
هل ثَمَّ حاجة إلى إقامة أساس فقهيّ للسلام والانسجام العالَميَّيْن؟
”إن الرؤيةَ القائلة بأن المسلمين ينبغي عليهم التمتُّع بموقفٍ مبدئيّ، وهو مَوْقِفُ العداوة، مع غيرِ المسلمين، وبأن الكفَّارَ ينبغي أن يخضعوا للتمييز، رؤيةٌ مؤسَّسَةٌ بمتانةٍ في تراثِ الفقه“.
~ كياي حاج يحيى خليل ثقوف
الرئيس العام للمجلس المركزي لنهضة العلماء

سورابايا، جاوة الشرقية، إندونيسيا ― في 6 فبراير 2023 (15 رجب 1444 هـ)، اجتمع أكثر من 300 عالم مسلم، وقائد سياسي، وملاحظين دوليين لمناقشة المكانة الشرعية للدولة القومية الحديثة تحت الفقه الإسلاميّ وبحث إذا ما كان من الواجب الديني على المسلمين عبر العالَم إقامة خلافة إسلامية. دَعَت أكبر منظمة إسلامية في العالَم، وهي نهضة العلماء، ومنتدى الدين لمجموعة العشرين (R20) إلى الحدث الذي كان عنوانه ”المؤتمرِ الدوليّ الأوَّل للفقهِ الإسلاميّ من أجل حضارة عالَميّة“.
نشأ الفقه ― الذي يُخْلَط بينه وبين الشريعة ― خلال القرون التي تلت موت النبي محمد، في وقتٍ تفشَّت فيه الحروب بين المسلمين وغير المسلمين. تبقى مبادئ فقه السياسة، والتي لا تزال تُدَرَّس في المدارس الإسلامية عبر العالَم، مبادئ ذات سلطة في الأرثوذوكسية الإسلامية، وبمقتضى ذلك، تبقى مُشَكِّلَة للذهنية المسلمة السائدة في القرن 21.
تسعى الحركات الإرهابية، التي تتضمن داعش والقاعدة والشباب، إلى إقامة خلافة إسلامية عالَميّة، وهو هدف يتشاركونه مع الحركات الإسلامية غير العنيفة، والتي تتضمن الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية [التي أسسها أبو الأعلى المودودي]. لقد ارتبطت الكراهية الإسلامية، ونزعة الاستعلاء، والعنف المُوَجَّه صوب مَن يُعْتَبَرون مِن الكفار، بالمبادئ الأرثوذوكسية للفقه منذ زمن طويل.

قائد داعش، أبو بكر البغدادي، أثناء إعلانه عن إقامة خلافة إسلامية من فوق منبر مسجد النوري، في الموصل، العراق، 29 يونيو 2014
إن المبادئ المعنيّة للأرثوذوكسية الإسلامية، وهي مبادئ بالية وإشكاليّة، مقبولة قبولًا واسع النطاق في الإسلام السُّنيّ لدرجة أن رسالة مفتوحة لأبي بكر البغدادي، وَقَّعَ عليها علماء بارزون وفقهاء من مؤسسات دينية عبر العالَم الإسلامي في سبتمبر 2014 ― وبما يشمل البوسنة، وتشاد، ومصر، والهند، وإندونيسيا، والعراق، والأردن، ولبنان، وماليزيا، وموريتانيا، والمغرب، ونيجريا، وفلسطين، وباكستان، والسعودية، والسودان، وسوريا، وتونس، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، وأوزباكستان، واليمن ― جاء فيها، على نحوٍ مباشر وصريح: ”22. الخلافة: الخلافة أمر واجب على الأمة باتفاق“.
كان المؤتمر الدولي الأول للفقه الإسلاميّ من أجل حضارة عالَميّة هو المناسَبَة الثانية من بين ثلاث مناسَبَات رئيسية أقيمت بالاقتران مع مئوية نهضة العلماء، وَفق التقويم الإسلامي. أُسِّسَت نهضة العلماء في سورابايا، في 16 رجب 1344 هـ (31 يناير 1926). وفي 2 – 3 نوفمبر 2022، عَقَدَت نهضة العلماء القمة السنوية الأولى لمنتدى الدين لمجموعة العشرين (R20) في بالي، إندونيسيا، ”للمساعدة في ضمان أن يضطلع الدين، في القرن الواحد والعشرين، بدورِ مصدرٍ أصيل وديناميكي للحلول، بدلًا من المشكلات“.
على العكس من أغلبية العلماء المسلمين في الشرق الأوسط، قبلت نهضة العلماء، بالفعل، ومنذ زمن طويل، مشروعيةَ الدولة القومية الحديثة ورَفَضَت الدعوات الإسلاموية لإقامة خلافة عالَميّة. ومع أكثر من 21000 مدرسة داخلية إسلاميّة وآلاف العشرات من العلماء المسلمين، نهضةُ العلماء واعية، على نحوٍ عميق، بالتهديد الواقع على السلام والأمن الدوليَّيْن، وهو التهديد الذي تفرضه ”المبادئ البالية والإشكالية في الأرثوذوكسية الإسلامية“، والتي تبقى مركزية الحضور في العقيدة الإسلامية.

