
”سيانس بو“، الجامعة المرموقة في مجال السياسة والعلاقات الدولية بالاتحاد الأوروبي
”لقد أرست نهضةُ العلماء علامة تقول بأن السلطات الدينية الإسلامية الأخرى لن تَكون، في النهاية، قادرة على تجاهلها إذا أرادت هذه السلطات المعنيّة أن يُقَرّ بها باعتبارها مناصرة لإسلام معتدل بأصالة“.
~ الدكتور جيمس م. دورسي
L’Observatoire International du Religieu

كياي حاج أ. مصطفى بشري، الرئيس السابق للمجلس الأعلى لنهضة العلماء، في أثناء إلقائه إعلان نهضة العلماء المئويّ في سيدوارجو، جاوة الشرقية، 7 فبراير 2023
باريس، فرنسا، 23 مارس 2023 ― للمرة الثانية في 3 أشهر، أبرز برنامج بحثيّ أكاديميّ نخبويّ، تدعمه وزارةُ القوات المسلحة في فرنسا، الأهميةَ الجيوسياسية لنهضة العلماء بإندونيسيا، وجهودها لإصلاح المبادئ البالية والإشكالية في الأرثوذوكسية الإسلامية.
تأسس برنامج المرصد الديني الدولي L’Observatoire International du Religieux في ذروة حركة الدولة الإسلامية، عندما انضم ما يزيد عن 4000 مواطن فرنسي إلى داعش. ويسعى البرنامج المعنيّ إلى إجلاء الظواهر الدينية المعاصرة وتفاعلها مع السياسة. وهو برنامج مدعوم من المدير العام للعلاقات الدولية والتخطيط بوزارة القوات المسلحة في فرنسا.
صَدَرَت مقالة بها 2200 كلمة، من تأليف المحلل الجيوسياسيّ وخبير الشرق الأوسط، الدكتور جيمس م. دورسي، باعتبارها ”محط تركيز“ برنامج المرصد الديني الدولي في مارس، والمرصد برنامج بحثي في واحدة من أبرز جامعات فرنسا، معهد الدراسات السياسية في باريس أو ”سيانس بو“.
منذ 2015، صُنِّفَت ”سيانس بو“ باعتبارها الجامعة رقم 1 في الاتحاد الأوروبي، في مجال السياسة والدراسات الدولية. وعلى امتداد السنوات الخمس السابقة، صُنِّفَت باعتبارها الجامعة رقم 3 في العالَم في هذين الاختصاصَيْن. ولقد تخرَّج خمسة رؤساء من الثمانية المنتمين للجمهورية الفرنسية الخامسة (1958-للآن) من ”سيانس بو“، ومنهم إيمانويل ماكرون، وكذلك تخرَّجَ منها أعضاء آخرون لا حصر لهم، ينتمون إلى النخبة السياسية الفرنسية ونخبة من رجال الأعمال.

في مقاله ― وعنوانه ”إصلاح الفقه الإسلامي يُشَكِّل معركةَ تعريفِ الإسلام المعتدل“ ― قال الدكتور دورسي:
لقد نادت أكبر حركة إسلامية اجتماعية معتدلة في العالَم بإبطال مبدأ الخلافة في القانون الإسلامي [الفقه].
في قطيعةٍ جذرية مع الأرثوذوكسية الإسلامية، تريد نهضة العلماء (إندونيسيا) إحلال مفهومَي الدولة القومية والأمم المتحدة محل مفهوم الخلافة، وهما مفهومان لا وجود لهما في التراث الفقهي الإسلامي.
الإصلاحُ محورٌ من حملة الحركة الإندونيسية لتحديث الفقه، أو، وَفق كلمات نهضة العلماء، إعادة غرس الفقه في سياقه، وتحريره من المبادئ البالية أو التي عفا عليها الزمن، وحرمان النشطاء الحركيين والجهاديين من القدرة على توظيف إحالاتهم إلى الشريعة لتسويغ اللاهوت الذي يتبنونه، وكذلك، التطرُّف، والعنف.
