جلال الدين أكبر (1542-1605). لكنَّ الحدثَ الرئيسيّ الأول، في الحراك الحديث، تمثَّل في ”مؤتمر أديان العالَم“، الذي أقيم في سياق ”المعرض العالَمي الكولومبي“، بمدينة شيكاغو، في 1893. وقال هوارد: ”اليوم، نحيا في ذروة مزدهرة للحوار بين الأديان“[3]. يُشْرَع في تفعيل بعض المبادَرات لتأمين أهداف عملية محدودة بدعم من القادة الدينيين. ثَمَّ مثال ناجح، إلى حَدٍّ ملحوظ، على هذه المقارَبَة، وهو ”اتحاد الأديان والمحافَظَة“ (ARC)، الذي انبثق عن ”الصندوق العالمي للطبيعة“، وأسسه الأمير فيليب، دوق إدنبرة، في عام 1995 على أساس أن الأديان الرئيسية لديها منفذ إلى شبكات هائلة من الأتباع والمناصرين، وأن الممثلين الرسميين لهذه الأديان لديهم رؤية أبعد مدى من رؤية السياسيين أو الصناعيين؛ وبالتالي، يمكن تحريكهم من أجل القضايا البيئية[4].

ثَمَّ اتجاه متباين مع الاتجاه السالف الذكر بشدة، وهو اتجاه لمبادرات مؤسَّسَة في التأويل النَّصيّ، مثل خطاب، نَشَره في 2007، 138 عالمًا مسلمًا، عنوانه ”كلمة سواء بيننا وبينكم“، وَرَدَ في 26 صفحة، يحاول ربط الإسلام، بوضوح شديد، بصنع السلام[5]. والصراعات الإيديولوجية الشرسة في نطاق أديان العالَم، وفيما بينها، وهي التي مَيَّزَت تاريخ كل دين من هذه الأديان، من ضمن أسباب كون الكثير من المراقبين متشككين حيال مثل هذه المساعي؛ والفصل بين كل ما يُصَرِّح به المسؤولون من النخبة والأوضاع اليومية للحياة التي تُضَمَّن فيها أفكارهم اجتماعيًّا. من المفهوم أن لقاءات الوعاظ النبلاء، والكثير منهم يرتدي ملابس وأغطية للرأس على نحوٍ مفعم بالألوان، لا تثير اهتمام الصحفيين بالضرورة.

عامةُ الناس واعون الآن بتخفيف السلطات الدينية لحدة سياساتها تجاه الأديان الأخرى، بعد تاريخ طويل من تبخيس الأخيرة. ثَمَّ إنجاز تاريخي فريد ― اجتذب، بالفعل اهتمامًا مُعْتَبَرًا من الإعلام في ذلك الوقت ― تمثَّل في ”إعلان المجمع عن علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية“ (Nostra aetate) للبابا بولس السادس، وهو الإعلان المنشور في 1965 بعد قرار ”المجمع الفاتيكاني الثاني“. أدانت هذه الوثيقةُ العداء تجاه اليهود، وقبلت القواسم المشتركة لدى الوضع الإنساني، وأقرَّت بالقيمة الروحية الموجودة في الهندوسية والبوذية، وناشدت بالفهم المشترك مع الإسلام، وحَكَمَت بمعارضة التمييز والعنف. لكنها جدَّدت، كذلك، التأكيد التقليدي للكنيسة الرومانية الكاثوليكية على الأفضلية الموضوعية للمسيح يسوع باعتباره إنسانًا في الثالوث. منذ ذلك الوقت، التزم الفاتيكان بموقفه الذي اتخذه، وهو الموقف الذي تصحبه عواقب تبشيرية ضرورية، وهذه العواقب واقعة، حتمًا، في توتُّر مع التزام الفاتيكان بحوار بين الأديان قوامه الاحترام.

في فقرة مفتاحية متعلقة بالإسلام، بالتباين مع التقليد المهيمن للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وهو تقليد العداء والنبذ، انتبه إعلان (Nostra aetate) إلى توقير وتبجيل المسلمين ليسوع ومريم، وحثَّ على نسيان الماضي:

”وإذا كانت قد نشأت، على مرّ القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيّين والمسلمين، فالمجمع المقدّس يحضّ الجميع على أن يتناسوا الماضي وينصرفوا بإخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعزّزوا معًا العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية والسلام والحرّية لفائدة جميع الناس“[6].

