توطيد أساس من الشريعة الإسلامية من أجل الدولة القومية ونظام دولي مؤسَّس على القوانين، يضمن الحقوق والكرامة المتساوية للجميع

"من خلال هذه النقاشات للفقه من أجل حضارة عالَميّة، تخلق نهضةُ العلماء مستقبلًا يتميز بقومية قوية وخَيِّرَة.  فالفقه الحضاريّ يُلزِم كلَّ المواطنين بمنع تقويض دولتهم، إما من داخلها أو من خارجها".

~ عالِم نهضة العلماء الكبير كياي حاج عبد الله كفى به محروس

"القوانين الإسلامية للحكم والمواطنة"
"مكانة المواطنة لغير المسلمين من منظور الفقه الإسلاميّ"
("جهود غرس مفهوم المواطنة في الحكم في سياق الحكم والدول القومية الحديثة")

كديري، جاوة الشرقية، إندونيسيا ― في صباح 21 يناير 2023، اجتمع أكثر من 300 عالِم مسلم، وطالب لاهوتي، وأكاديمي، في واحدة من أكبر وأهم المدارس الإسلامية، وهي مدرسة ليربويو الداخلية الإسلامية، استعدادًا للمؤتمر الدولي الأول للفقه الإسلاميّ من أجل حضارة عالَميّة، والذي سيقام في 6 فبراير 2023، في سورابايا، جاوة الشرقية.

يُمَثِّل الحدثُ في ليربويو ذروةَ سلسلة مكونة من 231 حلقة دينية بدأت في أغسطس 2022، ناقش، وتداول، فيها علماء بارزون من نهضة العلماء موضوعَ الفقه الإسلامي من أجل حضارة عالَميّة (فقه الحضارة).

الشيخ كياي حاج أنور منصور (أعلاه)، مدير مدرسة ليربويو الداخلية الإسلامية، يدعو اللهَ أن يبارك سلسلةَ الحلقة الدراسية، لمصلحة كلّ الإنسانية

صيغَ مفهوم فقه الحضارة لأول مرة في بيان نوسانتارا (2018)، الذي شارك كياي حاج يحيى خليل ثقوف في كتابته، والذي كان يشغل منصب الأمين العام في ذلك الوقت، وتبنته نهضةُ العلماء رسميًا، بالإضافة إلى النصوص التأسيسية لحركة الإسلام للإنسانية في المؤتمر الوطني لعلماء نهضة العلماء الدينيين (2019). أفتى هذا التجمُّعُ التاريخيّ لأكثر من 20000 عالِم مسلم بأن الدولة القومية الحديثة مشروعةٌ لاهوتيًّا؛ وأنه ليس ثَمَّ تصنيف للكافر في نطاق أي دولة قومية حديثة، ولا يوجد إلا "مواطنون"؛ ولزوم طاعة المسلمين لقوانين أي دولة قومية حديثة يقيمون فيها؛ وأن المسلمين عليهم إلزام ديني لتعزيز السلام بدلًا من شنّ الحرب تلقائيًّا بالنيابة عن إخوانهم في الدين، كلما اندلع صراع بين السكان المسلمين وغير المسلمين في أي مكان بالعالَمِ.

إن هذه السلسلة من الحلقات الدراسية، المكونة من 231 حلقة دراسية، عنصرٌ مفتاحيّ في جهد كياي حاج يحيى خليل ثقوف لغرس فقه الحضارة اجتماعيًّا من خلال نهضة العلماء، بعد انتخابه لمنصب الرئيس العام في ديسمبر 2021.

أشرف معهد "لاكبيسدام" على تصميم وتفعيل سلسلة الحلقات الدراسية، وهو معهد نهضة العلماء للدراسة وتطوير الموارد البشرية. ويشغل رئيس معهد"لاكبيسدام"، كياي حاج أولي الأبصار عبد الله، منصبًا في مجلس مستشاري الأمانة الدائمة لــ (R20)، مركز القيم الحضارية المشتركة. وهو، أيضًا، عضو في لجنة عمل (3) في (R20) المتعلقة بإعادة غرس المبادئ البالية والإشكالية للأرثوذوكسية الدينية في سياقها.

فقهُ الحضارة جزء من سيرورة اجتهاد جمعيّ مستمرة، يمتد عمرها إلى أعوام، ولقد تطوَّرَت داخل نهضة العلماء منذ عهد كياي حاج عبد الرحمن وحيد، الذي شغل منصب الرئيس العام لنهضة العلماء في الفترة من 1984 إلى 1999 ("جوس دور"، 1940 – 2009). صُمِّمَ فقه الحضارة للمساعدة في تعزيز "[تطوير] لإدراك ديني جديد يعكس الظروف الواقعية لحضارتنا الحديثة، ويسهم في انبثاق نظام عالَمي عادِل ومنسجم بحق، يتأسس على احترام الحقوق المتساوية والكرامة المتساوية لكل إنسان" (بيان نوسانتارا، نقطة رقم 173).

كياي حاج عبد الرحمن وحيد (على اليسار) مع كياي حاج أحمد صدّيق

صرَّحَت نهضةُ العلماء بإقامة فقه جديد في أثناء شغل "جوس دور" منصب رئيس نهضة العلماء لمدة 15 عامًا. وَصَفَ إعلانُ جيراكان بيمودا أنصار عن الإسلام للإنسانية (2017) هذه العمليةَ في قسمٍ بعنوان "تاريخ الجهود لإعادة غرس التعاليم الإسلامية في سياق أرخبيل الملايو":

17. في مغايرة للانفصال بين الملامح الرئيسية/ المفتاحية للأرثوذوكسية الإسلامية والواقع الفعلي في أغلب البلدان الإسلامية، بورِكَت إندونيسيا بالقدوة التاريخية، لهؤلاء العظماء، مثل الـ "والي سونجو" (أو الأولياء التسعة)، الذين تحولوا لـ "إسلام نوسانتارا" (إسلام الهند الشرقية). أكد هؤلاء الأولياء التسعة وأتباعهم على الحاجة المُلِحَّة لإعادة موضعة التعاليم الإسلامية والتكيف مع الوقائع الأخذة في التغيُّر زمانياً مكانياً، وتقديم الإسلام، لا بما هو إيديولوجيا استعلائية أو أداة للغزو والفتح، وإنما كطريق من طرق عدة يحصل البشر من خلالها على الكمال الروحي.

18. واتساقاً مع تعاليمهم، بدأ الإسلامُ يَتَجَذَّرُ عبر أغلب أرخبيل الهند الشرقية، مساهمًا في توطيد عمق وجمال حضارة نوسانتارا القارَّة بالفعل مع الاحتفاظ بالانسجام المجتمعي بدلًا من تمزيقه.

