العالَم المضطرب:

”لا يتعلق الانشقاق الأنجليكاني باللاهوت فحسب، بل يتعلق، أيضًا، بالجيو-سياسة“.

”ومن غرائب القَدَر أن نهضة العلماء — وهي حركة للمجتمع المدني إسلامية إصلاحية، ومقرها إندونيسيا، وذات نزعة محافِظَة — حلَّت بحصافة محلَّ الكنيسة الأنجليكانية، وسدَّت الفراغ الذي تركته الأخيرة … ضَمَّت نهضةُ العلماء رئيسَ الأساقفة المطرانيّ هنري شوكودوم ندوكوبا، رئيس الكنيسة الأنجليكانية في نيجيريا، إلى الجلسة الافتتاحية، المكتملة العدد، لقمة القادة الدينيين التي أقيمَت في بالي، في نوفمبر 2022“.

رئيس نهضة العلماء كياي حاج يحيى خليل ثقوف يقدِّم رمزًا تذكاريًا لصاحب النيافة رئيسُ الأساقفة المطرانيّ هنري شوكودوم ندوكوبا، رئيس الكنيسة الأنجليكانية في نيجيريا، في منتدى الدين لمجموعة العشرين في بالي

”لا يتعلق الانشقاق الأنجليكاني باللاهوت فحسب، بل يتعلق، أيضًا، بالجيو-سياسة“.

جيمس دورسي | 24 إبريل 2023

كيجالي، رواندا — ثَمَّ انشقاق بمقدوره تمزيق الكنيسة الأنجليكانية، ويتجاوز حقوق مجتمع ”الميم“ LGBTQ. وهو انشقاق يتعلق بالاختلافات الثقافية والدينية الأساسية، ذو نتائج عميقة ممكنة، وذلك من أجل المعركة الجيو-سياسية لتشكيل النظام العالَمي للقرن 21.

يثير الشَقُّ المعنيُّ أسئلةً عن أولويات كنيسة إنجلترا في وقت تتعرض فيه الأخوية الأنجليكانية في نيجيريا، وهي موطن أكبر جماعة أنجليكانية في العالَم، لهجوم متواصل من ميليشيات إسلامية في بيئة عنف متصاعد في الدولة يستهدف مجتمعات عديدة.

سيارات محترقة بعد غارة الجمعة العظيمة [جمعة الآلام]، في 7 إبريل، 2023، في نجبان، ولاية بينو، نيجيريا. الصورة: لجنة العدالة، والتطوير، والسلام

على الرغم من ذلك، ورد تقرير من الجمعية الدوليّة للحريات المدنيّة وسيادة القانون (ومقرها نيجيريا)، في العام الماضي، قال بأن 52250 مسيحي قُتِلوا في نيجيريا خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية. وقالت المنظمة، أيضًا، إن 34000 مسلم قُتِلوا في الفترة نفسها.

وأشار عالِم السياسي جيديوفور أديبي إلى أن العنف الإسلامي-المسيحي احتل العناوين الرئيسية بسبب التنافس بين الجماعتَيْن الدينيتَيْن.

وقال الأستاذ أديبي إن ”كلا الدينَيْن يتنافسان على الموقع والسيطرة. ويشك كلُّ دين منهما في الآخر من جهة رغبة أيهما في التعدّي على مساحة الآخر، واجتذاب أتباعه منه“.

واستطرد الأستاذ أديبي قائلًا: ”بالمثل، يخشى الكثير من المسلمين أن العولمة والحضارة الغربية يقوّضان الإسلام، وبالتالي، ينظرون إليهما بارتياب، إن لم يَكن بمعاداة“.

وحين سئل القسيس ريتشارد سَدْوُرْث (الرئيس التشريفي للجماعة الأنجليكانية العالَميّة، والمستشار الوطني للشؤون الدينية) عن تصريحات جاستن ويلبي (رئيس أساقفة كانتربيري)، وجَّه الأولُ هذا الكاتبَ إلى قائمة، متاحة عبر الإنترنت، لإعلانات الأستاذ ويلبي الرسمية على مدار العام الماضي، والتي أحالت ولفتت النظر إلى نيجيريا.

رئيس أساقفة كانتربيري المُوَقَّر القسيس جاستن ويلبي. الصورة: جمعية الصحافة Press Association

أغلب التقارير، وعددها ثلاثة وأربعين تقريرًا، لم تُشِر إلى العنف أو ذَكَرَته باختصار فحسب.

ومن غرائب القَدَر أن نهضة العلماء — وهي حركة للمجتمع المدني إسلامية إصلاحية، ومقرها إندونيسيا، وذات نزعة محافِظَة — حلَّت بحصافة محلَّ الكنيسة الأنجليكانية، وسدَّت الفراغ الذي تركته الأخيرة.