نساء لاجئات وأطفال لاجئون في الموصل يَمُرّون في صف واحد على أطلال مسجد النوري في 2017
بينما تمثَّلت استجابة حكومات ومؤسسات دينية في الشرق الأوسط، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، لنشوء داعش بتصويرها على أنها تنظيم ضال دينيًّا وليس لديه مشروعية إسلامية، كانت استجابة نهضة العلماء سريعة في التعرُّف على، وإدراك أن، السلوك الهمجيّ المتوحش والأسس العقلانية اللاهوتية المُصَوَّرَة في فيديوهات دعاية داعش يمثّلون تجسيدًا معاصرًا لكيفية تصرُّف الجيوش الإسلامية عبر التاريخ، إذ يتحركون بما يتوافق مع الفقه.
في 2007، ناقَشَت مؤسسة بحث المسائل التابعة لنهضة العلماء ― وهي مجموعة فقهاء يفتون في مسائل ذات أهمية هائلة للمسلمين المعاصرين ― مسألةَ “إقامة خلافة وتحويل الشريعة إلى قانون رسمي”. وإجابة على سؤال ”هل تُكَوِّن مطالبُ تطبيق الشريعة حُجَّةً نَصِيَّة تتطلب إقامةَ خلافةٍ في سياق نظام حكم مبنيّ على الإسلام؟“، أفتت بحثُ المسائل بأنه ”ليس ثَمَّ حُجَّة نَصِيَّة، لأن نظام الخلافة مُستقى من اجتهاد بشريّ، ولا وجود له في القرآن“.
وفيما يتعلق بالإجراء التاريخي لاختيار خليفة، وهو الإجراء الذي يُقرّه الفقه، اقتبست بحثُ المسائل من كتاب ”الدين والدولة وتطبيق الشريعة“، لمحمد عابد الجابري، الذي قال فيه: ”’أما كيفية اختيار الخليفة‘، فهذا موضوع تقرر فيه موازين القوى؛ فمن قام يطلب الخلافة لنفسه وغلب بشوكته واستطاع أن يجمع الناس حوله راضين أو مكرهين فهو الخليفة“. [انظر: محمد عابد الجابري، ”الدين والدولة وتطبيق الشريعة“، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996، ص: 69].

قد تساعد هذه الخلفيةُ التأسيسية القراءَ على فهم أهمية المؤتمر الدولي الأول للفقه الإسلاميّ من أجل حضارة عالَميّة (الصورة أعلاه)، الذي سعى إلى ”بناء أساس فقهٍ للسلام والانسجام العالَميَّيْن“.