يبرز المقالُ إخفاقَ الغرب في تشخيص ”العلل الأصيلة“ للتطرُّف الإسلامويّ والإرهاب، ومساهمة الأوتوقراطيين والسلطويين، من الشرق الأوسط، في هذا الإخفاق التحليلي والإخفاق في السياسة، وقد كانت عواقبهما كارثية.
لأكثر من عقدين، ومنذ هجمات 9/11 على نيويورك وواشنطن، أكَّدَ قادةٌ مسلمون، كما أكَّدَ نظراؤهم الغربيون، على أن الإسلامَ والفقهَ ليسا في حاجة إلى إصلاح. وبدلًا من ذلك، صمَّموا على أن الإيديولوجيا الجهادية لم تَكن مُتَجَذِّرَة في الفقه الديني وأساءت تمثيلَ الإيمان وفهمه.
لقد استغلَ الأوتوقراطيون والسلطويون المسلمون هذه الحجةَ لسحق أي نقد لحكمهم القمعي، الذي غالبًا ما يَكون وحشيًّا، والذي لا يقبل أيّ معارضة من الأساس، والذي يُحْتَمَل توليده للعنف.
علاوة على ذلك، إن تصوير الجهاديين على أنهم منحرفون، بدلًا من كونهم منتوجات المبادئ الإشكالية في الفقه التي تسوِّغ العنف، سمح للأوتوقراطيين والسلطويين بإبراز الأوتوقراطية باعتبارها وسيلة لمحاربة العنف وتعزيز الإسلام المعتدل.
ثَمَّ معركة على روح الإسلام في قلب السجال حول الفقه الإسلامي، تتضمن التنافس على القوة الناعمة الدينية وقيادة العالَم الإسلامي وعلى مَن سيتولى تعريف مُقَوِّمات الإسلام المعتدل.
تُثير المعركةُ مفهومَ نهضة العلماء عن الإسلام للإنسانية، الذي ينادي بالإصلاح الدينيّ ويدعم التعدُّدِيَّة، و”ميثاق الأمم المتحدة“ و”الإعلان العالَميّ لحقوق الإنسان“ دون مواربة، ضد تعريف أوتوقراطيّ للإسلام المعتدل يرفض الإصلاحَ الديني والسياسي، ويدعم، في الوقت نفسه، صورة شكلانية أداتيّة للحوار بين الأديان، وكذلك يدعم إضعاف القيود الاجتماعية التي ناصرها الإسلامُ الأرثوذوكسي لمدة طويلة.
إن الاوتوقراطيين ونوابهم الكهنوتيين يتجاهلون نهضة العلماء، وفي ذلك الأمر خطر عليهم
يمكن قراءة النَّصِّ الكامل لمقال الدكتور دورسي أسفله.

محط التركيز
مارس 2023

إصلاح الفقه الإسلامي يُشَكِّل معركةَ تعريفِ الإسلام المعتدل
جيمس م. دورسي
لقد نادت أكبر حركة إسلامية اجتماعية معتدلة في العالَم بإبطال مبدأ الخلافة في القانون الإسلامي [الفقه].
في قطيعةٍ جذرية مع الأرثوذوكسية الإسلامية، تريد نهضة العلماء (إندونيسيا) إحلال مفهومَي الدولة القومية والأمم المتحدة محل مفهوم الخلافة، وهما مفهومان لا وجود لهما في التراث الفقهي الإسلامي.
الإصلاحُ محورٌ من حملة الحركة الإندونيسية لتحديث الفقه، أو، وَفق كلمات نهضة العلماء، إعادة غرس الفقه في سياقه، وتحريره من المبادئ البالية أو التي عفا عليها الزمن، وحرمان النشطاء الحركيين والجهاديين من القدرة على توظيف إحالاتهم إلى الشريعة لتسويغ اللاهوت الذي يتبنونه، وكذلك، التطرُّف، والعنف.
ناقش علماء مسلمون، من حول العالَم، هذه المناشدةَ في فبراير، في تجمُّع استمر يومًا بأكمله، في مدينة سورابايا الجاوية.
