حوار مستمر بين نهضة العلماء والقوميين الهندوس يجتذب اهتمامًا عالَميًّا متزايدًا

”لا تزال إندونيسيا تساهم بقوّة في تطوير خطاب عن الفقه الإسلامي“

~ داون (باكستان)

مسجد بادشاهي في لاهور، باكستان، العاصمة القديمة للإمبراطورية المغولية

كراتشي، باكستان، 2 إبريل 2023 — لقد نَشَرَت جريدة باكستان القومية، والأكثر تأثيرًا باللغة الإنجليزية، وهي صحيفة ”داون“ [أو: الفجر]، مقالًا يثني على نهضة العلماء الإندونيسية وإسهامها الكبير في تطوير خطاب للفقه الإسلامي.

في مقال بعنوان ”نهاية الإيديولوجيا“، لفت محمد عامر رانا، وهو مُحَلِّل أمني بارز وكاتب عمود، إلى أن ”[نهضة العلماء تظل] مُعَزِّزَة لإبطال مفهوم الخلافة وإحلال فكرة الدولة القومية محلّه. ولقد أصدرت أيضًا فتوى أو مرسومًا لإلغاء مفهوم الكافر من الفقه الإسلامي وإحلال فكرة المواطنة محلّه“.

ويستطرد المقال فيوضّح أنه ”من العسير تصوُّر إطلاق المرء لمثل هذه النقاشات في باكستان؛ ولاقى المُتَجاسِرون على فعل ذلك الأمر عواقبَ. من الوجهة الدستورية، باكستان دولة إسلامية، ووَفق ”مجلس العقيدة الإسلامية“، تتوافق أغلب قوانينها مع الشريعة والأحكام الإسلامية. لكن، لا تزال الأحزاب الدينية تطالب بالإذعان في الدولة للشريعة. وليست هذه المسألةُ متعلقة باقتصادهم السياسي، بل هي متجذِّرَة بعمق في فكرة دولة ’الخلافة‘. ولا يمكن للكثير من مثل هذه الأحزاب تصوُّر مجتمع مسلم يسير على نموذج دولة قومية، سواء أكان هذا السيرُ شاملًا أم جزئيًا“.

ويضيف رانا قوله بأنه ”جدير بالذكر شروع نهضة العلماء في حوار مع ”راشتريا سوايامسيفاك سانج“ [أو: منظمة التطوع الوطنية] المتصلبة في سياساتها، وهو حوار شاركت فيه منظمات إسلامية هندية كذلك. وعلى الرغم من بطء العملية، أمل الكثيرون في حوار بين الجماعات المسلمة والمنظمة السالفة الذكر“.

واستطرد المُحَلِّل الأمني الباكستاني فاقترح أن يسير علماء دولته الدينيون على مثال نهضة العلماء و”إطلاق حوار مع راشتريا سوايامسيفاك سانج واكتساب فهم أعمق للعقيدة المتغيرة في الدين الهندوسي“. وانتقد رانا أيضًا باكستان وعلماءها لفشلهم ”في إنبات عقول يمكنها تصوُّر النقاش الحالي في المجتمعات المسلمة أو المشارَكَة في مثل هذا النقاش“.

مقبرة الإمبراطور المغولي جِهَانكِير (1569 – 1627) في لاهور، باكستان

اجتذب المقال المنشور في صحيفة ”داون“ اهتمامًا محليًا ودوليًا واسع المدى، وبما يتضمن مقالة نَشَرَتها مجلة ”تايمز إسرائيل“، بعنوان ”معركة على روح الإسلام تتكشف في محكمة بالبحرين“. وفي هذا المقال، كَتَبَ المُحَلِّل الجيو-سياسي الدكتور جيمس م. دورسي، ما يلي:

في هذا الأسبوع، كان على المحك، في محكمة بالبحرين، ما هو أكبر من مصير ثلاثة مدافعين عن حرية التعبير. 

ما كان على المحك سؤال أساسي، يُقَسِّم المؤمنين عبر العالَم الإسلامي ويتحدى الشَرْعَنَة الدينية للحكام الأوتوقراطيين: هل يحتاج الفقهُ إلى الإصلاح لضمان أن يَكون الفقهُ تعدُّديًّا، وشاملًا، ومتوافقًا لمدى أكبر مع الإعلان العالَمي لحقوق الإنسان؟….

كانت القضيةُ مذهلةً نظرًا لما قيل في إجراءات المحاكمة وكذلك لخلفية الحدث غير المذكورة، والتي أطَّرَت للمحاكمة على مقياس عالَمي.

كانت القضية جزءًا من معارَضَة مؤيدي النسخة الأوتوقراطية المعتدلة من الإسلام (وهم المدعومون من الدولة) التي تعارِض إصلاح الفقه الديني، لكنها تصب في صالح حرية اجتماعية أكبر، مؤسَّسَة في القانون المدني أو المراسيم بدلًا من تأسسها في الشريعة الإسلامية.