وضَمَّت نهضةُ العلماء رئيسَ الأساقفة المطرانيّ هنري شوكودوم ندوكوبا، رئيس الكنيسة الأنجليكانية في نيجيريا، إلى الجلسة الافتتاحية، المكتملة العدد، لقمة القادة الدينيين التي أقيمَت في بالي، في نوفمبر 2022. كانت هذه القمةُ جزءًا من اجتماع مجموعة العشرين، في العام الماضي، في الفترة التي سبقت رئاسة إندونيسيا لمجموعة العشرين مباشرة، وجَمَعَت قادة أكبر اقتصادات في العالَم.

كان الهدفُ من التجمُّع الديني المعنيّ وضعَ الدين في موقع الحلّ للمشكلات العالَميّة بدلًا من أن يَكون سببًا فيها.

وقال الأستاذ ندوكوبا للجَمع إن ”نيجيريا الآن واحدة من أخطر الدول التي يمكنك أن تَكون مسيحيًا فيها … والأمر الذي يثير إشكالية لأقصى مدى هو وجود قلة قليلة من البشر على استعداد للاستماع إلى الضحايا … يُصِرّ الغربُ على أنها مسألة صدامات قَبَلِيَّة بين أرباب الأبرشيات والمزارعين، إذ يتقاتل الطرفان على الموارد الاقتصادية الشحيحة التي تسبب فيها تغيُّرُ المناخ“.

يتهم النُّقادُ قصرَ ”لامبث“، وهو المقر الرسمي لرئيس أساقفة كانتربيري، بانشغاله بمأزق مجتمع ”الميم“ أكثر من انشغاله بمأزق الرَّعِيَّة الأفريقية للكنيسة.

قال النُّقادُ إن موقف الكنيسة الإنجليزية حفَّزَ رفضَ 1300 رجل دين أنجليكاني ومن عموم الناس لقيادة الأستاذ ويلبي في هذا الأسبوع، وهم الذين اجتمعوا في كيغالي (عاصمة رواندا)، وذلك من أجل مؤتمر المستقبل الأنجليكاني العالمي الرابع (GAFCON IV).

الوفود في القاعة الرئيسية لـ (GAFCON IV) في كيغالي: الصورة من gafcon.org

وقال واحد من المعلّقين الذي يحتفظ بعلاقات وثيقة مع قصر لامبث وقادة الكنيسة الأنجليكانيين في نيجيريا إن ”قيادة الطائفة الأنجليكانية يتحولون صوب الجنوب العالَمي، وبالأخص أفريقيا. ولهذا الأمر نتائج كبيرة على السياسة الخارجية الغربية، إذ تَضع المسيحية، في أفريقيا، في معارَضَة مباشِرَة للعناصر المفتاحية في السياسة الخارجية الراهنة الأوروبية والسياسة الخارجية الراهنة للولايات المتحدة“.

وفيما أسماه المؤتمرُ بـتَعَهُّد كيغالي، قال الأنجليكانيون إنهم لم يتحلوا بأي ثقة في قدرة رئيس أساقفة كانتربيري أو ”وسائط الاتصال الروحي التي يقودها (وهي مؤتمر لامبث، والمجلس الاستشاري الأنجليكاني، واجتماعات رؤساء الأساقفة) على توفير طريقة ربّانية للمُضِيّ قُدُمًا بحيث تَكون مقبولة لدى الملتزمين بحق وصدق الكتاب المقدَّس، ووضوحه، وكفايته، وسلطته“.

استجابةً لدعوةٍ، في العام الماضي، لقساوسة مثليي الجنس متزوجين [من النوعين]، إلى مؤتمر عالَمي للإكليروس الأنجليكاني، أعلن قرار كيغالي، الذي قرأه الأستاذ ندوكوبا، أن ترحيبَ الأستاذ ويلبي ”بتهيئة المصادر الليتورجية [الطقسية] لمبارَكَة هذه المُمارَسَات التي تتعارض مع الكتاب المقدَّس … يجعل من غير الممكن الدفاع عن دوره القيادي في الطائفة الأنجليكانية“.

الانشقاقُ المعنيّ في الكنيسة هو النتيجة الثانوية لمقاومة من جانب المُحافِظِين في ”الجنوب العالّمي“ لجهود الولايات المتحدة وأوروبا للإجبار على الاعتراف بحقوق مجتمع ”الميم“؛ وهذا على الرغم من الرفض الرسمي والعام الشائعَيْن.