أعلِنَ عن هذه المناشَدَة في الاحتفال بمئوية نهضة العلماء، وَفق التقويم الهجريّ، وهو الاحتفال الذي حضره مليون شخص، والرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو.
وقالت منظمة نهضة العلماء، في الإعلان الذي قُرِئ في التجمُّع: ”تعتقدُ نهضةُ العلماءِ أن تطويرَ رؤيةٍ جديدة، قادرة على أن تحلَّ محلَ التَّطَلُّع المؤسَّس منذ زمن طويل، أمرٌ جوهريٌ في أهميته بالنسبة إلى رخاء المسلمين؛ وهو التَّطَلُّع، المُتَجَذِّر في الفقه، إلى توحيدِ المسلمين عبر العالَمِ في دولةٍ عالَميَّة واحدة، أو خلافة“.
وأتى في الإعلان، كذلك: ”ليس مُجْدِيًا، ولا من المرغوب فيه، إعادةُ إقامةِ خلافة عالَميَّة من شأنها توحيد المسلمين عبر العالَم مقابل غير المسلمين. ستَكون محاولاتُ فعلِ ذلك الأمرِ، على نحوٍ حتميّ، كارثيةً، ونقيضة لمقاصد الشريعة: أي: حِفظ الدين، وحِفظ النفس، وحِفظ العقل، وحِفظ العِرض، وحِفظ المال. كما برهنت الدولةُ الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) على ذلك الأمرِ مؤخَّرًا“.
وأكَّدَ الإعلانُ على أن الإسلام يواجه خيارًا: التأكيد على إلزامية إقامة خلافةٍ أو إصلاح الفقه الإسلامي بحيث يَكون من شأنه ”تَبَنِّي رؤية جديدة، وتطوير خطاب جديد يتعلق بالفقه، وهو الأمرُ الذي سيمنع تحويلَ الهويَّة إلى سلاحٍ سياسيّ، والحدِّ من انتشار الكراهية الجماعية؛ وتعزيز التضامن والاحترام بين الناس وثقافات وأمم العالَم المتعددة؛ وتعزيز انبثاق نظام عالَميّ عادل ومُتَجَانِس بحق“.
في ورقة للمناقشة، وُزِّعَت بُعَيد المؤتمر والتجمُّع، حاجَّت نهضة العلماء بأنه ”من الضروري [للمسلمين] الإقرار بأن البنية السوسيو-سياسية (أو السلطة السيادية السوسيو-سياسية) القادرة على تفعيل وتوظيف مثل هذه الرؤى المعياريّة، على امتداد العالَم الإسلاميّ، لم تَعُد موجودة، عقب تفكُّك الخلافة العثمانية منذ قرنٍ“ وأنه ”نتيجة لتبنّي خيار استبقاء رؤية الفقه المؤسَّسَة، والأحكام المرتبطة بها، سيَكون من الواجب دينيًّا، على نحوٍ تلقائي، وهو واجب إلزاميّ يقع على عاتق المسلمين، إحياء السلطة السيادية المعنيّة. ومن شأن ذلك الأمر أن يستتبع، بدوره، وبالضرورة، تفكيك كلّ الدول القومية بلا استثناء، وهي الدول التي يعيش المسلمون تحت حكمها حاليًا“[1].
بجهدها المُرَكَّز في نقد مفهوم الخلافة، أرست نهضةُ العلماء تحديًا مفتوحًا لقادة العالَم الإسلامي الأوتوقراطيين والسلطويين عبر الإصرار على أن التغيير يحتاج إلى أن يشمل إصلاح الفقه الديني، لا التغيير الاجتماعي فقط كما يُشَرِّعه، على سبيل المثال، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد.
لقد عَزَّزَت هذه الإصلاحاتُ الحقوق الاجتماعية للنساء وفرصهن في العمل، وخَفَّفَت القيود على الاختلاط بين الجنسين وتبنَّت الأسلوب الغربي في الاستمتاع بالحياة. وعلى الرغم من ذلك، ثَبَّتَ الرجلان هذه التغييراتِ في القانون المدنيّ وتجاهلا الحاجة إلى فعل ذلك فيما يتعلق بالفقه الإسلاميّ.