كذلك يُشَرْعِنُ تعريفُ الأوتوقراطيين للإسلامِ المعتدلِ القهرَ ويَحد من الحقوق والمطالب السياسية، ويستوجب الطاعة المطلقة للحاكم.

وعلى نحوٍ مباشر ومتزايِد، تواجه نهضةُ العلماء — وهي أكبر حركة إسلامية للمجتمع المدني في العالَم، والأكثر اعتدالًا  — مناصري تعريف الأوتوقراطيين [للإسلام المعتدل]، مثل صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد، ونوابهم الدينيين.

تدعو نهضة العلماء إلى ”الإسلام للإنسانية“، بتسعين مليون تابع، وعشرات الآلاف من العلماء الدينيين، والمعاهد التعليمية، وبميليشيا قوامها 5 مليون عضو، وحزب سياسي [تابع لها]، مع وزراء في الطاقم الرئاسي للرئيس جوكو ويدودو.

يتبنى المفهومُ الحاجةَ إلى إصلاح ما تسمّيها الجماعة بالمبادئ”البالية“ في القانون الإسلامي والتعدُّدِيَّة. وتعزِّز، دون مواربة، الإعلانَ العالَمي لحقوق الإنسان….

لقد حاول مناصِرو نسخة أوتوقراطية من الإسلام المعتدل احتواءَ [نهضة العلماء] لكنهم فشلوا.

ونتيجة لذلك، هم مجبورون على منافَسَةِ المنظمة الإندونيسية على التأثير في بعض أهم المساحات السياسية والدينية بالعالَم. ويتضمن ذلك أروقةَ السلطة في العواصم العالَميّة، وجماعات الإيمان المؤثرة مثل الفاتيكان والمنظمات والاتحادات الهندوسية ذات النفوذ والتأثير.

رئيس راشتريا سوايامسيفاك سانج (RSS)، الدكتور موهان بهاجوات

في مقال آخر، عنوانه ”مساءلة القوميين الهندوس“، اختار الدكتور دورسي، كما اختار الأستاذ رانا، ”تسليط الضوء على الحوار بين راشتريا سوايامسيفاك سانج ونهضة العلماء الإندونيسية، وهي أكبر حركة إسلامية للمجتمع المدني في العالَم، والأكثر اعتدالًا“.

كذلك ركَّزَ الدكتورُ دورسي على أنه ”للتباين الواضح المُتَّسِع بين حزب بهاراتيا جاناتا، الذي ينتمي إليه الأستاذ [ناريندرا] مودي، وراشتريا سوايامسيفاك سانج (RSS) نتائج ممتدة، تتجاوز العلاقات بين المجتمعات والطوائف في الهند“. وأشار، على سبيل المثال، إلى أن ”مسؤولًا كبيرًا في (RSS) حاجّ بأن (RSS)، بعكس حزب بهاراتيا جاناتا، الذي ينتمي إليه الأستاذ [ناريندرا] مودي، لم يَكن ينظر إلى حواره مع المسلمين الهنود تحقيقًا لمكاسب انتخابية. ويُعْتَقَد، مع تحديد موعد الانتخابات في العام القادم، بأن حزب بهاراتيا جاناتا على علم بالتوتُّر الحاصل بين المجتمعات والطوائف والاستقطاب باعتباره وسيلة لكسب الأصوات الانتخابية“.

”وقال المسؤول [في (RSS)]: ’لا نتطلع إلى تحقيق أيّ مكاسب انتخابية أو تحقيق أي استفادة سياسية. ولا نختار أيّ جماعة معيّنَة من المسلمين. نمد أيدينا للجميع … ونهتم بحلٍّ طويل الأجل. ونعمل جميعًا من أجل حلٍّ حضاري جَمعيّ لهذا الصراع الطائفي الذي استمر لزمان طويل‘“.

ويستطرد الدكتور دورسي في مقاله، موضّحًا ما يلي:

أضفت إندونيسيا، وهي أكبر دولة وأكبر ديمقراطية ذات أغلبية مسلمة في العالَم، في العام الماضي، الطابعَ المؤسسي على الدين باعتباره مجموعة عمل رسمية لمجموعة العشرين (G20) من خلال قمة للقادة الدينيين في بالي، في نوفمبر. وتَمَكَّن مركز فكري تابع لنهضة العلماء من حيازة الأمانة الدائمة لمنتدى الدين لمجموعة العشرين أو (R20).

ولقد سعت منظمة راشتريا سوايامسيفاك سانج، التي شاركت في منتدى الدين لمجموعة العشرين ببالي، وراء تشكيل شراكة مع نهضة العلماء، على الرغم من أن المنظمة الإندونيسية تعتبر الإصلاح الديني الإسلامي حافزًا للأديان الأخرى، وبما يتضمن الهندوسية، للنظر بعين النقد إلى المبادئ التي يُحْتَمَل أنها إشكالية.