وكانت ثَمَّ خطوة رائدة، على مسار التقدم في الحوار بين الأديان، وتمثَّلَت في ”اليوم العالَميّ للصلاة من أجل السلام“، الذي أقيم في أسيزي، إيطاليا، في 1986، تحت قيادة البابا القديس يوحنا بولس الثاني (كارول فويتيلا). وقد وصل الأمر بالبابا إلى درجة اعتذاره، بالنيابة عن كنيسته، لأنها لم تَكُن دومًا مخلصة للمبدأ القائل بأن ”السلام يحمل اسم يسوع المسيح“[7]. وفي الآونة الأخيرة، تولَّت ”مؤسسة جون تمبلتون“ مبادرة، كان ملهمَها الحاخام الراحل جوناثان ساكس، لتشجيع كل الأديان على إعادة تأويل – وإعادة التفكير في – ”النصوص القاسية … التي إذا أُخِذَت بمعناها الحرفي وطُبِّقَت تطبيقًا مباشرًا، ستؤدي إلى الكراهية والعنف والإرهاب والحرب“[8]. وكان الحلُّ المُقْتَرَح ابتكارَ ”سرديات مضادة“ فيما أسماه أحد المشاركين بحملة دفاعية تأمينية، إذ ”يبدو أن العنف الديني ينتصر― لكنه لا ينتصر بالقتل، والتشويه، والترويع، في كل العالَم، فقط، بل ينتصر، كذلك، بحكيه لسردية قوية“[9].

كان الهدف من منتدى (R20) في بالي تقديم الدين باعتباره مصدرًا للحلول، بدلًا من المشكلات: وبالأخص، لـ ”منع تحويل الهوية إلى سلاح سياسي؛ والحدِّ من انتشار الكراهية الجماعية؛ وتعزيز التضامن والاحترام بين الناس وثقافات وأمم العالَم المتعددة؛ وتعزيز انبثاق نظام عالمي عادل ومُتَجَانِس بحق، يتأسس على احترام الحقوق والكرامة المتساوية لكل إنسان“[10]. من ثلاث جهات على الأقل، يشق هذا المنتدى طريقًا جديدًا.

أولًا، ثَمَّ بُعْد مُمَيَّز جديد يساهم به منتدى (R20)، يتمثل في جهد إصلاحيّ لمواجهة ”النصوص القاسية“ على نحوٍ منفتح وفعَّال، وهي النصوص الموجودة في كلّ دين، بدلًا من محاولة اختلاق الأعذار. في خطابه الرئيسيّ، لفت الحاخام البروفيسور آلان بريل، الذي يُدَرِّس في جامعة كاثوليكية بالولايات المتحدة الأمريكية، النظر إلى ”الجواب الحاخامي teshuva“ ― وهو المعادِل اليهوديّ للفتوى في الإسلام ― بعنوان ”مكانة غير اليهود في الشريعة اليهودية والتقليد اليهوديّ اليوم“، نَشَرتها ”لجنة الشريعة الحاخامية لليهودية المعتدلة“ في 2016. إن ”الجواب الحاخامي teshuva“ المعنيّة ”يُقِرُّ بإمكان إيجاد المرء لفقرات حصرية النزعة وسلبية في التقليد [اليهوديّ]“ لكنها ”أدانت فورًا هذه الأعمال وكل الأعمال التي تؤديها جماعات يهودية حصرية النزعة“. استنتاجات بريل صادمة وشديدة الفاعليّة، وهي بالأخص، ضرورية للغاية، في ضوء التطورات السياسية الراهنة في إسرائيل:

”بالكاد بدأ اليهود في النظر إلى مواقفهم تجاه الأديان الأخرى، على الرغم من أن هذه المُمانَعَة شُكِّلَت في حقبة اضطهاد. لكنهم لا ينظرون إلى نَصِّهِم الإشكالي والبذيء عن الأغيار؛ ويتجاهلون رؤاهم التقليدية المتعلقة بتدمير الأديان الأخرى في نهاية الزمان“[11].

في خطاب رئيسيّ آخر، دعا رئيسُ نهضة العلماء، كياي حاج يحيى خليل ثقوف، القادةَ الدينيين بالعالَم إلى مناقشة صريحة تمامًا ”لماهية القيم التي تحتاج تقاليدنا المعنيّة إلى التخلّي عنها، لضمان أن يضطلع الدين، في القرن الواحد والعشرين، بدورِ مصدرٍ أصيل وديناميكي للحلول، بدلًا من المشكلات“[12]. في 2019، كانت نهضة العلماء مثالًا يحتذى به عندما عَقَدَت مؤتمرًا دوليًا لعلمائها المسلمين في جاوة الغربية، أدى إلى نقاش قال بوجوب رفض تحقير غير المسلمين باعتبارهم كفارًا. ويصر ت. هولاند تايلور، وهو مستشار كبير لـ (R20)، وهو المؤسس الأمريكي المشترك لمؤسسة بيت الرحمة، على لزوم تفعيل وتوظيف كلّ الأديان من أجل هذه القضية: الإعلانات أحادية الجانب لا تكفي[13].

ثَمَّ ابتكار ثانٍ يتمثل في موقعِ الزخمِ من أجل الإصلاح. لدى إندونيسيا أكبر تعداد للمسلمين في العالَم، لكنها، مع ذلك، تحظى بتغطية إعلامية في الغرب قليلة نسبيًا، بحيث لن يَكون من المدهش إهمالُ الصحفي الغربي للـ (R20)، وهو الذي سأم من الإعلانات الفخمة. ورغم وجود بعض الانحرافات ― الناتجة عن العنف السياسي في الماضي والاختراق الإسلامويّ الذي جرى حديثًا ― قد تُعْتَبَر إندونيسيا موطن الإسلام المعتدل. تحظى نهضة العلماء، التي تأسست في 1926، بـ 60 مليون عضو في إندونيسيا وحوالي 30 مليون عضو في الخارج[14]، ونهضة العلماء، ومعها ”المحمدية“ التي يُقَدَّر عدد أعضائها بـ 25 مليون عضو، سُمّيا بـ ”المركز المستقر للمجتمع المسلم الإندونيسي“[15]. لقد أثار (R20) اهتمامًا ملحوظًا داخل إندونيسيا، بينما لا يُنْظَر إلى ”مجموعة العشرين“ (G20)، في إندونيسيا، باعتبارها مُفَضَّلَة تفضيلًا خاصًا على المصالح السياسية والاقتصادية للدولة[16].

ثالثًا، لقد اضطلع الأفراد البارزون، حتى الآن، بمبادرات إسلامية للتواصل مع الأديان الأخرى، مثل أعضاء العائلة الملكية الهاشمية في الأردن. وبالمقارنة، نهضةُ العلماء حركة شعبية ― تزخر بالجامعات والمدارس والكليات، بالإضافة إلى الخدمات الطبية والجماعات الزراعية ― وَفق مقياس لم يسبق له مثيل في تاريخ مشاريع [الحوار] بين الأديان.

طموحُ نهضة العلماء مدهشٌ حقًّا. كانت ”رابطة العالَم الإسلامي“ هي الراعي المشارك لمنتدى (R20). تأسست هذه الرابطة في 1962 باعتبارها وسيلة رئيسية، في يد السعودية، لتعزيز نسخ من الإسلام تتوافق مع النزوع السلفي-الوهابي؛ لكن، مؤخرًا، غَيَّرَت الرابطة من إستراتيجيتها تجاه محاربة التطرُّف العنيف ودعم التسامح الديني، وهي، الآن، أداة سياسة في يد الحاكم الفعلي للسعودية، الأمير محمد بن سلمان. ولقد نشر المحلل السياسي جيمس دورسي تعليقات ثاقبة عن التباين بين مفهوم ”الإسلام للإنسانية“ لدى نهضة العلماء ― الذي يَقبل، بكل قوة ووضوح، ”الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان“ ― والخطوات التي تتخذها المَلَكِيَّة السعودية الأوتوقراطية صوب الاعتدال [أو الوسطية]، وهذه المَلَكِيَّة لا تعتزم السماح بحرية التعبير والتنظيم[17]. تهدف نهضة العلماء إلى تغيير ميزان قوى السلطة الدينية، بحيث ستَكون إندونيسيا في نفس مستوى السعودية ومصر؛ وسيحدث ذلك، بالفعل، لتعزيز مفهوم ”المجال الهندي“ الذي يوحِّد جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا باعتبارهما قوة مُوازِنَة لكتل القوى المتنافسة.

لقد أدى ذلك إلى تواصل نهضة العلماء مع منظمة التطوع الوطنية (راشتريا سوايامسيفاك سانج RSS)، وهي منظمة قومية هندوسية يمينية، تعزز إيديولوجيتُها (هندوتفا Hindutva [الشكل السائد للقومية الهندوسية]) الحزبَ الحاكم في الهند، وهو حزب بهاراتيا جاناتا (BJP). بحيازة الهند رئاسة ”مجموعة العشرين“ لمدة عام واحد بعد ديسمبر 2022، قد تشترك منظمة التطوع الوطنية في تنظيم منتدى (R20) مباشرة بعد مؤتمر ”مجموعة العشرين“، في نيودلهي، في 2023. سيفاجئ هذا الأمرُ الكثيرَ من الملاحظين، من جهة اشتهار حزب ”بهاراتيا جاناتا“ بتحفيز العاطفة المضادة للمسلمين في الهند، على الرغم من أن ذلك الأمر مفهوم، جزئيًّا، باعتباره ردَّ فعل على الذكريات الشعبية للغزوات الإسلامية التي حدثَت منذ قرون، وكذلك ضد عداء باكستان للهند واستفحال الإسلام السياسي. وهذه مخاطرة كبيرة قامت بها نهضة العلماء؛ فبينما يميل أغلب المتعاطفين من الغرب مع حركات [الحوار] بين الأديان إلى التمتُّع برؤى ليبرالية مثالية النزعة، نهضةُ العلماء منظمة مُحافِظَة. من الممكن وجود انجذاب وتآلف مُنتِج مع الميول المُحافِظَة في أديان أخرى، لا يمكن فهمه، على النحو المناسب، إلا من خلال نَزع مركزية الافتراضات الغربية الليبرالية.

يختتم دورسي حديثه فيقول إن التعاون بين ”رابطة العالَم الإسلامي“ ونهضة العلماء، باعتبارهما راعيَيْن مُشْتَرِكَيْن لمجموعة العشرين في بالي يُخفي منافسةً سياسية على روح الإسلام. والإمارات العربية المتحدة طرفٌ ثالث في هذا التنافس الحادث بين أطراف إسلامية، لأن الإمارات ترعى، كذلك، برنامجًا [للحوار] بين الأديان. ستحصل البرازيل على رئاسة مجموعة العشرين في 2023 – 2024، وفي البرازيل أكبر تعداد للمسيحيين في العالَم ― تجانسًا مع إندونيسيا في حالة المسلمين والهند في حالة الهندوس ― ويتضمن تخطيطُ نهضة العلماء الحالي مشروعًا لاجتماع (R20) ثالث سيُقام في تلك البلد. وبسبب قدرة السعودية على توظيف قدرتها المالية للحفاظ على مكانتها في القيادة، وبسبب الحماس المكتوم الذي تُظهره الهند حتى الآن، تميل الاحتمالات إلى أن (R20)، بوصفها فكرة، ستصبح مُخَفَّفَة، على مستوى التأثير، بشدة.

وعلى الأقل، رغم ذلك، يبدو من القابل للإنجاز أن الإمساك بالأرثوذوكسية الإسلامية السُنِيَّة، وهو الإمساك الذي يُمارَس في مكة والمدينة والقاهرة، في ارتباطه بالحكومات الأوتوقراطية، ستتحداه مصداقيةُ نهضةُ العلماء والدعم الشعبيّ. وعقب اجتماع (R20) في بالي، سيجتمع العلماء المسلمون، في فبراير 2023، في سورابايا، إندونيسيا، لمناقشة ”الفقه الإسلامي من أجل حضارة عالَميّة“. يقول جيمس دورسي إن هذه المبادرة مُصَمَّمَة لإضعاف تأويلات الفقه الإسلامي التي تُبَرِّر انتهاكاتِ حقوق الإنسان وتحض على الطاعة العمياء للحاكم. لا تتحدى ”منظمةُ التعاون الإسلامي (OIC)“ هذه التأويلاتِ، وهي التأويلات التي لا تزال مهيمنة في مكة والمدينة والقاهرة، وتزعم هذه المنظمة السالفة الذكر، التي تجمع 57 دولة إسلامية، أنها الصوت الجماعي للعالَم الإسلامي[18]؛ وتوفّر التأويلات المعنيّة حمايات غير كافية ضد أنماط اللاهوت الخسيسة التي أسستها ”القاعدة“ وداعش. يمكن لنجاح نهضة العلماء أن يَكون فائق المدى، على الرغم من تهديد بعض المصالح السياسية في إندونيسيا لهذا النجاح، وقد شرعت هذه المصالح السياسية المعنيّة في العودة بدولة إندونيسيا إلى ماضيها السلطويّ[19].

المؤلف: جوناثان بِنْتُل، باحث شرفيّ مشارك، قسم الأنثروبولوجيا، كلية لندن الجامعية.

[1] لأسباب تتعلق بالمساحة هنا، أحذف كل الإحالات لتاريخ مفهوم”أديان العالَم“ وكل الإحالات إلى التعريفات المتنازعة ”للدين“، وفيما يتعلق بهذين الموضوعين، ثَمَّ دراسات بحثية موسَّعَة.

[2] انظر:

Thomas Albert Howard, The Faiths of Others: A History of Interreligious Dialogue, New Haven, Yale University Press, 2021, p.236.

[3] المرجع نفسه، ص: 2.

[4] في 2019، أُغْلِق ”اتحاد الأديان والمحافَظَة“، وقيل إن أهدافه قد تحققت بالفعل بعد قبولِ منظماتٍ لحججِه، مثل ”برنامج الأمم المتحدة الإنمائي“. [أونلاين]:

http://www.arcworld.org/

ولقد شغلتُ منصبَ أمينٍ في ”اتحاد الأديان والمحافَظَة“ في الفترة من 1997 إلى 2004.

[5] انظر:

Neil MacFarquhar, ”في رسالة مفتوحة، يسعى المسلمون إلى التعاون مع المسيحيين باعتبار ذلك الأمر خطوة صوب السلام“

نُشِرَ في:

New York Times, 12 October 2007.

[6] [أونلاين]:

https://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decl_19651028_nostra-aetate_en.html. القسم الثالث.

[7] خطاب القديس يوحنا بولس الثاني لممثلي الكنائس المسيحية والمجتمعات الكَنَسِيَّة وأديان العالَم، كنيسة القديس فرانسيس الأسيزي، 27 أكتوبر 1986، 4 – 5. [أونلاين]:

https://www.vatican.va/content/john-paul-ii/en/speeches/1986/october/documents/hf_jp-ii_spe_19861027_prayer-peace-assisi-final.html

[8] انظر:

Richard A. Burridge and Jonathan Sacks (eds.), Confronting Religious Violence: A Counternarrative, London, Baylor Press, 2018, p. x.

[9] انظر:

Guy D. Stroumsa, “Open Religion and its Enemies”, in Burridge and Sacks, op. cit., p.59. Stroumsa.

ويأتي ستروسما، الأستاذ المتقاعد الاختصاصي في الأديان المقارنة، بإسهام مميَّز في ذخيرة المناشدات من أجل التأويلات السلمية للنصوص الدينية الحصرية النزعة: يعزز ستروسما نزعَ مركزيةِ خبرةِ كلِّ مجموعةٍ متدينةٍ داخل مجتمع معطى، وإعادة إدماج ذكريات الجماعات الأخرى. وتقول حجة ستروسما بالحاجة إلى تجاوُز [أو انتهاك] مُمَيِّزات الحدود التي يوقّرها كل اعتراف. وعلى الرغم من تركيز هذه الحجة على تاريخ العلاقات المسيحية-اليهودية، يمكن لهذه الحجة حيازة صلة وثيقة، بالأخص، في المجموعات المتعددة من الثقافات الدينية الموجودة في الهند وإندونيسيا. يمكن لهذا الأمر التوافق مع مبدأ ”بانتشاسيلا“، وهو الأساس الفلسفي الرسميّ لدولة إندونيسيا التي تتبنى التَّعَدُّدِيَّة الدينية. المرجع نفسه، ص: 72–73.

[10] ”مرحبًا بكم في منتدى الدين بإندونيسيا“، [أونلاين]:

https://g20religion.org

[11] انظر: Alan Brill, “Problematic Exclusivist Texts”, 2022, p.4. [Online] https://baytarrahmah.org/media/speeches/r20-2022/Rabbi-Professor-Alan-Brill_Problematic-Exclusivist-Texts.pdf

[12] البيان الرسمي، الجلسة الرابعة، المكتملة العدد، [أونلاين]:

https://baytarrahmah.org/2022_11_03_r20-plenary-session-4/

[13] ت. هولاند تايلور، التواصل الشخصي، 21 ديسمبر 2022.

[14] انظر:

Faried F. Saenong, “Nahdlatul Ulama (NU): A Grassroots Movement Advocating Moderate Islam”, in Handbook of Islamic Sects and Movements, 2021, Brill

[أونلاين]:

https://brill.com/display/book/9789004435544/BP000016.xml?language=en

وهذه التقديرات في عدد العضويات غير موثوق فيها.

[15] انظر:

Martin von Bruinessen, “Post-Suharto Muslim engagements with civil society and democratisation”, In S. Hanneman and H. S. Nordholt (Eds.), Indonesia in transition: Rethinking “civil society,” “region” and “crisis”, (pp. 37–66), 2004, Yogyakarta: Pustaka Pelajar, p.61.

[16] ت. هولاند تايلور، التواصل الشخصي، المرجع نفسه.

[17] انظر:

[xvii] James M. Dorsey, “Behind lofty declarations, major Muslim and Hindu groups compete for power”, The Times of Israel, 22 November 2022.

[أونلاين]:

https://blogs.timesofisrael.com/behind-lofty-declarations-major-muslim-and-hindu-groups-compete-for-power/

[18] في وجود منافسة من شيعة إيران ما-بعد الثورة.

[19] انظر:

James Dorsey, “Throwing darts: Indonesian call for religious reform challenges Muslim autocracy”, 18 December 2022.

[أونلاين]:

https://www.jamesmdorsey.net/post/throwing-darts-indonesian-call-for-religious-reform-challenges-muslim-autocracy

يقبَل دورسي أن صمتَ نهضة العلماء تجاه قانون إجرامي تم تبنّيه مؤخرًا في إندونيسيا، يُجَرِّم التبشير الديني، وممارسة الجنس خارج إطار الزواج، وإهانة الرئيس، يلقي بظلال على موثوقية المنظمة. لكن، يظهر أن هذا الأمر قد كان تسوية سياسية يمكن تعديلها. انظر:

Sana Jaffrey and Eve Warburton, “Indonesia’s new criminal code turns representatives into rulers”, New Mandala, 9 December 2022.

[أونلاين]:

https://www.newmandala.org/representatives-into-rulers/

علاوة على ذلك، في منظمة هائلة كهذه، بها تنوُّع كبير في التوجُّهات، من الحتميّ وجود انقسامات. انظر:

Alexander R. Arifianto, “Practicing what it preaches? Understanding the contradictions between pluralist theology and religious intolerance within Indonesia’s Nahdlatul Ulama”, Al-Jami’ah: Journal of Islamic Studies, 55:2, 241–264.

[أونلاين]:

https://www.aljamiah.or.id/index.php/AJIS/article/view/578

لاقتباس هذه الوثيقة:

Jonathan Benthall, “R20: the G20 Religion Forum led by Indonesia – English version”. Bulletin de l’Observatoire international du religieux N°41 [en ligne], janvier 2023. https://obsreligion.cnrs.fr/bulletin/r20-the-g20-religion-forum-led-by-indonesia-english-version/

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع

تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي

قد ترغب في قراءة:

للاهوت أهمية: حالة الإسلام الجهادي

إطلاق فيلم الفضل الإلهي لإسلام نوسانتارا

موقع R20