يُلزِم ”ميثاقُ الأمم المتحدة“ الدولَ الأعضاء باحترام وتقدير ”الحقوق الأساسية للإنسان … كرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء والأمم … من حقوق متساوية“، ويجعل الميثاق ذلك الأمر مُلزِمًا قانونيًّا للمُوَقِّعين عليه من المسلمين.
قَبلَت دول ذات أغلبية مسلمة ذلك الإلزامَ عندما انضموا إلى ”الأمم المتحدة“ لكنهم أرسوا مشروعيتهم الدينية بلغة الفقه الإسلامي كما توظِّفه ”منظمة التعاون الإسلامي“ بدلًا من القانون نفسه. تجمع ”منظمة التعاون الإسلامي“ الدول ذات الأغلبية المسلمة، وعددها 57.
بإصلاح الفقه، ستقدِّم نهضةُ العلماء حواجزَ حمايةٍ من أجل إدماج، يقوم به أعضاء ”منظمة التعاون الإسلامي“، للفقه في الأنظمة القانونية الوطنية.
لقد استغلت الدولُ ذات الأغلبية المسلمة إطار “منظمة التعاون الإسلامي” لاحتكار الحقّ في تأويل الفقه بحيث يَكون طوع أيديهم، على سبيل المثال، في تسويغ انتهاك حقوق الإنسان، أو المطالبة، في حالة دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بالطاعة العمياء للحاكم بناء على أسس دينية.
ولقد استغلَّت ”منظمة التعاون الإسلامي“ وبعض أعضائها، أيضًا، التأطير الدينيّ للمنظمة و”إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام“ (1990) للحَدِّ من الحقوق المنصوص عليها في ”ميثاق الأمم المتحدة“ ولممارسة الضغط على ”الأمم المتحدة“ لتصنيف التجديف باعتباره انتهاكًا لحقوق الإنسان وصورة من صور خطابات الكراهية.
في ورقة المناقشة لنهضة العلماء، أكَّدَت المنظمة على أن الرؤيةَ القائلة بأن المسلمين ”ينبغي عليهم التمتُّع بموقف مبدئيّ، وهو موقف العداوة، تجاه غير المسلمين، وبأن الكفَّار ينبغي إخضاعهم للتمييز، رؤيةٌ مؤسَّسَة بمتانة في تراث الفقه“.
في مخطَّط مختَصَر لنهضة العلماء، قيل، على سبيل المحاجّة، إن ”الرؤى التي تُشَرْعِن، وتشجع على، الريبة، والفصل، والتمييز، بل العداء والصراع مع الذين يحظون بالمكانة الشرعية ”للكفار“، مبثوثةٌ عبر نصوص الفقه الإسلاميّ الكلاسيكية. لا تزال هذه الرؤى … مُعْتَبَرَةً، وينبغي ممارستها حتى وقتنا الحالي … تدافع الجماعات المسلمة المُشْتَرِكَة في الصراع ― وبما يشمل استعمال العنف والإرهاب ― عن موقفها باقتباسِ إحالاتٍ من نصوص الفقه الكلاسيكية المعنيّة“.
في 2019، أيَّدت نهضة العلماء الإندونيسية مقولاتها بالأفعال عندما أصدر 20000 عالِم من نهضة العلماء فتوى دينية أبطَلَت تصنيف الكافر في الفقه[2].
على الرغم من ذلك، يبقى مفهوما الكافر والخلافة في قلب استجابة العالَم الإسلامي للتطرُّف الديني والجهادية.
ثَمَّ رسالة مفتوحة لأبي بكر البغدادي، قائد الدولة الإسلامية الراحل، كُتِبَت بعد أن أعلن في 2014 عن خلافة هو خليفها، وَقَّعَ عليها 126 عالمًا مسلمًا بارزًا، وبما يتضمن مشاركين في مؤتمر سورابايا[3]، وتؤكد هذه الرسالة على أن ”… الخلافة أمر واجب على الأمة باتفاق“.