لقد سَمَحَت مقاربةُ نهضة العلماء، وبما يشمل مبادرتها المتمثلة في (R20)، للمنظمة نفسها بتشكيل علاقات مع جماعات دينية كبرى عبر العالَم. وتتضمن الأخيرة بعضَ القادة الدينيين الهندوس الهنديين الأكثر تأثيرًا.

تعزِّز هذه العلاقاتُ أهميةَ صلات (RSS) بنهضة العلماء، في استقلال عن مواقف الحكومة.

وعلى الرغم من ذلك، فمن المحتمل لكلّ ما يلي أن يعزز، على نحوٍ متزايد، الشكَّ في رغبة نهضة العلماء في الانخراط: فشل (RSS) في التفاعل مع المسلمين الهنود على نحوٍ سبَّاق، والإقرار بحكم المحكمة العليا، وإبعاد نفسها عن الخطابَة والعنف المُعاديَيْن للإسلام.

في التحليل الأخير، السؤال المطروح على (RSS) والقادة الدينيين الهندوس ذوي التأثير يتعلق بمدى استطاعتهم تحمُّل تكلفة تعزيزهم — على ما يبدو، وإن كان ذلك على نحوٍ ضِمْني على الأقل — لعاطفة مناهضة للمسلمين وتوقُّع انخراط المسلمين بدلًا من تحوُّلهم للوجهة الراديكالية.

ترى نهضةُ العلماء الانخراطَ باعتباره عملية تستغرق وقتًا للإتيان بنتائج. وتتمثل المشكلة في أن المسلمين الهنود، في وسط العاطفة المتصاعدة المناهضة للمسلمين في الفترة التي تسبق انتخابات العام القادم المقررة، يشعرون بأن الوقتَ ترفٌ لا يملكونه.

ونتيجة لذلك، هناك سؤال مطروح على نهضة العلماء، وهو سؤال عن النقطة التي تتطلب من (RSS)، وكذلك من القادة الدينيين الهندوس، اتخاذ القرار عندها أو الكفّ عن التسويف.

في بيان رسمي وَقَّعه رئيسُ نهضة العلماء كياي حاج يحيى خليل ثقوف، في سبتمبر 2022، في أثناء الفترة السابقة مباشرةً لقمة (R20) للقادة الدينيين الدوليين في بالي، تفاعل مجلسُ شورى نهضة العلماء مع النقد المُوَجَّه إليها، وذلك لانخراطها مع (RSS) كما يلي:

تعتقد نهضة العلماء أن الطريق الوحيد لتجاوز المظالم التاريخية الراسخة وتعزيز التعايش السلمي هو التفاعل مع كل الأطراف ورفض الانغماس في عاطفة العداوة والكراهية، بناء على ادّعاء [صورة] الضحية الفريدة المرتبطة بثقافة أو عِرق.

نهضة العلماء على وعي بإمكان حصول الإبادة الجماعية في جنوب آسيا، ولا يرجع ذلك إلى الديناميات الجيو-سياسية المعاصرة فحسب، بل يرجع، كذلك، إلى تاريخ المنطقة، وبما يتضمن الإبادة الجماعية في بنغلاديش في عام 1971؛ والمذابح المرتبطة بالتقسيم الذي حدث في عام 1947؛ والسياسات الكولونيالية البريطانية السائرة على مبدأ فَرِّق تَسُدْ؛ وقرون من الغزو الآتي من الشمال الغربي، والمرتبطة بدمار هائل، وذبح، واستعباد. وحتى الإمبراطور آشوكا اشتهر بمذبحته التي تجاوز عدد ضحاياها 100000 من سكان كالينجا في أثناء القرن الثالث قبل الميلاد، قبل اعتناقه البوذية.

تحث نهضةُ العلماء الناسَ ذوي الإرادة الصادقة من كلّ إيمان وأمّة لرفض تحويل الهوية إلى سلاح، والمشاركة في تعزيز التضامن والاحترام بين شعوب وثقافات وأمم العالَم — من خلال توظيف ‘السمة المشتركة الأسمى’، بالتأسيس على أنبل التَطَلُّعات لكلّ حضارة. هذه هي مهمة منتدى الدين لمجموعة العشرين (R20)، في الوقت الراهن، وفي السنوات القادمة.

”تاج محل“ في أغرَة، الهند: تحفة فنية من العمارة الهندية-الإسلامية

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع

تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)

قد ترغب في قراءة:

’منهج آشوكا‘ والقيادة الإندونيسية في حركة النهضة التَّعَدُّدِيَّة في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا

التيارات المعاصرة في الإيديولوجيا الإسلاموية لمعهد هودسون