هناك حساسية تجاه هذه المسألة، وهناك رفض الحكومات وجماعات حقوق الإنسان وحقوق مجتمع ”الميم“ لمُعالَجَة فوقيَّة مركزية-غربية. وعُرِضَت هذه المسألة على الرأي العام في أثناء الفترة التي تسبق مباشرةً كأس العالَم الذي أقيمَ في قطر بالعام الماضي.

وبينما كان القطريون راغبين في تبنّي إصلاح لنظام العمالة المهاجرة الشاق بالدولة، كانوا، في العموم، وعلى أقصى تقدير، راغبين في تبنّي سياسة ”لا تسأل، لا تَقُل“ تجاه جمهور مجتمع ”الميم“ الذي حَضَرَ البطولة.

وأشار الصحافي الرياضي كريم زيدان إلى أن الناشطين الغربيين أخفقوا في التواصل مع الناس من مجتمع ”الميم“ في قطر، وفي الأماكن الأخرى بالشرق الأوسط ليتثبتوا من كيفية شعورهم حيال المُعالَجَات الغربية.

وقال الأستاذ زيدان: ”لا يريد الكثير من هؤلاء الناس الإفصاح علانية عن ميولهم المثلية وَفق نفس الطريقة التي نراها في العالَم الغربي. وليست هذه هي الطريقة التي يريد العالَم العربي التعاملَ مع هذه المسألة وَفقها. ولقد سمعتُ ذلك من أصدقائي شخصيًا. ليس لديهم إحساس بالألفة مع كيفية التعامل مع هذه المسألة في العالَم الغربي“.

بالمثل، استغلَّت روسيا لأكثر من عقد من الزمان الانقسام بين الشمال والجنوب، وهذا الاستغلالُ إحدى عوامل تحفيز الإحجام في الجنوب العالَمي عن إدانة غزو الرئيس فلاديمير بوتين لأوكرانيا. لقد لاقى رفضُ الأستاذ بوتين للتنوُّع الجندري والجنسي استحسانَ المُحافِظين في الجنوب العالَمي.

ومنذ عقدٍ، نَظَّمَ نادي النقاش الدولي ”فالداي“ اجتماعًا في مراكش للجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية. وأكَّد المسؤولون والصحافيون الروسيون أن المسيحيين الأرثوذوكس الروسيين والمسلمين يتشاركون قيمًا مُشْتَرَكَة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الملتقى السنوي التاسع عشر لنادي النقاش الدولي ”فالداي“. الصورة: en.kremlin.ru

وحاجّ الروسيون بأن المساواة للمثليين جنسيًا والجندر هَدَّدَتا حقَّ المرأة في البقاء في المنزل وخدمة أسرتها وأن إيران ينبغي عليها أن تَكونَ نموذجَ حقوق النساء.

وقال المُحَلِّلُ الروسي في أثناء الملتقى إنها ”إستراتيجية مبهرة، إذا كُتِبَ لها النجاح“.

لا يحتاج المُحَلِّلُ إلى أن يَكونَ قَلِقًا. هناك إخفاق من جانب الولايات المتحدة وأوروبا في فهم أن إجبار المحافظِين في الجنوب العالَمي على قبول وتبنّي التصوُّرات الغربية، بدلًا من الانخراط في عملية طويلة المدى تأخذ بعين الاعتبار دواعي القلق المحلية [لكل ثقافة]، من المُرَجَّح له أن يأتي بنتائج عكسية.

ومن المؤكد أن الجهد الروسي لا يُنْتِج من تلقاء ذاته تأييدًا لغزو روسيا لأوكرانيا. لكنه يخلق حسًّا بالقيم المُشْتَرَكَة التي تُقَوِّض التأثيرَ الغربي.

ولنفس السبب، لم يأخذ الأنجليكانيون المُجْتَمِعون في كيغالي روسيا أو أوكرانيا بعين الاعتبار. وعلى الرغم من ذلك، يُضْعِف الانشقاقُ في الكنيسة الأنجليكانية [تأثيرَ] الغرب.

تَعَهُّد كيغالي يقرأه رئيسُ الأساقفة المطرانيّ هنري ندوكوبا

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع

تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي

قد ترغب في قراءة:

الأمين العام لنهضة العلماء يساعد في تشكيل الإستراتيجية البريطانية الكبيرة لانبثاق ”القرن الأوراسي“

وزير الخارجية الأمريكي يحيي نهضة العلماء، وجيراكان بيمودا أنصار، والإسلام للإنسانية وحركة القيم الحضاريَّة المُشْتَرَكَة

الشبكة السياسية الأكبر والأكثر تأثيرًا في أوروبا ترد على التعليقات الاستفزازية للرئيس التركي