مِن بين المُوَقِّعين على الرسالة مناصرون للدولة في صورها الأوتوقراطية للإسلام المعتدل.
كان من بين هؤلاء مفتي الديار المصرية شوقي علام؛ والمفتي السابق للديار المصرية، علي جمعة، الذي أيَّدَ دينيًّا قتلَ قوات الأمن، في ميدان من ميادين القاهرة في 2012، لثمانمائة متظاهر من الإخوان المسلمين[4]؛ وعدة أعضاء من دار الإفتاء المصرية التي تُديرها الدولة؛ وعلماء من الأزهر، قلعة القاهرة للتعليم الإسلاميّ.
وكان من بين المُوَقِّعين عبد الله بن بيّه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، وواحد من أعضائه الآخرين، وهو الداعية المسلم الأمريكي المشهور حمزة يوسف، وهما رجلان يمثّلان تأويل دول الخليج للدين.
لأكثر من عقدين، ومنذ هجمات 9/11 على نيويورك وواشنطن، أكَّدَ قادةٌ مسلمون، كما أكَّدَ نظراؤهم الغربيون، على أن الإسلامَ والفقهَ ليسا في حاجة إلى إصلاح. وبدلًا من ذلك، صمَّموا على أن الإيديولوجيا الجهادية لم تَكن مُتَجَذِّرَة في الفقه الديني وأساءت تمثيلَ الإيمان وفهمه.
لقد استغلَ الأوتوقراطيون والسلطويون المسلمون هذه الحجةَ لسحق أي نقد لحكمهم القمعي، الذي غالبًا ما يَكون وحشيًّا، والذي لا يقبل أيّ معارضة من الأساس، والذي يُحْتَمَل توليده للعنف.
علاوة على ذلك، إن تصوير الجهاديين على أنهم منحرفون، بدلًا من كونهم منتوجات المبادئ الإشكالية في الفقه التي تسوِّغ العنف، سمح للأوتوقراطيين والسلطويين بإبراز الأوتوقراطية باعتبارها وسيلة لمحاربة العنف وتعزيز الإسلام المعتدل.
ثَمَّ معركة على روح الإسلام في قلب السجال حول الفقه الإسلامي، تتضمن التنافس على القوة الناعمة الدينية وقيادة العالَم الإسلامي وعلى مَن سيتولى تعريف مُقَوِّمات الإسلام المعتدل.
تُثير المعركةُ مفهومَ نهضة العلماء عن الإسلام للإنسانية، الذي ينادي بالإصلاح الدينيّ ويدعم التعدُّدِيَّة، و”ميثاق الأمم المتحدة“ و”الإعلان العالَميّ لحقوق الإنسان“[5] دون مواربة، ضد تعريف أوتوقراطيّ للإسلام المعتدل يرفض الإصلاحَ الديني والسياسي، ويدعم، في الوقت نفسه، صورة شكلانية أداتيّة للحوار بين الأديان، وكذلك يدعم إضعاف القيود الاجتماعية التي ناصرها الإسلامُ الأرثوذوكسي لمدة طويلة.
إن الاوتوقراطيين ونوابهم الكهنوتيين يتجاهلون نهضة العلماء، وفي ذلك الأمر خطر عليهم.
إن نهضة العلماء قوةٌ فعَّالةٌ بعدد أتباع يُقَدَّر بـ 90 مليون تابع، و18000 مدرسة دينية داخلية، و44 جامعة، وعشرات الآلاف من العلماء المسلمين الذي يُشَكِّلون سلطة دينية مستقلة عن المراكز التقليدية (التراثية) في الشرق الأوسط، وميليشيا شبه عسكرية بها 5 مليون عضو، وحزب سياسي كان جزءًا من حكومة الرئيس جوكو ويدودو الائتلافية، وهي عضو مؤثِّر في منظمة ديمقراطيي الوسط الدولية، وهذه المنظمة أكبر تحالف للأحزاب السياسية في العالَم.