19. تلتزم نهضة العلماء وحركة شبابها الفَتِيَّة (جي بي أنصار – GP Ansor) بحمل إرثها النبيل. ولقرابة القرن، قام علماء نهضة العلماء بتطوير كيانٍ شاسعٍ ومديدٍ من الخطاب الديني الذي لا يُؤَمِّنُ شرعية إندونيسيا باعتبارها دولة قومية متعددة الأديان وتعددية بالعموم فقط، وإنما أيضًا يخدم بوصفه مشروعًا تجريبيًا رائدًا يستعرض مدى جدوى التعاون بين العلماء ورجال الدولة لتطوير أنظمة سوسيو-سياسية، لاهوتية-شرعية، حديثة والتي تُعَزّز رخاء المسلمين وغير المسلمين على السواء.

20. أثناء الكونجرس السابع والعشرين الخاص بها، والمقام في سيتوبوندو، شرق جاوة في عام 1984، قام الرئيس المُنتَخَب للمجلس الأعلى لنهضة العلماء، كياي حاجي أحمد صدّيق، بتأسيس إطار عمل لاهوتي لمبدأ الأخوة والذي لم يكن مقصورًا على المسلمين (أخوة إسلامية)، وإنما يشمل كل المواطنين (أخوة وطنية)، وبالفعل، أخوة كل البشرية (الأخوة البشرية).

21. في عام 1992 – في ملتقى دولي للعلماء المسلمين في لامبونج، تحت إشراف وتوجيه الحاج عبد الرحمن وحيد – أقرَّت نهضة العلماء بأن السياق المتغير للواقع يستلزم بالضرورة خلق تفسيرات جديدة للقانون الإسلامي والتعاليم الإسلامية الأرثوذوكسية.

22. في نفس هذا الملتقى/ المؤتمر، أصدرت نهضة العلماء قرارًا ينص على: لو أن المجتمع المسلم لا يستطيع أن يجد الأفراد الذين يرتقون لمرتبة المُجْتَهِدِ (وهو الشخص المُخَوَّل له أن يمارس الاستدلال المستقل ليخرج بقانون إسلامي)، فإن العلماء يجب أن يتحملوا عبء المسؤولية وأن يمارسوا الاجتهاد الجمعي (استخدام الاستدلال المستقل لصياغة قانون إسلامي)، والذي يسمى بـ "الاستنباط الجماعي".

23. لقد أسبغ العلماء على الأمة الإندونيسية (NKRI) شرعية لاهوتية عميقة وأصيلة، من خلال التقديم لعددٍ من النقاشات الدينية القوية لصالحها. إن الأسس العقلية اللاهوتية التي وظَّفَها العلماء لجعل NKRI شرعية كانت نتاج الاجتهاد الجديد والذي لا يمكن أن يوجد في النصوص السلطوية للفقه والمستَمَدَّة من قانون الفكر الإسلامي الكلاسيكي.

24. وأكثر من ذلك، نجح هذا الاجتهاد الجديد في تأمينِ الدعمِ لأغلبية ساحقة من المسلمين الإندونيسيين، بينما، في الآن نفسه، يساعد هذا الاجتهاد في تشكيل الرؤى والعقلية الدينية.

كانت حلقة ليربويو، التي بُثَّت من مدرسة ليربويو الداخلية الإسلامية (وهي المدرسة الأم لأبرز علماء إندونيسيا الدينيين وأكثرهم تأثيرًا)، هي الحدث رقم 231 في سلسلة حلقات دراسية عن فقه الحضارة، والتي أقيمَت عبر إندونيسيا، بدءًا من إطلاق السلسلة في أغسطس 2022 في مدرسة المُنَوِّر "كرابياك" الداخلية الإسلامية في يوجياكارتا.

دَرَسَ رئيس نهضة العلماء، كياي حاج يحيى خليل ثقوف، لمدة 16 عامًا في مدرسة "كرابياك" برعاية العالِم الإسلاميّ المُبَجَّل، والرئيس السابق للمجلس الأعلى لنهضة العلماء، كياي حاج علي مقسوم (1915 – 1989). كان الكياي علي مقسوم تلميذَ الشيخ عمر حمدان المكّي (1858 – 1948) والشيخ حسن المَشَّاط المكّي (1900 – 1979)، وعَلَّمَ الكثير من الشخصيات المعاصرة المؤثِّرَة في إندونيسيا، وبما يشمل رئيس إندونيسيا المُنْتَخَب الأول، كياي حاج عبد الرحمن وحيد وعمّ الأستاذ ثقوف، الرئيس السابق للمجلس الأعلى لنهضة العلماء كياي حاج أ. مصطفى بشري.

"حلقة دراسية عن فقه الحضارة:
فقه نهضة العلماء فيما يتعلق بالحكومة وواقع حضارة جديدة"

إنه أمر استثنائي في العالَم الإسلامي، والمقصود هنا هو عملية التقنين الطويلة المدى، المُتَجَذِّرَة لاهوتيًّا، للدولة القومية وهي العملية التي تضطلع بها نهضةُ العلماء. ولقد مَكَّنَت قومية إندونيسيا، وهي قومية شاملة، ومتعددة دينيًّا، ومتعددة عِرقيًّا، من الازدهار، في وجود الدعم الفعَّال من نهضة العلماء وتابعيها. لأنها بينما قد أصبحت القوميةُ موضوعًا مثيرًا للجدل في الغرب، إذ يراها الكثيرون تهديدًا للعولمة وحقوق الإنسان العالَميَّة، لا تميّز القوميةُ السياساتِ الاستعلائيةَ، القائمة على الهوية، في العالَم الإسلامي، وإنما تميّزها الجماعاتُ الإسلامية العابرة للحدود، مثل داعش، التي تسعى إلى الإطاحة بالدول القومية وتسعى إلى أن تحل محلها دولة إسلامية عالَميّة أو خلافة.

أدارَت حلقةَ ليربويو، باللغة العربية، الدكتورة، العالِمة المسلم حاج عفّة إسماعيل (في الصورة أعلاه)، أستاذة الفقه الإسلامي وأصوله في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكارتا. دَرَسَت الدكتورةُ عفّة إسماعيل في جامعة الأزهر بالقاهرة ― وهي مركز للسلطة الإسلامية والتعلُّم الإسلامي في قلب العالَم العربيّ ― لنيل درجة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. والدكتورة عفّة إسماعيل، أيضًا، عضوة في مؤسسة بحث المسائل، التابعة لنهضة العلماء (PBNU)، وهي قسم بالمجلس المركزيّ لنهضة العلماء يتعامل مع القضايا المرتبطة بالفقه التي تشغل بال المسلمين عمليًّا في الوقت الراهن.

بدأت الحلقةُ الدراسية بإنشاد النشيد الوطني لإندونيسيا، إندونيسيا العظمى، ثُمَ غناء الأغنية الوطنية حب الوطن من الإيمان، وهي أغنية وطنية لنهضة العلماء، تُبَيِّن القوميةَ الدينية لنهضة العلماء وتستنكر المزاعمَ الإسلامية القائلة بأن حب الوطن والتمسُّك بالإسلام أمران لا يتوافقان.

افتتح الشيخ كياي حاج كفى به محروس من مدرسة ليربويو الداخلية الإسلامية (أعلاه)، المناسَبَةَ بوصف فقه الحضارة باعتباره وسيلة فعَّالة للنبل الكامل للشخصية وتقوية قومية مُحْسِنَة تضمن الأمن للجميع. ولقد طَوَّرَ رئيس نهضة العلماء، كياي حاج يحيى خليل ثقوف، هذا المبحث لمدى أكبر في خطبته الرئيسية:

قبل الحروب العالَميَّة في القرن العشرين، كانت الصراعاتُ المسلحَّة أمرًا طبيعيًّا تمامًا وحَدَث على نحوٍ متكرر عبر العالَم … لكن، إذا استمر واقع الحال "الطبيعيّ" المعنيّ في السياق المُعَوْلَم في وقتنا هذا، ستَكون العواقب هائلة. انظروا إلى حرب روسيا – أوكرانيا فقط: تحدث هذه الحرب على الجانب الآخر من العالَم، وأقول لحضراتكم بوضوح شديد، لا تعير إندونيسيا انتباهًا لهذه الحرب.

لكنَّ هذا الصراعَ في أوكرانيا خَلَقَ اضطرابًا شديدًا في الاقتصاد العالَميّ، ويؤثر، سلبيًا، على الكثير من الإندونيسيين. إذا استمرت هذه الحرب، لن يَكون ثَمَّ أحد قادر على الهروب من عواقبها الخطيرة. ما تحتاجه دولتنا هو نظام دوليّ أوحد مؤسَّس على القوانين يمكنه منع الصراع ويحافظ على الاستقرار والأمن الدوليَّيْن الضروريَّيْن من أجل الإنسانية، لتطوير قدراتها الجمعيَّة سلميًّا، ولأقصى مدى ممكن.

في هذا الصباح، وصلت إلى ليربويو، وكنت أتحدث مع كياي أنور إسكندر، الذي أورد ملاحظة فقال إن الثروة لا فائدة لها في غياب الأمن. يلزم علينا إيجاد أساس في الشريعة يؤيد الأمنَ العالَميّ. وفي إجلاء هذه المشكلة، ثَمَّ سبب للتحلّي بالأمل: ميثاقٌ يُنَظِّم الدول من خلال الإجماع، وُقِّعَ عليه بعد الحرب العالَميّة الثانية. في المؤتمر الدولي الأول للفقه الإسلامي من أجل حضارة عالَميّة، سنثير السؤال عن ميثاق الأمم المتحدة، لأنه يحتوي على مُكَوِّنَيْن مهمَّيْن.

أولًا، يضمن الميثاقُ المعنيّ الحدودَ الدولية. يلزم لكل أمة أن تتمتع بحدود إقليمية بيِّنَة لا يمكن لأي أحد انتهاكها. من المنظور التاريخيّ، هذا مفهوم جديد جدًا. قبل "ميثاق الأمم المتحدة"، لم يَكن ثَمَّ حدود دولية مؤكَّدَة ومؤمَّنَة، وكان بإمكان أيّ دولة مهاجمة دولة أخرى.

ثانيًا، يضمن الميثاقُ المعنيّ حقوقَ الإنسان العالَميّة. وبصرف النظر عن الخلفية التي يأتي منها كل إنسان، يَكون كلُّ إنسان مساويًّا لكلّ إنسان آخر غيره في الكرامة والحقوق. وإنه لمفهوم جديد علينا إلى أقصى مدى، نحن المسلمين؛ وأعني المفهوم القائل بأننا سنعتبر غير المسلمين مساوين لنا. قبل ذلك، كان من شأن غير المسلمين أن يُصَنَّفوا باعتبارهم ذميين كفارًا، أو باعتبارهم أهل حرب يمكن نهبهم أو قتلهم. مبدأ المساواة بين المسلمين وغير المسلمين مرتبط، عن قرب، بـ "ميثاق الأمم المتحدة"، وهو الميثاق الذي يُلزِم الدول والمواطنين. تُلْزِم ضمانةُ الحدود الدولية الدولَ، وتُلْزِم ضمانةُ الحقوقِ المتساويةِ والكرامةِ المواطنين.

والسؤال الآن هو: "كيف نجد أساسًا من الشريعة لهذه المبادئ؟". عندما نتحدث عن التسامح، والنزعة الدستورية [الدستورانيّة]، والدولة القومية، واحترام الأديان الأخرى، وهكذا تباعًا، يَكون أساسُ ذلك هو "ميثاق الأمم المتحدة". إذا نظرتم في تراث الفقه الإسلاميّ، لن تجدوا هذه المبادئ. لم يُدْمَج "ميثاق الأمم المتحدة" في الشريعة، لأنه كان اتفاقية وَقَّع السياسيون عليها، ولم يُوَقِّع عليها القادة الدينيون.

أسهب الكياي حاج الدكتور عفيف الدين مهاجر (أعلاه، يرتدي الطاقية البيضاء) في شرح الفكرة الأساسية لنهضة العلماء، في محاضرة بعنوان: "حالة شرعية لوثيقة الأمم المتحدة التي تُعتبَر كالإجماع العالَمي والهدف المشترك المرجو تحقيقه، كونها أساسًا لصياغة الأحكام الشرعية الإسلامية تتعلق بقواعد المعاملة والعلاقة بين الأمة الإنسانية". الكياي مهاجر شيخٌ في المعهد الشافعي السلفي، في سيتو بوندو، جاوة الشرقية؛ وفي هذا المعهد، في 1984، صاغ الكياي حاج أحمد صدّيق، وهو رئيس المجلس الأعلى لنهضة العلماء، ولأول مرة، مفهوم الأخوة الإنسانية العالَميّة باعتبارها أساسًا من الشريعة من أجل المساواة القانونية بين المسلمين وغير المسلمين. يمكن قراءة مقتطفات من تعقيبات الكياي مهاجر أسفله:

الوفاء بالعهد من مبادئ الإسلام الأساسية … وإذا كان الوفاء بالعهد في الإسلام واجبًا فيما لا يتعارض مع الشريعة من تحليل حرام أو تحريم حلال اقتضى ذلك النظر فيما إذا كان في ميثاق الأمم المتحدة ما يتعارض مع الشريعة أو لا يكون فيه ذلك؟

وحسب ما علمت ليس فيه ما يتعارض مع الشريعة … وليس فيه ما يحول دون أداء فرضية الجهاد لأن الميثاق إنما يجرِم الحروب الهجومية بلا مسوغ دون ما يرتبط بوقوع الاعتداء على الدولة والصد عن سبيل الله.

ومهما كان الأمر فإنّي أرى أنهم إذا وافقوا المسلمين المجمعين على شيء لا تكون موافقتهم لهم فيه مانعة من انعقاد الإجماع لا سيما إذا كان مَن يوافقونا متخصصين في العلوم الحديثة مثل الطب وغيره. وانطلاقًا من البيان السابق نستطيع أن نقول: إن ميثاق الأمم المتحدة الذي صدقت عليه دول العالم بمثابة الإجماع العالمي ويكون حجة على المجتمع العالمي يجب عليهم احترامه والالتزام به.

ألقى الكياي حاج الدكتور عفيف الدين دمياطي (أعلاه)، وهو عضو بالمجلس الأعلى لنهضة العلماء وشيخ معهد الهدى القرآني، في جاوة الشرقية، كلمةً بعنوان: "نظرة تأصيلية لخطاب العداوة بين المسلمين وغيرهم في ضوء التراث الإسلامي". يمكن قراءة مقتطفات من خطابه أسفله:

فالإسلام ينظّم العلاقات بين المسلم وخالقه بالصلاة، وبينه وأخيه المسلم بالزكاة، وبينه وأخيه الإنسان بصفة عامة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبما أنّ الإسلام دين رحمة وصلاح وإصلاح، فهذه العلاقات التي نظمها مبنية على الأسس التي تراعي المصالح الإنسانية، والعدل الشامل، والإخاء البشري، والمساواة الإنسانية….

وبما أنّ الإسلام دين عالمي فهو لا بد أنْ يراعي المصالح العامة للعالم بأسره، لأنّ نظامه كافل لصلاح الحضارة الإنسانية واستقرارها وضمان مسيرها عبر التاريخ الإنساني.

ومن أجل تدعيم الأمن العالمي الشامل، يُرسّخ الإسلام الأخوة الإنسانية والمساواة الإنسانية، هذه الأخوة هي الرابطة المشتركة بين الناس على اختلاف أجناسهم وأشكالهم وأديانهم، وهي رابطة بين الإنسان والإنسان على أساس المساواة والتبادل والتعاون ومراعاة المصالح العامة، يقول الله تعالى: [الحجرات: 13]، و"التعارُف" في هذه الآية يقتضي تبادل المعلومات، والتعاون للوفاء بجميع الحاجات المشتركة بين البشر.

ولأهمّية هذا الإخاء البشري والأخوة الإنسانية، لا يجوز شرعًا تغليب الأخوة الدينية على الأخوة الإنسانية، فقد أنزل الله تعالى آية تدافع عن حق غير المسلم الذي يطالب العدالة، وذلك حين سرق طعمة بن أبيرق، وهو مسلم، درعًا، وخبّأها عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين، فاتهمه الناس بالسرقة، وسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أنْ يجادل عن صاحبه المسلم، وهذه الآية هي قوله تعالى: [النساء: 105]. فقد قال الشيخ الشعراوي: لو نظرتَ في القرآن نظرة إمعانٍ وتبصُّر تجد أنه رحِم غير المؤمن .. فقال تعالى: [النساء: 105]، ولم يقل بين المؤمنين [النساء: 105]، فمن رحمة الرسول بغير المؤمنين أنْ يُنصف المظلوم منهم، وأنْ يردَّ عليه حقَّه، ثم [النساء: 106] لأن الله لا يحب الخوَّان الأثيم ولو كان مسلماً (متولي الشعراوي، تفسير وخواطر الإمام الشعراوي، القاهرة، دار النور للطباعة والنشر والتوزيع، الجزء 13، ص 304).

وهذه الأخوة الإنسانية هي التييردّدها الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه دبر كل صلاة: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ" (أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السِّجِسْتاني، سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، المكتبة العصرية، الجزء 2، ص 83).

بعد محاضرة الكياي حاج عفيف الدين دمياطي، ألقى المفكّرُ المصري الرائد والقاضي، الدكتور عبد الجواد ياسين (أعلاه) خطابًا عبر الإنترنت، حاجّ فيه بما يلي:

القول بالنسخ يعني الإقرار من قبل الفقه بالمعنى الزمني للنصوص، أي بقابليتها للتغير بتغير الظروف حتى في المدى القصير. لكن الفقه لم يطبق هذا المعنى على النصوص القتالية (وهي نصوص "تشريعية" جزئية أي قابلة بطبيعتها للتغير)، بل أسقطه على النصوص السلمية المقابلة (رغم أنها نصوص "أخلاقية" كلية، يفترض دخولها في دائرة المطلق الثابت). ونتيجة لذلك انتهى الفقه إلى نتائج معاكسة لروح الدين وجوهره الأخلاقي المفترض.

ابن العربي [وهو القاضي والفقيه الأندلسيّ] يصرح في كتابه "الناسخ والمنسوخ" بأن آية السيف (5/ التوبة) تقتضي "نسخ كل عفو وصفح وإعراض وترك حيث ورد في القرآن".

بالعودة إلى السؤال الافتتاحي: هل يمكن صياغة مفاهيم إسلامية تتسع لفكرة السلام العالمي؟

  1. لا يمكن صياغة هذه المفاهيم من داخل النظام الفقهي التاريخي السائد، لأننا – ببساطة – لا نستطيع ربط السلام بالإسلام إلا بالتأسيس على جوهر الدين الروحي الأخلاقي، أي على مجمل القيم الكلية المطلقة ذات النفس الإنساني، وهي قيم حاضرة في القرآن.
  2. فقط بالتأسيس على هذه القيم يمكن حسم مشكل التعددية والقبول بالعيش المشترك مع الآخر، وهو الشرط المبدئي للسلام. يمكن ببساطة نفي وجود ما يسمى بجهاد الطلب، والتخلص من عبء الدفاع عن التاريخ السياسي المشرب بالدماء، والتبرؤ من وصمة الإرهاب الذي تمارسه الجماعات الأصولية المتطرفة.
  3. هذا يقتضي تجاوز الإطار المفاهيمي الموروث الذي يطرح الإسلام من خلال (علم الكلام/ أصول الفقه/ التفسير/ علم الحديث)، ما يعني الرجوع بالدين إلى أصوله الأولية قبل الفقهية، أي إلى معناه الإلهي المباشر.

سيُدرك الخبراءُ في الإسلام والفقه الطبيعةَ المثيرة للجدل لتعقيبات القاضي ياسين. وبالفعل، ثَمَّ شهادة على الانفتاح الفكري لنهضة العلماء تتمثل في دعوة نهضة العلماء للقاضي عبد الجواد ياسين كي يوجه خطابه إلى مئات العلماء المسلمين وطلبة دينيين في مدرسة ليربويو الداخلية الإسلامية. وكان ثَمَّ حلقة دراسية سابقة للفقه الإسلامي من أجل حضارة عالَميّة أُقيمَت في سارانغ، جاوة الوسطى، وشَهَدَت إقرار كبار علماء نهضة العلماء المسلمين بأن عناصرَ مُحَدَّدَة في الفقه الإسلامي لا تتوافق مع النظام الدولي الحالي المؤسَّس على القوانين، ورغم ذلك، يقولون إن المسلمين ينبغي عليهم استبقاء هذه العناصر بحيث تَكون "جاهزة للتطبيق" إذا كان ثَمَّ حاجة إليها في حالة حدوث صراع مستقبلي مع غير المسلمين.

من الجدير بالملاحظة كذلك أن المجلس المركزيّ لنهضة العلماء، تحت قيادة كياي حاج يحيى خليل ثقوف، يتحرك من أجل مواجهة "المبادئ البالية والإشكالية في الإسلام الأرثوذوكسي" من داخل نسق الفقه نفسه، على الرغم من تأكيد القاضي عبد الجواد ياسين أن مثل ذلك الأمر مستحيل.

علماء مسلمون وطلبة دينيون يشاركون في حلقة دراسية عن الفقه الإسلامي من أجل حضارة عالَميّة، وأُقيمَت هذه الحلقة الدراسية في مدرسة ليربويو الداخلية الإسلامية في 21 يناير 2022

ألقى توماس دينهام (أعلاه) ― متخرج من جامعة أكسفورد، ومُحَلِّل جيو-سياسيّ، وخبير في الحركات الإسلامية ― خطابًا باللغة العربية في موضوع "تهديدات هدم الحضارة الإنسانية بسبب الصراعات بين الهويات والحروب بين الأديان حاضرًا ومستقبلًا؛ والقواعد الشرعية التي لا بُدَّ أن تصبح مُنْطَلَقًا لصياغةِ حُلولِها". يشغل الأستاذ دينهام منصب مدير الاتصالات بمركز القيم الحضارية المشتركة، وعمل، عن قرب، مع قائدي نهضة العلماء منذ 2018. وخلال هذا الوقت، برزت، بالفعل، نهضة العلماء باعتبارها "مُتَحَديًا عظيمًا للجهات الحكومية ذات النفوذ في معركة على روح الإسلام" (الدكتور جيمس دورسي، "المعركة على روح الإسلام"). يمكن قراءة ترجمة خطاب الأستاذ دينهام إلى اللغة الإنجليزية أسفله:

تهديدات هدم الحضارة الإنسانية بسبب الصراعات بين الهويات والحروب بين الأديان حاضرًا ومستقبلًا؛ والقواعد الشرعية التي لا بُدَّ أن تصبح مُنْطَلَقًا لصياغةِ حُلولِها

السيدات والسَّادة، صباح الخير،

تَجْمَع هذه المُناسَبَات، من كل أنحاء العالَم، بين باحثين وقادة دينيين، واجتماعيين، واقتصاديين، وسياسيين للانخراط، بجِدِّيَّة، في الأسئلة الإستراتيجية الكُبرَى التي تُواجِه الإنسانية، والتي ستُحَدِّد الإجاباتُ عليها إذا ما كُنَّا سنُوَاجِه مستقبلًا نافِعًا أو مُهْلِكًا في القرن الحادي والعشرين.

دَعُوني أبدأ بالتعبير عن تقديري العميق وامتناني لكم جميعًا – وبالأخص، إلى قيادة نهضة العلماء – لإقامة هذا المُلْتَقَى لسلسلةِ المُحاضَرَاتِ الدَّوليَّة في واحدة من مدارس إندونيسيا الأشدّ تأثيرًا، ذات التاريخ العظيم، المُثير للاهتمام.

إنه لَشَرفٌ وامتيازٌ خاصٌ، بالنسبة إلَيَّ، أن أتوجه إلى حضراتِكم بالخطاب في معهدٍ عَلَّمَ الكثير من علماء إندونيسيا البارزين، المؤثِّرين، مثل الكياي حاج مصطفى بِشْرِي (الذي تُسَمُّونه 'جوس موس')، وهو باحثٌ دينيٌّ مُبَجَّلٌ لمَدَى هائل، وشاعرٌ، وروائيٌ، ورسَّامٌ، وكان رئيسًا للمجلس الأعلى لنهضة العلماء.

أرى من الجدير التَّوَقُّف هنا لنتفكَّرَ فيما يُمَثِّله هذا التَّجَمُّع، إذ يتم في فترة زمنية قريبة بعد منتدى الأديان لمجموعة العشرين في بالي، ومباشرةً قبل الاحتفالات المئوية لنهضة العلماء، و "المؤتمر الدولي الأول للفقه الإسلاميّ من أجل حضارة عالَميّة (فقه الحضارة)" في فبراير.

تَجْمَع هذه المُناسَبَات، من كل أنحاء العالَم، بين باحثين وقادة دينيين، واجتماعيين، واقتصاديين، وسياسيين للانخراط، بجِدِّيَّة، في الأسئلة الإستراتيجية الكُبرَى التي تُواجِه الإنسانية، والتي ستُحَدِّد الإجاباتُ عليها إذا ما كُنَّا سنُوَاجِه مستقبلًا نافِعًا أو مُهْلِكًا في القرن الحادي والعشرين.

إن واقعة حدوث هذه التَّجَمُّعات في إندونيسيا، مَهد واحدة من أعرَق الحضارات – وهي حضارة نوسانتارا – تَرْمُزُ إلى تحوِّل طويل المدى، وأوسع، للمركز الجيو-سياسي والاقتصادي العالَميّ، بعيدًا عن شمال الأطلسيّ، وتجاه المحيط الهادئ الهندي ويوراسيا. بوصفه جزءًا من هذه العملية لإعادة ترتيب السلطة والنُفُوذ العالَمِيَّيْن، وهي إعادة ترتيب ذات أثر هائل المدى، يبدأ التجسُّد السياسي الحديث لحضارة نوسانتارا – إندونيسيا – في إعادة التأكيد على مكانِه المُسْتَحَق باعتباره فاعلًا رئيسيًّا في تشكيل النظام العالَميّ المستقبليّ. وعلى نحوٍ يُثير الدهشة، ليست الدولة الإندونيسية هي التي تتولى قيادة هذه العملية، وإنما أكبر منظمة للمجتمع المدني في إندونيسيا ― نهضة العلماء.

بالنسبة إلى الذين يعرفون مِنّا تاريخ هذه الحركة، ليس الدور القِياديّ لنهضة العلماء استثنائيًّا كما قد يظهر للوهلة الأولى؛ فقد أثبتت نهضة العلماء أنها حاسمةٌ في رسم خريطة مسار إندونيسيا وتاريخ العالَم، كثيرًا من المرات في الماضي. ساعَدَتْ نهضة العلماء في هزيمة كلٍّ من الهولنديين و"دار الإسلام"، وضَمَنَتْ، بتلك الوسيلة، تأسُّس إندونيسيا، أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالَم، باعتبارها دولة متعددة-دينيًّا وعِرْقِيًّا اقتداءً بـ بانتشاسيلا؛ وساعَدَتْ على إقصاء ثالث أكبر حزب شيوعيّ في العالَم خلال الأحداث المُفْجِعَة في عام 1965، حين بَلَغَتْ الحرب الباردة مداها؛ وأَمَّنَتْ تحوُّل إندونيسيا الناجح إلى ثالث أكبر ديمقراطية بتأثير القيادة المُلْهِمَة لمعالي فضيلة كياي حاج عبد الرحمن وحيد، أو "جوس دور". كان كلُّ حَدَثٍ تاريخيّ من هذه الأحداث محوريًّا ذا أهمية عالَميَّة.

تُبادِر نهضة العلماء بالاشتباك مع الأسئلة الوجوديَّة التي تُواجِه مستقبل الإنسانيَّة في القرن الحادي والعشرين، وبالتالي، ليس ثَمَّ مفاجأة في ذلك الأمر. لكنَّ ذلك الأمر، بالنسبة إلى سائر العالَم، حُسْنُ حَظٍّ هائلٍ. لأن الصراعات القائمة على الهوية، في وقتنا هذا، قد تَكون تَسَبَّبَتْ في تقريب العالَم من "أرمجادون" نووية لمدى أقرب مما كان عليه الأمر في أيّ لحظة تاريخية منذ أزمة الصواريخ الكوبية في عام 1962. ويتمثل السبب الرئيسيّ في هذه الكارثة في أن النظام الدوليّ المؤسَّس على القوانين بعد الحرب العالميَّة الثانية – والذي كانَ حجر الأساس للاستقرار الدوليّ منذ عام 1945 – واقعٌ تحت ضغط شديد، يواجهه انبثاق "دول ذات تَمَرْكُز حضاري، وسُلْطَوِيَّة لا تقبل [هذا] النظام، إمَّا من جهة حقوق الإنسان، أو حكم القانون، أو الديمقراطية أو احترام الحدود الدولية وسيادة الدول الأخرى"[1].

"نزعة التمركز الحضاري" جزء من انبعاث سياسات استعلائية، تتأسس على الهوية بالتوازي مع تَحَوُّلات عميقة في القوة الاقتصادية والجيوـسياسية في القرن الحادي والعشرين. في الوقت نفسه، لقد أسهمت تطورُّات سوسيو-ثقافية وسياسية في العقود الأخيرة في تولُّد أزمة ثقة بأوروبا وأمريكا الشمالية فيما يتعلق بالقيم التراثية وشرعية الحضارة الغربية. لقد أضعفت هذه التطوُّرات بعمق، الأساس الفلسفي والروحي والأخلاقي الذي شُيِّدَ عليه النظام الدولي بعد الحرب.

حتى بمعاناة أسس النظام الدولي بعد الحرب العالَميَّة الثانية من الضعْف، يظلّ صحيحًا عَدَمُ تَبَنِّي الكثير من الحضارات والاعتقادات الدينية العظيمة في العالَمِ، وبما يشمل الإسلام، لميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالَميّ لحقوق الإنسان على نحوٍ تام. في هذا السياق، إن إعادة الانبعاث السلطويَّة العالَميَّة، التي نَشْهَدَهَا، تُهَدِّدُ بإعادة خلق أهوال الماضي في القرن الحادي والعشرين؛ ففي خِضَم عالَمٍ تتعدد أقطابُه على نحوٍ مُتَزايِد، لا تكفي الأمم المتحدة والقوة الغربية للحفاظ على نظام دوليّ مؤسَّس على القوانين، ومُكَرَّس لصيانة السِّيَادَة القومية وحقوق الإنسان الأساسية، فضلًا عن تقويته وتعزيزه.

في عصر الأسلحة النووية، يُمَثِّل ذلك الأمر تهديدًا عظيمًا لمستقبل الإنسانية: لأننا قد لا ننجو من المواجَهَة المُباشِرَة بين قوى العالَم الكبيرة التي من المُرَجَّح لانهيار النظام الدوليّ التسبُّب فيها. إذ يَضْعُف النظام العالَميّ، تستمر الأزمات الجيو-سياسيَّة التي تواجه الإنسانية في التَّضاعُف. هذه الأزمات معروفة إلى حَدٍّ كبير. ومن أمثلة هذه الأزمات الأخطر: في أوكرانيا، تنخرط روسيا و"منظمة حلف شمال الأطلسي" (الناتو) في حربٍ بالوكالة تُهَدِّد بتصعيدٍ إلى تبادلِ إطلاقٍ كاملٍ للأسلحة النووية بين الأطراف المُتَنَازِعَة؛ وقد يحاول الحزب الشيوعي الصيني ضَمَّ تايوان في شرق آسيا، وأروناجل برديش، وهي دولة هندية، في جنوب آسيا؛ وتدعِي الهند وباكستان، المُسلحَتان نوويًّا، السيطرة على كامِل جامو وكشمير؛ وتَشَظَّى العالَم الإسلاميّ على يدِّ كلٍّ مِن الصراع العربي/الإسرائيلي والاندلاع الدوريّ للحركات الإسلاموية العنيفة التي تهدف إلى إعادة تأسيس دولة إسلامية، أو خِلافة، تتجاوز القوميات.

بالأساس، تتشارك كل أزمة من هذه الأزمات سِمَة مُشْتَرَكَة: يتبنى بعضُ، أو كلُّ، مُناصِرٍ شرسٍ لها سياسات "قبليّة"، سواء أكانَتْ متجذرة في هوية عِرْقِيَّة أم دينية أم علمانية/إيديولوجية. على أساس هذه الهوية القَبَلِيَّة، يرفضون مشروعية النظام الدوليّ المؤسَّس على القوانين بعد الحرب العالميَّة الثانية ويسعون وراء إعادة رسم، أو محو، حدود الدول السيادية من خلال استعمال القوة.

في العالَمِ الإسلاميّ – وبالأخص، في الشرق الأوسط – كان هذا الرفضُ للنظام الدولي بعد الحرب حادًّا. يُشَخِّصُ إعلان جيراكان بيمودا أنصار عن الإسلام للإنسانية المشكلةَ، ويُقَدِّمُ حَلًّا، في قِسْمَيْن بعنوان "تهديدٌ لكل الإنسانية" و"انعطاف حرج". وفيهما:

  1. إن العالم الإسلامي يقبع الآن في وسط أزمة تستشري بشكل سريع، بدون أي بادرة ظاهرة للانحسار أو لهدوء الأوضاع. ومن ضمن التجليات الأكثر وضوحًا لهذه الأزمة الصراعات الدامية المُسْتعِرَة الآن على امتداد رقعة هائلة من المناطق المأهولة بالمسلمين، من إفريقيا والشرق الأوسط وحتى حدود الهند؛ والاضطراب الاجتماعي المتفشي بامتداد العالم الإسلامي؛ والانتشار غير المحدودِ للتطرُّف الديني والإرهاب؛ والمدُّ المرتفعُ للإسلاموفوبيا عند الشعوب غير المسلمة، في استجابة مباشرة لهذه التطورات.
  2. إن أغلب الفاعلين السياسيين والعسكريين المنشغلين بالصراعات يسعون وراء أجنداتهم التنافسية بدون اعتبار التكلفة التي تُدفَع من حيوات الناس وبؤسهم. لقد أدَّى هذا الأمرُ إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، واشتداد الرغبة، والتسريع، بشكل دراماتيكي، من انتشار حراك ثوري إسلاموي في الواقع يُهَدِّدُ استقرارَ وأمنَ العالمِ بالأكمل، من خلال استدعاء مسلمين للانضمام لتمردٍ عالمي مُوَجَّه ضد النظام العالمي القائم.
  3. وبمعنى آخر، فإن الكارثة التي تكتنف العالم الإسلامي ليست مقصورة على الصراعات المُسَلَّحَة في مناطق متنوعة ومتفرقة. وبسبب القيمة الترانسندنتالية "المتعالية" المنسوبة إلى الإيمان الديني بواسطة أغلبية المسلمين، فإن المنافسة من أجل السلطة في العالم الإسلامي تشتمل بالضرورة على مركب طائفي/ إيديولوجي (أي: ديني).
  4. عديدُ الفاعلين – كإيران والسعودية وداعش والقاعدة وحزب الله وقطر والإخوان المسلمين وطالبان وباكستان، ولكن الأمر لا يقتصر عليهم – يتلاعبون، بازدراء شديد، بالعاطفة الدينية في صراعهم للحفاظ على السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية أو الاستحواذ عليها وكذلك لتدمير أعدائهم. وهم يفعلون ذلك من خلال التوظيف النفعي لعناصر أساسية في القانون الإسلامي الكلاسيكي (الفقه)، والذي ينسبون له سلطة مُقَدَّسَة وذلك لكي يقوموا بتعبئة الدعم البشري لخدمة أهدافهم الدنيوية.
  5. ومما يَظْهَرُ بوصفه ردَّ فعلٍ على هذه الظاهرة، يقتبس الإصلاحيين الغربيون والقوميون الهندوسيون والرهبان البوذيون في سريلانكا وميانمار العناصر المتطابقة المتعلقة بالإسلام الأرثوذوكسي وتصرفات المسلمين، وذلك لتبرير تصوّرهم عن الإسلام باعتباره إيديولوجيا سياسية هدّامة مُخَرِّبَة، بدلًا من اعتبارها دينًا مُستحقًا لحمايات دستورية وكذلك الاحترام.
  1. سواء كان المسلمون واعين أو لا، راغبين في ذلك أو لا، فإنهم يواجهون اختيارًا بين عديد الرؤى للمستقبل. هل سيكافحون لإعادة خلق الوحدة الدينية، السياسية، والإقليمية التي طالت غيبتها تحت شعار الخلافة – وبالتالي السعي لاسترجاع الاستعلائية الإسلامية – كما تنعكس في ذاكرتهم الجمعية ولا تزال راسخة بقوة في المنظومات الفكرية السائدة (مجموعة النصوص المؤسسة للثقافة)، وكما تنعكس عبر العالم، في هيئة الإسلام الأرثوذوكسي السلطوي؟ أم هل سيكافحون في تطوير حساسية دينية جديدة تعكس النتائج الواقعية لحضارتنا الحديث، وتساهم لانبثاق النظام العالمي العادل والمنسجم بحق، والمؤسَّس على احترام المساواة في الكرامة والحقوق لكل إنسان حي؟
  2. إن الاختيار الأول يقود بوضوح في اتجاه صدام عالمي اجتياحي – أو، باستخدام لغة المتطرفين السنَّة والشيعة – يشبه أهوال يوم القيامة. ولكي نتصور الدمار الذي سينجم، لن يحتاج المرء سوى تأمل احتمالية تسيُّد المسلمين في صراع وجودي مع العالم غير المسلم، والذي تضم قوته العسكرية الولايات المتحدة وروسيا والصين.
  3. إن أي جهد لتوحيد القيادة السياسية والعسكرية للعالم الإسلامي بأكمله سوف تُطلقُ إعصارًا، في ذاتها ومن ذاتها، على مقياس واسع. الانتشار النووي، ازدياد التحضر، طبيعة الاقتصاد العالمي الهشَّة والمتداخلة، والتشتت الجغرافي للمسلمين، كل هذا يضمن أن أي محاولة للتوحيد السالف الذكر ستمثل تهديدًا لأعمدة الحضارة نفسها.
  4. ويتطلب الاختيار الثاني – والمتمثل في تطوير حساسية دينية جديدة تعكس الظروف الواقعية لعالمنا المعاصر – نوعًا جديدًا من الشجاعة بالكلية، بالإضافة إلى الإلمام بحكمة ومعرفة يتصفان بالعمق والاتساع فيما يتعلق بالعالم الذي نحيا فيه. سيتطلب الأمر من المسلمين إعادة تقييم عدد من المبادئ التي لا تُمَس والراسخة بصرامة في قلب الأرثوذوكسية الإسلامية، وتطوير تعاليم دينية جديدة ملائمة للعصر الحديث، وتعبئة الدعم السياسي الضروري لإقامة سلطة دينية بديلة قادرة على نشر والدفاع عن هذه التعاليم الجديدة بينما يتم تقبُّلُها تدريجيًا وملاحظتُها في ميدان الممارسة العملية من خلال المجتمع المسلم ككل، وأخيرًا تُنشئ أرثوذوكسية سلطوية جديدة.

من شأنِ دَمْجِ قوانين النظام الدولي الحالي في الفقه – أي، الإقرار بمشروعية ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالَميّ لحقوق الإنسان – أن يَكونَ ذا فائدة هائلة لكلِّ الإنسانيَّة. أولًا، إذا قَبِلَ المسلمون هذه الخُطْوَة، ستَعْفِي، مِنْ ثَمَّ، العالَم الإسلاميّ من عدم استقرار مُتَفاقِم ودمار جائر تُوقِعُه محاولاتُ الجماعاتِ الإسلاميّة، وهي محاولات مستمرة دون تَوَقُّف، للإطاحة بالدول ذات الأغلبية المسلمة والانقلاب على النظام الدوليّ.

ثانيًا، سيفيد ضمانُ إعادة انبثاق الحضارة الإسلامية باعتبارها مجالًا حضاريًّا فاعِلًا، حيويًّا، ومتماسكًا، بحيث تؤدِّي دورَ محورٍ مستقل، قوي، لتأييد النظام العالَميّ المؤسَّس على القوانين والذي يقوم على القيم الحضارية المشتركة. بوجود إندونيسيا في الطليعة، سيوفِّر المسلمون حول العالَم تأييدًا، يُحْتاج إليه بشدة، لنظامٍ دوليٍّ مُشَيَّد على أخلاق وقيم كونية، كي تتم العلاقات الإنسانية في إطار يُسَوِّغ الاعتباراتِ الأخلاقية. ستفيد تقوية وتحسين النظام الدوليّ، الذي انبثق في أعقاب الحرب العالَميَّة الثانية، في ضمان عدم ارتداد الإنسانية إلى الحالة الطبيعية الهوبزية [نسبة إلى توماس هوبز] التي يسود فيها قانون الغابة.

اختصارًا، إن الالتزام بنظام دولي مؤسَّس على القوانين، تتبناه كلُّ حضارات العالَم، وكلُّ تقاليده الدينية، العظيمة – وبما يشمل الإسلام – هو مِفتاحُ ضمان عدم تصاعُد الصراعات والأزمات "القَبَلِيَّة" القائمة على الهوية، التي تُهَدِّد مستقبل الحضارة الإنسانية، فتصبح حريقًا هائلًا عامًّا، وتؤدي إلى انهيار واسع المدى في النظام الدولي.