افتتح نائبُ رئيس إندونيسيا، كياي حاج معروف أمين، المؤتمرَ بضرب إيقاع يُسْتَخْدَم تقليديًّا من أجل الدعوة إلى الصلاة في جاوة، ويرافقه على المنصة قادة دينيون وسياسيون من مصر وإندونيسيا
ألقي كياي حاج معروف أمين، وهو واحد من أبرز الفقهاء الإسلاميين ― وهو، كذلك، نائب رئيس جمهورية إندونيسيا والرئيس السابق للمجلس الأعلى لنهضة العلماء ― خطبة أساسية في المؤتمر بعنوان ”إعادة غرس الرؤى الدينية في سياقها للتعامل مع الواقع الحضاري في العصر الحديث“.
مقدمة
النظام الاجتماعي متغير ويتطور. وما يلائم زمنًا ما، ويناسبه، قد لا يَكون ملائمًا في زمان آخر، بسبب تغيرات في المجتمع والأزمان. إن فرضَ طريقة ثابتة للحياة بدون أخذ التغيرات بعين الاعتبار يعني معارَضَة طبيعة التغيُّر نفسه، وهو ما يُعادل مُعارَضَة سنَّة الله.
يسري المبدأ نفسه على مسألة الفهم الديني، بالأخص على المسائل المرتبطة بالمعاملات، وهي اجتهادية. ستخوض صياغةُ المبادئ الدينية (الفقه)، دومًا، تغيُّراتٍ تتوافق مع التطورات الحادثة بمرور الزمان، وهو الأمر الذي يؤثر على الأمكنة، والدوافع، والتقاليد، والحضارات، ويتسق مع النظرية الفقهية:
”تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد“.
يبرهن ذلك على أن مُميِّزات الفقه ― وهي منتوج الاجتهاد المتعمق ― مرنةٌ وتطوريَّة، تسير على أثر الديناميات والتطورات في الأزمنة. لذا، يظل من الممكن للفقه التعامل مع المسائل الجديدة والمستجَدَّة الناشئة. تتعارض هذه المرونة للفقه مع افتراض بعض الناس أن الفقهَ حكمٌ أو قانون جامدٌ ومقدَّس يستحيل تغييره. في كثير من الأحيان، يُفْهَم الفقه على أنه تراكم مقياسيّ للقانون الإسلامي ويُفْتَرَض أنه النصوص الشرعية الموجودة في القرآن والحديث. لا يتوافق هذا الافتراض مع الفهم الديني الصحيح.
تتطلب المُميِّزات المرنة للفقه فتاوى جديدةً قادرة على الاستجابة لديناميات المجتمع والأزمنة. وتنشأ ضرورة وجود فتاوى جديدة لأن المصدر الأساسي للقانون، أي نَصّ القرآن والحديث، محدودٌ جدًا، بينما تمضي المشكلات الراهنة في التغيُّر والتطوُّر، كما قال الشهرستاني:
”لأن النصوص محدودة ولكن الحوادث والنوازل غير محدودة، أو لأن النصوص تتناهى ولكن الحوادث والنوازل لا تتناهى“.
وتوافقًا مع ذلك الأمر، أوضح إمام الحرمين الجويني (ت. 478 هـ) أن أغلب الشريعة من الاجتهاد الذي صدر من باب الاستجابة للتغيُّرات والتطوُّرات التي قد حصلت في المجتمع. وقال:
”إن معظم الشريعة صدر عن اجتهاد، والنصوص لا تفي بالعشر من معشار الشريعة“.
وبالمثل، أوضح الإمام شهاب الدين القَرافي أن الجمود على الصياغات الدينية النصيَّة، بدون أخذ التغيرات الحادثة بمرور الوقت بعين الاعتبار، هو خطأ في التديُّن وفشل في فهم تفاسير العلماء السابقين. وقال:
”الجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين“.

محمد الضويني، نائب شيخ الأزهر بجامعة القاهرة، أثناء إلقائه لخطبة أساسية في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الفقه الإسلاميّ من أجل حضارة عالَميّة

ألقى محمد بن عبدالكريم العيسى (أعلاه)، وهو الأمين العام لرابطة العالَم الإسلاميّ التي تدعمها السعودية، خطابًا في أثناء الجلسة الافتتاحية للمؤتمر في سورابايا:
يسعدني أن أشارككم هذا الاحتفال السعيد بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس نهضة العلماء. نهضة العلماء التي قامت بجهودها المباركة على ضوء رسالتها الإسلامية الخَيِّرَة والخالدة. ونهضة العلماء، هي على اسمها، نهضة إسلامية بالعلم …
إضافةً إلى علمي بأن معكم في هذا المؤتمر علماء ومفكرين على مستوى رفيع لتغطية هذا الموضوع من جوانبه كافة. أكرر سعادتي بهذه المشاركة متمنيًّا لصرح نهضة العلماء مزيدًا من السمو والعلو ودوام العون والتوفيق في مسيرتها المستنيرة والمبارَكَة، والعون والتوفيق من الله جلَّ وعلا. كما أسأله سبحانه أن يجعل أعمالنا نافعة، ولوجهِه الكريم خالصة، وأن يبارك في هذا الجمع الطيب وينفع به، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في بداية الجلسة الثانية، قَدَّم كياي حاج يحيى خليل ثقوف، الأمين العام للمجلس المركزي لنهضة العلماء، وثيقة من ثلاث ورقات تحتوي على عدد من الأسئلة ليفكر فيها العلماءُ المجتمعون الذين سافروا إلى إندونيسيا من الشرق الأوسط، وإفريقيا، وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وآسيا الوسطى، وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، وأستراليا، وروسيا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية.
تكونت الوثيقة، وعنوانها ”هل ثَمَّ حاجة إلى إقامة أساس فقهيّ للسلام والانسجام العالَميَّيْن؟“، من 17 نقطة. وبالأخص، طَلَبَ الأستاذُ ثقوف من العلماء المجتمعين مواجهة المسألة التالية: إذا ما كان ينبغي على العلماء المسلمين مراجَعَة الفقه الإسلامي المتعلق بوضع الكفَّار، وتغيير الأحكام التي تحكم انخراطَ المسلمين مع غير المسلمين، وكذلك، الرؤى المعياريّة التي يعتقد بها المسلمون، في العموم، فيما يتعلق بالكفَّار؛ وإذا ما كان ثَمَّ أيّ آلية، يمكن للعلماء بمقتضاها خلق فقه جديد ملائم لوقائع حضارتنا الراهنة؛ وإذا ما كان من الممكن وضع ميثاق الأمم المتحدة أساسًا من أجل فقه جديد، إذا اعتُبِرَ هذا الميثاق بمثابة اتفاقية صحيحة صالحة بين الأمم.
اقرأ النَّص الكامل لهذه الوثيقة المحتوية على 17 نقطة بالضغط على الصورة أسفله.
أدت المناقشات الناتجة من مؤتمر الفقه الإسلاميّ من أجل حضارة عالَميّة إلى تبنّي إقرار من صفحة واحدة ― وهو إعلانُ نهضةِ العلماء المئويّ ― الذي أُلقيَ باللغة العربية والإندونيسية، في حضور فخامة الرئيس جوكو ويدودو، رئيس جمهورية إندونيسيا، في تجمُّع لاثنين مليون تابع من أتباع نهضة العلماء أقيمَ في 7 فبراير 2023.

دكتور سمير بودينار ― المدير التنفيذي لمركز الحكماء لبحوث السلام ― في خطابه بالمؤتمر الدولي الأول للفقه الإسلاميّ من أجل حضارة عالَميّة
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)
قد ترغب في قراءة:
الفقه الإسلامي من أجل حضارة عالَميّة