كانت الدرجةُ التي تهدد بها نهضةُ العلماء مناصري أي تعريف أوتوقراطي [متسلط] للإسلام المعتدل معكوسة في كيفية استجابة العلماء المناصرين للدولة لدعوات الحضور في مؤتمر سورابايا.
اختار الأستاذان بن بيّه وجمعة عدم الحضور. وفَضَّلَ آخرون إلقاء كلماتهم عبر الفيديو، لكنهم لم يشاركوا بشخوصهم، ولم يشاركوا في أيٍّ من خلاصات المؤتمر.
استعمل الأستاذ علام تعقيباته عبر الفيديو للتعبير عن معارضته لمناشدة نهضة العلماء.
أما محمد العيسى، رئيس رابطة العالَم الإسلاميّ، ووسيط ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، لنشر نسخته الأوتوقراطية من الإسلام المعتدل، فقد اختار تجاهُل اقتراح نهضة العلماء في كلمته عبر الفيديو. ومثله مثل الأستاذ علام، أشار العيسى، مبدئيًّا، إلى أنه سيحضر المؤتمر.
وما يفعلونه، على أقصى تقدير، تكتيك يشترون به بعض الوقت من أجل العلماء المسلمين المناصرين للدولة.
وقال محمد أبو الفضل، نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام المصرية، في تغطيته لمؤتمر سورابايا، ”عبرت غالبية كلمات الوفود العربية والإسلامية عن نمط تقليدي تجاوزه الزمن، فقد تعاملوا مع مئوية جمعية نهضة العلماء بشكل كرنفالي“[6].
واستكمل أبو الفضل حديثه قائلًا: ”ولذلك قد تحتاج الدول العربية إلى مئة عام أخرى كي تستوعب مشروع نهضة العلماء في إندونيسيا إذا أصر قادة المؤسسات الدينية فيها على دفن رءوسهم في الرمال“.
في التحليل الأخير، إما أن يَكون العلماء المسلمون المناصرون للدولة قادرين على احتواء الإصلاحيين الإندونيسيين أو سيكونون مجبرين على الانضمام للمنتصر.
حتى الآن، لقد أخفقت جهود احتواء نهضة العلماء.
تضمَّنت هذه الجهودُ انضمامَ ”رابطة العالَم الإسلامي“ لنهضة العلماء في استضافة منتدى الدين [لمجموعة العشرين] 2022، وهي قمة للقادة الدينيين في بالي، عَشيّة اجتماع قادة مجموعة العشرين (G20) التي جَمَعَت أقوى الدول اقتصاديًّا في العالَم[7].
خصَّصَت إندونيسيا، التي حازت على رئاسة (G20) العام الماضي، منتدى (R20) باعتباره مجموعة انخراط رسمية لـ (G20).
وعلى نحوٍ مُقَر به، ليس الإصلاحُ الفقهيّ لنهضة العلماء مُلْزِمًا في عالَم إسلامي تُخَلخَل فيه مركزية السلطة الشرعية الدينية.
على الرغم من ذلك، ردَّدَ مُعلِّقون مؤثِّرون في المملكة العربية السعودية ومصر مناشدةَ نهضة العلماء للإصلاح الديني بدون الإشارة إلى المنظمة الإندونيسية.
وقال الكاتب في صحيفة ”عكاظ“، والمحامي المقيم في جدّة، أسامة يماني، ما يلي: ”إن على كافة المؤسسات الدينية العمل على إيجاد فقه [معاصر] … ينتظر [كذا] العالم الإسلامي إليها أن تقوده نحو فقه معاصر وأصولية حديثة تواكب روح العصر“[8].
قبل ذلك، اقترح الصحفي محمود المهيني إصلاحات دينية ”من أعلى لأسفل“، شبيهة بإصلاحات مارتن لوثر الدينية، والتي من شأنها أن يقودها الأستاذ محمد بن سلمان، على الرغم من اقترابه من ذكر ولي العهد بالاسم تحديدًا.
