
الأهرام المصرية تشيد بمشروع نهضة العلماء لـ ”تحويل الدين الإسلامي من مشكلة في دول كثيرة إلى وسيلة للحل“
”يحصل غالبية المسلمين على مراجعهم من المنطقة العربية، وعدم مسايرة علماء هذه المنطقة لما يجري من تحولات سوف يؤدي إلى سحب البساط منهم … [على يد] نهضة العلماء ورئيسها الجديد يحيى خليل ثقوف“
~ نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام، محمد أبو الفضل

القاهرة، مصر، 16 فبراير 2023 ― لقد نشرت واحدة من أقدم الجرائد وأكثرها تأثيرًا في العالَم العربي، وهي جريدة الأهرام (تأسست 1875)، تحليلًا إيجابيًا لجهود نهضة العلماء لإعادة غرس المبادئ البالية والإشكالية في الإسلام الأرثوذوكسي. وبكلمات محمد أبو الفضل، نائب رئيس تحرير الأهرام، ”ما يعني تبني مشروع يتصدى لجماعات تصر على الخلط بين الدين والسياسة وتوابعهما، يمكن أن يخدم حكومات عربية تكافح بضراوة الأفكار المتطرفة، ويستحق الدعم، لأنه يتسق مع قواعد النظام الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، فالتحديات التي تواجهه كبيرة في ظل وجود أنماط متباينة من التشدد“
صدر مقال الدكتور أبو الفضل عقب مشاركته في المؤتمرِ الدوليّ الأوَّل للفقهِ الإسلاميّ من أجل حضارة عالَميّة في سورابايا، إندونيسيا، في 6 فبراير. كانت هذه زيارة الدكتور أبو الفضل الثالثة لإندونيسيا منذ 2015، عندما مَهَّدَت تقاريره عن نهضة العلماء، في جريدَتَي الأهرام والعرب، لنشر مقال مؤثر إلى درجة عالية، نُشِرَ في صحيفة ”نيويورك تايمز“، بعنوان ”من إندونيسيا، تَحَدٍّ إسلامي لإيديولوجيا الدولة الإسلامية“.
يتضمن المقالُ الأخير للدكتور أبو الفضل تحليلًا نقديًّا بدرجة عالية لإخفاق العرب في الانخراط بقوة مع مشروع نهضة العلماء لإعادة غرس التعاليم الإسلامية، وبمقتضى ذلك، إعادة غرس نتائجها، في السياق. ”يقوم مشروع التأصيل على الفصل بين الدين والسياسة، والبحث عن صيغة للدولة المدنية، والخروج من أسر الأفكار التي تنادي بالخلافة الإسلامية … يمثل البقاء في الخندق التقليدي كارثة على الحكومات والشعوب والمستقبل“.
ويقول الدكتور أبو الفضل، في إشارة منه إلى قيادة إندونيسيا للعالَم الإسلامي، وهي قيادة ناشئة: ”يحصل غالبية المسلمين على مراجعهم من المنطقة العربية، وعدم مسايرة علماء هذه المنطقة لما يجري من تحولات سوف يؤدي إلى سحب البساط منهم، لأن الانفتاح الذي تتبناه جمعية نهضة العلماء ورئيسها الجديد يحيى خليل ثقوف لن يتوقف عند منطقة أو دولة بعينها“.
يمكن قراءة مقال الأهرام أسفله، أو تحميله في صيغة PDF.

الإسلام الإندونيسى.. مرة أخرى

محمد أبو الفضل، نائب رئيس تحرير الأهرام | 16 فبراير 2023 | القاهرة
[كتبت هنا عن الإسلام الإندونيسي عقب زيارة قمت بها إلى جاكرتا منذ سنوات، وهو ما أثار اندهاش كثيرين حول المصطلح ودلالاته السياسية والدينية، وكأن هناك إسلاماً مصرياً وآخر إندونيسيا وثالثاً سعودياً أو باكستانياً، كان المقصود وقتها التعريف بنمط جديد من التسامح لمواجهة الجماعات المتطرفة ودعم فكرة التعايش بين الأديان.بعد نحو ثمانية أعوام من نشر المقال الأول، تابعت الاحتفال بمئوية جمعية نهضة العلماء يومي السادس والسابع من فبراير الحالي في مدينة سورابايا وتبعد عن العاصمة جاكرتا نحو ألف كيلو متر، وهي الجمعية التي استوحيت منها مصطلح الإسلام الإندونيسي في المقال السابق ولها علاقات وطيدة مع الأزهر الشريف وعلمائه، والكثير من المنتمين إليها درسوا في جامعته وتضم في عضويتها نحو تسعين مليون شخص من سكان إندونيسيا الذين يناهز عددهم 280 مليون نسمة.
كان الاحتفال الذي حضره ممثلون من دول مختلفة، في مقدمتها مصر ومثلها وكيل شيخ الأزهر الدكتور محمد الضويني، والدكتور محمود الهواري، أشبه بتدشين مرحلة جديدة في تاريخ جمعية تبحث عن تأصيل عملي لمشروعها، ليتسنى تثبيت ونشر أفكارها داخل إندونيسيا وخارجها، وتحويل الدين الإسلامي من مشكلة في دول كثيرة إلى وسيلة للحل عبر إعادة صياغة المبادئ الخمسة لما يعرف بالبانشاسيلا في إندونيسيا، وهي: توحيد الإله والإنسانية والعدالة والوحدة الوطنية والشورى، بصورة تتناسب مع المجتمعات الأخرى، مع مراعاة خصوصياتها. يقوم مشروع التأصيل على الفصل بين الدين والسياسة، والبحث عن صيغة للدولة المدنية، والخروج من أسر الأفكار التي تنادي بالخلافة الإسلامية، ما يعني تبني مشروع يتصدى لجماعات تصر على الخلط بين الدين والسياسة وتوابعهما، يمكن أن يخدم حكومات عربية تكافح بضراوة الأفكار المتطرفة، ويستحق الدعم، لأنه يتسق مع قواعد النظام الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، فالتحديات التي تواجهه كبيرة في ظل وجود أنماط متباينة من التشدد.
تبدو هذه النوعية من التوجهات سهلة في إندونيسيا التي يسودها التسامح والتعايش والانسجام، غير أن استمرارها وتعميمها يصطدم بعقبتين، الأولى نمو الجماعات المتطرفة مثل داعش والقاعدة والإخوان وتعارض أجنداتهم الخفية مع أساسيات النظام الدولي، والثانية عدم وجود تعاون وتنسيق كاملين بين مشروع نهضة العلماء والمنطقة العربية التي تمثل رمانة ميزان في الاجتهادات الإسلامية.
إذا اعتبرنا العقبة الأولى قطعت فيها الجمعية شوطاً كبيراً لكسر شوكتها، فالعقبة الثانية تحتاج إلى تكاتف جهود العلماء والمفكرين والحكومات، ويعد دور الأزهر ومجلس حكماء المسلمين ومقره أبوظبي ومنظمة العالم الإسلامي، من أهم ركائز تجاوزها. أعلم أن الأزهر له حضور طاغ في دول شرق آسيا، وإندونيسيا بشكل خاص، لكن لا أفهم لماذا لا يشارك نهضة العلماء مشروعها الذي يمكن أن يغير في مفاهيم تتردد حول أفكار تعد في مقدمة التحديات التي تواجه الحكومات حالياً، ويقدم اجتهادات مباشرة تصب في الفكرة العامة لتقديم مشروع حضاري لا تتنافر مكوناته مع أتباع الديانات الأخرى ويتصدى بصرامة لأفكار هدامة يروج لها متشددون في دول مختلفة. لا يزال حضور الأزهر يقتصر على الطابع الرمزي والمعنوي في كثير من المناسبات الدينية، ويؤدي تحاشيه الاجتهادات الفقهية الجريئة إلى التقليل من محوريته في المستقبل، بدلاً من تفويت الفرصة على تعظيم مكانته داخل مصر وخارجها، فاستثمار الحضور الذي يلقاه في إندونيسيا وغيرها كفيل بأن يمنح القاهرة دوراً مركزياً في مواجهة الأفكار الكلاسيكية التي تغرف من التراث بلا تمييز بين عصر وآخر.
يحصل غالبية المسلمين على مراجعهم من المنطقة العربية، وعدم مسايرة علماء هذه المنطقة لما يجري من تحولات سوف يؤدى إلى سحب البساط منهم، لأن الانفتاح الذي تتبناه جمعية نهضة العلماء ورئيسها الجديد يحيى خليل ثقوف لن يتوقف عند منطقة أو دولة بعينها، والذي يسير على خطى زعيمها الرئيس الإندونيسي الراحل عبد الرحمن وحيد. كما أن التفكير النقدي والحرص على الدولة الوطنية وتجاوز إشكاليات الخلاف بين الأديان السماوية من العوامل التي تشجع على المزيد من الاجتهاد لقطع الطريق على المتشددين، شريطة تقديم براهين علمية وحضارية قوية تجهض حجج المتمسكين بالتراث بلا تنقيح ما علق به من أخطاء ورواسب لا تتواءم مع العصر الراهن. تحتاج شرعنة الدولة المدنية إلى مروحة واسعة من الاجتهادات العصرية وقدرة كبيرة على الترويج لها لوقف زحف إعادة إنتاج التراث مرة أخرى الذي تقوم به حركات متطرفة، وهو ما يتنافر مع الأوضاع الحالية، فالخلافة العابرة للحدود التي تتبناها داعش والقاعدة وتظهر في خطاب الإخوان على استحياء تراها نهضة العلماء عائقاً أمام مشروعها ومن الواجب وضع تأصيل فقهي لحل أزمة مستمرة منذ قرون طويلة.
يمثل البقاء في الخندق التقليدي كارثة على الحكومات والشعوب والمستقبل، ما يفرض على العلماء الظهور إلى النور والتصدي لأفكار ظلامية يجد فيها متشددون ضالتهم لبقاء الحال على ما هو عليه، فاستمرار الصمت أو الاجتهاد ببطء يمنحهم فرصة لاحتكار الفتوى والقبض على مفاتيحها ويعوق من يملكون مشروعاً مناهضاً لهم.
عبرت غالبية كلمات الوفود العربية والإسلامية عن نمط تقليدي تجاوزه الزمن، فقد تعاملوا مع مئوية جمعية نهضة العلماء بشكل كرنفالي، ولم ينتهز العلماء والشيوخ المناسبة لدعم مشروع نبذ الخلافة الإسلامية وتعزيز القواسم المشتركة لبناء أسس متينة للدولة المدنية في المناطق التي تواجه أزمة حادة مع الجماعات الإسلامية، ولذلك قد تحتاج الدول العربية إلى مئة عام أخرى كي تستوعب مشروع نهضة العلماء في إندونيسيا إذا أصر قادة المؤسسات الدينية فيها على دفن رءوسهم في الرمال.
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي
قد ترغب في قراءة:
صحيفة فرانكفورت العامة: ”صوت المسلمين المعتدلين“
صحيفة وول ستريت: ”كيف نجعل الإسلام أقل جذرية“
معهد الدراسات السياسية بباريس: ”(R20): إندونيسيا تقود منتدى الدين لـ (G20)“