ما هو التسويغ الإسلاميّ لتَبَنِّي ميثاق الأمم المتحدة؟ إنه مقاصد الشريعة نفسَها. أي: حِفظ الدين، وحِفظ النفس، وحِفظ العقل، وحِفظ العِرض، وحِفظ المال؛ ففي عصر الأسلحة النووية، من شأنِ الارتدادِ من النظام الدولي إلى نظام "القوة هي الحق" تهديدُ المقاصد الخمسة جميعًا، ومستقبل الإنسانية نفسها.

لا أستطيع صياغة ذلك الأمر على نحو أبلغ من كياي حاج يحيى خليل ثقوف، لذا، سأختتم بقراءة قسم من بيان نوسانتارا (2018)، الذي اشترك في تأليفه رئيسُ نهضة العلماء وأيَّدته رسميًا، وتَبَنَّته، نهضةُ العلماء في "المؤتمر الوطني لعلماء نهضة العلماء (2019)":

  1. ثمَّة حضارة عالمية تنبثق تدريجيًا يحيا فيها الناس من كل إيمان وعِرْق ويحبون ويعملون جنبًا إلى جنب. بالتعامل مع هذه الحقيقة كمعطى، من الضروري على العلماء تطوير عناصر للفقه الإسلامي الجديد من شأنها أن تعززَ بحق خير المسلمين المعاصرين الذين يحيون في مناطق من العالَم يهيمن عليها غير المسلمين، و/ أو في وسط حضارة عالمية مُتَصَهِّرَة (أي كوزموبوليتانية) واحدة.
  2. من الضروري أيضًا تطوير عناصر لفقه إسلامي جديد من شأنها تقوية رَخاء وسلامة المسلمين الذين يقيمون في مناطق تبقى إلى حد كبير ذات ثقافة وتقاليد إسلامية، لكنها مع ذلك متأثرة بالتطوُّرات السياسية، السوسيو-ثقافية والتكنولوجية الحديثة بقوة.
  3. في كِلتا الحالتين، يجب على الهِداية الجديدة محل البحث (الشريعة) تعزيز خير كل البشرية، للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء، وذلك لأنه أصبح من المستحيل فعليًا – وبالتأكيد من غير المرغوب – عَزْل كل المسلمين عن غير المسلمين اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا وجسديًا، و/ أو إخضاع غير المسلمين لـ "حُكْم" الإسلام.
  4. يجب على فقه الحضارة العالَمِيَّة المُتَصَهِّرَة وتنوعاتِه الإقليمية مواجهة الحاجة للانسجام الاجتماعي على مستوى عالَمي وفي كل منطقة من مناطق العالَم حيث يحيا ويعمل المسلمون بالفعل من خلال عملية إعادة غرس الإسلام في سياقه و"أقْلَمَته/ توطينه"، كما حدث تاريخيًا في نوسانتارا (أرخبيل الملايو).
  5. عبر عملية من الاجتهاد، يمكننا أن نشهد تطويرًا لإدراك ديني جديد يعكس الظروف الواقعية لحضارِتنا الحديثة، ويُسهِم في انبثاق نظام عالَمي عادِل ومنسجم بحق، يتأسس على احترام الحقوق والكرامة المتساوية لكل إنسان.

الجزء الثاني عشر
الوحدة الاجتماعية: الفضيلة الأسمى والأداة الأقوى لتعزيز الصالح العام

  1. إن كراهية الآخرين – سواء أكانت مبنية على "قَبَلِيَّة" عِرقيَة أم دينية أم إيديولوجية – تعادي الأخلاق الكريمة التي تُمثِّل الأساس الوحيد الآمِن الذي يمكن تشييد حضارة عالمية سِلمِية ومزدهِرَة عليه.
  2. في أكتوبر عام 1926، ألقى مؤسِّس نهضة العلماء، حضرة شيخ هاشم أشعري خطبة للمؤتمر الافتتاحي للجمعية والذي أُقيمَ في سورابايا، شرق جاوة. في هذه الخطبة – التي كانت مُدمَجة في لائحة النظام الأساسي لجمعية نهضة العلماء بشكل لا يقبل النقض (مقدمة القانون الأساسي) قال كياي هاشم:

كما هو مُتَعارَف عليه عالميًا، البشر كائنات اجتماعية فطريًا، تختلط مع الآخرين؛ وذلك لأنه لا يمكن لأي فرد (ذكرًا كان أو انثى) إشباع حاجَتِهِ بالتصرف وحيدًا. راغبًا في ذلك أو لا، يلزم على كل إنسان التفاعل اجتماعيًا، وهو التفاعل الذي يجب أن يُسْهِمَ بشكل مثالي في خير كل أعضاء المجتمع الآخرين بينما يَحفَظُهُم من الخطر.

إن وحدة القلوب والعقول البشرية، إذ يساعد الناس بعضهم البعض لتحقيق هدف مشترك، لَمِن أهم مصادر السعادة الإنسانية والعامل الأقوى لحثِّ البشر على أن يُحِبوا بعضهم البعض.

وبسبب هذا المبدأ، أصبحت عديد الأمم مزدهرة. فقد أصبح العبيد حُكَّامًا يعززون التطوُّر المُنْتَشِر. ولقد تقدمت الدول؛ وقُوّيَ حُكْم القانون؛ وشُيِّدَت شبكات النقل التي مَكَّنَت من ازدهار التبادل الاقتصادي والثقافي. وتنشأ فوائد لا يمكن حصرُهَا من الوحدة الاجتماعية، وذلك لأنها الفضيلة الأسمى والأداة الأقوى لتعزيز الصالح العام.

بالتالي، من شأن وجود أساس عقلانيّ لدمج ميثاق الأمم المتحدة في الفقه أن يتضمن، بالتأكيد، تعزيز الرَخاء المُشْتَرَك لكلِّ الإنسانية، والمسلمين، وغير المسلمين على حَدٍّ سَوَاء، وبمُقْتَضَى ذلك، يَضْمَن تحقيق الفقه لــــــمقاصد الشريعة في القرن الحادي والعشرين.

أشكركم لإنصاتِكُم.

1 قارن مع: قرار عن تعزيز نظام دولي يتأسس على القوانين والأخلاق الكونية والقيم الإنسانية، الذي كَتَبَت نهضةُ العلماء مسودته، وأصدره حزب نهضة الوطن (PKB) الإندونيسيّ، وتبنّته بالإجماع منظمة ديمقراطيي الوسط الدولية (CDI) في يوجياكارتا، إندونيسيا، في 23 يناير 2020. ومنظمة ديمقراطيي الوسط الدولية، التي كانت معروفة فيما سبق بالمنظمة الديمقراطية المسيحية الدولية، ومعها حزبها التابع، وهو حزب الشعب الأوروبي (EPP)، أكبر شبكة أحزاب سياسية في العالَم.

"فقه السياسة والدولة القومية الحديثة"

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع

تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)

قد ترغب في قراءة:

نهضة العلماء ترفض ملاءمة "الكافر"، باعتباره تصنيفًا شرعيًا، للدول القومية الحديثة

بيان نوسانتارا

إعلان أنصار عن الإسلام للإنسانية

ISOMIL إعلان نهضة العلماء