وقال المهيني، ”هناك العشرات وربما المئات من «لوثر» المسلم … إذن سؤال أين لوثر المسلم؟ خاطئ، والسؤال الصحيح أين فريدريك الثاني ملك بروسيا (الملقب بالمستبد المستنير) الذي احتضن الفلاسفة الكبار في أوروبا مثل كانط وفولتير، وفتح لهم أجواء الحرية في الفكر والبحث العلمي“[9].
تقترح تعليقات الصحفيين أن نهضة العلماء، على أقل تقدير [قد] أرست … علامة تقول بأن السلطات الدينية الإسلامية الأخرى لن تَكون، في النهاية، قادرة على تجاهلها إذا أرادت هذه السلطات المعنيّة أن يُقَرّ بها باعتبارها مناصرة لإسلام معتدل بأصالة.
وفي تعليقه على حملة نهضة العلماء، أكَّدَ نائبُ رئيس تحرير الأهرام، أبو الفضل، أن العلماء المسلمين الشرق-أوسطيين يخاطرون، إذ قد تفوتهم الفرصة.
”وعدم مسايرة علماء هذه المنطقة لما يجري من تحولات سوف يؤدي إلى سحب البساط منهم، لأن الانفتاح الذي تتبناه جمعية نهضة العلماء ورئيسها الجديد يحيى خليل ثقوف لن يتوقف عند منطقة أو دولة بعينها“[10].
المؤلف: جيمس م. دورسي، باحث مساعد أكبر في مدرسة س. راغاراتنام للدراسات الدولية بسنغافورة، جامعة نانيانغ التكنولوجية.
[1] R20، نهضة العلماء، وذكرى مرور مائة عام على تأسيس نهضة العلماء. هل ثَمَّ حاجة إلى إقامة أساس فقهيّ للسلام والانسجام العالَميَّيْن؟ 22 فبراير، 2022،
[2] بيت الرحمة، نهضة العلماء ترفض ملاءمة ”الكافر“، باعتباره تصنيفًا شرعيًا، في سياق الدول القومية الحديثة، 16 أكتوبر 2019:
[3] المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية. الرسالة المفتوحة إلى الدكتور إبراهيم عواد البدري، الملقب بـ ”أبو بكر البغدادي“، وإلى جميع المقاتلين والمنتمين إلى ما سميتموه ”الدولة الإسلامية“، 19 سبتمبر 2014:
https://rissc.jo/wp-content/uploads/2019/04/Letter_to_Baghdadi-ARB.pdf
[4] أسامة العَظَمي. مقال بعنوان Rabaa massacre and the death of Middle East democracy [مذبحة رابعة وموت ديمقراطية الشرق الأوسط]، منشور في Middle East Eye، 15 أغسطس 2022:
https://www.middleeasteye.net/opinion/egypt-rabaa-massacre-middle-east-democracy-death
[5] بيت الرحمة. الإسلام للإنسانية، 8 نوفمبر 2016:
https://arabic.baytarrahmah.org/humanitarian-islam/
[6] محمد أبو الفضل. الإسلام الإندونيسي.. مرة أخرى. 15 فبراير 2023:
https://gate.ahram.org.eg/daily/News/888599.aspx
[7] (R20) إندونيسيا 2022:
[8] أسامة يماني. ”منع النساء من التعليم“، عكاظ، 29 ديسمبر 2022:
https://www.okaz.com.sa/articles/authors/2122996
[9] محمود المهيني. ”السؤال الخاطئ: متى يأتي لوثر مسلم؟“، ”العربية“ الإنجليزية، 26 أكتوبر 2021:
[10] أبو الفضل، المرجع نفسه، الإسلام الإندونيسي.
لاقتباس هذه الورقة:
James M. Dorsey, “Reforming Islamic jurisprudence shapes the battle to define moderate Islam”. Focus de l’Observatoire international du religieux [en ligne], mars 2023. https://obsreligion.cnrs.fr/focus/reforming-islamic-jurisprudence-shapes-the-battle-to-define-moderate-islam/

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)
قد ترغب في قراءة: