نهضة العلماء تُمَكِّن النساء من إصدار الفتاوى

المبدأ الإسلامي: ”إسناد الأمر إلى أهلِه“. الأمرُ بهذه البساطة. إذا كان للنساء قدرة أكبر من قدرة الرجال، فهذه ليست مشكلة. فقد قال النبي عن [زوجته] السيدة عائشة، ما معناه: ”خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء“.

~ كياي حاج يحيى خليل ثقوف
الرئيس العام، المجلس المركزي لنهضة العلماء

نهضة العلماء تحث على اتّباع ”طريق وسط“ بين حَدَّي الإسلاموية والإيديولوجيا العلمانية الحركية

بورواكارتا، جاوة الغربية، 6 مايو 2023 ― لأول مرة في تاريخها الذي يمتد إلى 100 عام، أجازت أكبر منظمة إسلامية في العالَم للباحثات الدينيات المسلمات التعامل مع القضايا المرتبطة بالفقه، بفتح المشاركة أمام النساء في صنع القرار بمؤسسة ”بحث المسائل“.

تتكون مؤسسة بحث المسائل، وهي قسم رفيع الشأن من أقسام نهضة العلماء، من علماء بارزين تؤهلهم معرفتهم، ويؤهلهم إتقانهم للفقه، لإصدار أحكام ذات سلطة فيما يتعلق بمسائل تتسم بأهمية عملية وآنية للمسلمين. تاريخيًّا، وعبر العالَم الإسلاميّ كله، أسبِغَت سلطة إصدار الفتاوي على الرجال على نحوٍ شبه حصري، مع وجود استثناءات نادرة.

في 2019، كانت مؤسسة بحث المسائل مسؤولة عن إصدار سلسلة أحكام تاريخية أبطلت استعمال مصطلح ”الكافر“ لوصف المواطنين من غير المسلمين؛ وأكَّدَت على مشروعية الدولة القومية والقوانين المُشَكَّلَة من خلال الإجراءات السياسية الحديثة؛ وألزمت المسلمين بالكفاح من أجل السلام باعتباره فرضًا دينيًا؛ ووَفَّرَت إطار عمل لتحقيق التوافق بين الأرثوذوكسية الإسلامية ومبادئ القرن 21.

بعد انتخابه في ديسمبر 2021 ليشغل منصب الرئيس العام للمجلس المركزي لنهضة العلماء (PBNU)، عيَّن كياي حاج يحيى خليل ثقوف، حثيثًا، نساء في المجلس المركزي ― وهو إجراء إضافي من بين إجراءات تُتَّخَذ لأول مرة في المنظمة. من بين السيدات المُعَيَّنات، وعددهن 11، أليسا وحيد، ابنة الرئيس الإندونيسي السابق، والرئيس السابق لنهضة العلماء، معالي كياي حاج عبد الرحمن وحيد؛ وخُفيفة إندار باراوانسا وهي حاكمة جاوة الشرقية؛ وبدرية فيومي، رئيسة مجلس العالِمات الإندونيسي (KUPI)، والذي تصفه على أنه ”ليس منظمة رسمية، وإنما عملية مأسسة لمجتمعات وشبكات الإناث: قوةٌ ثقافية“.

في 6 مايو، ألقى الأستاذ ثقوف الخطاب الرئيسي في مؤتمر كانت مدته 3 أيام لمؤسسة بحث المسائل، في ضيافة مدرسة المهاجرين الإسلامية الداخلية في بورواكارتا، جاوة الغربية (الصورة أعلاه). عُقِدَ مؤتمر مؤسسة بحث المسائل، الذي حضرته عشرات العالِمات المسلمات، بالاقتران مع حلقة دراسية عن الفقه الإسلامي من أجل حضارة عالَميّة (فقه الحضارة). يوفّر فقهُ الحضارة إطارَ عمل مفاهيميًّا ولاهوتيًا للمبادرة الواسعة المدى لنهضة العلماء لإعادة غرس المبادئ البالية والإشكالية في سياقها بالأرثوذوكسية الإسلامية.

في خطابه، رحَّبَ الأستاذ ثقوف بمشاركة العالِمات المسلمات وقال:

السيدات والسادة، حضرات العلماء المسلمين، حضرات العالِمات المسلمات. لقد طلبتُ من كياي محبوب [الأمين العام لمؤسسة بحث المسائل] أن يشير إلى السيدات المدعوات اليوم هنا بـ نياي [أي، العالِمة المسلمة]، لأنكن متمكنات، حقًّا، من الفقه الإسلامي.

لستن نساء يُشار إليهن [على نحوٍ مغلوط] ― عند ارتدائكن غطاء الرأس فقط ― باعتباركن علماء. وأنا على ثقة من أن العالِمات المسلمات الحاضرات اليوم هنا، بمشيئة الله، عالِمات من النساء، من خلفية أصيلة تنتمي إلى نهضة العلماء.

نريد أن نرى عالِمات مسلمات يُبدعن دورًا عظيمًا داخل نهضة العلماء. نريد أن نرى عالِمات باحثات مسلمات درسن في نهضة العلماء.

بمرور السنوات، لاحظتُ وجود مبادَرَات متعددة تزعم أنها تُعِين النساء العالِمات، لكنني أردت، دومًا، التيقُّن من كون هؤلاء السيدات عالِمات داخل نهضة العلماء أم لا.

واليوم، الحمد لله ― بمساعدة كياي أبون بونيامين وبحث المسائل، بقيادة باك محبوب معافي ― نجحنا، بالفعل، في إطلاق هذا المجلس [للعالِمات].

سيُبرز المجلسُ العملَ الذي تُنجزه العالِمات للدرجة التي ستجعل، وأنا آسف لقول ذلك، دور العلماء الدينيين صغيرًا في نهضة العلماء [ضحك]. سنرى من أي معدن صُنِعَت العالِمات المسلمات.

وقال الأستاذ ثقوف، في شرحه لجدارة النساء بالقيادة:

في يوم ما، سألني باك أولي الأبصار عبد الله، ”ما الذي نريد، فعلًا، إنجازه [من خلال فقه إسلامي من أجل حضارة عالَميّة]، فيما يتعلق بالنساء؟“، وكانت إجابتي، ببساطة: ”أن يَكون لدى النساء نفس الفرص التي تمكنهن من تطوير قدراتهن. وكان هذا مطلب [الناشطتين البارزتَين بنهضة العلماء] نياي جويسيه ونياي سيتي سارة [في أثناء مؤتمر نهضة العلماء، في مينيس، 1938]“.

يلزم أن تحظى النساء بنفس الفرص كالرجال. إذا كان الرجال بإمكانهم تلاوة القرآن، ينبغي أن تَكون النساء قادرات على فعل ذلك أيضًا. إذا كان للرجال الدراسة، ينبغي السماح للنساء بذلك. فكرتي هنا مفادها أنه إذا كان للرجال أن يكونوا متعلمين، كذلك ينبغي أن تَكون النساء.

هذا ما طالَبَت به نياي جويسيه ونياي سيتي سارة، لأن ”طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة“.

إذا كان للرجال والنساء التمتع بفرص متساوية، سيصبح الباقي من الأمر مسألة قدرة. مَن كان لديه [أو كانت لديها] القدرة الأكبر ينبغي تعيينه [أو تعيينها]، اقتداء بالمبدأ الإسلامي: ”إسناد الأمر إلى أهلِه“.

الأمرُ بهذه البساطة. إذا كان للنساء قدرة أكبر من قدرة الرجال، فهذه ليست مشكلة. فقد قال النبي عن [زوجته] السيدة عائشة، ما معناه: ”خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء“.

وواقع الحال، كذلك، أن [ابنة النبي] فاطمة أصبحت مصدرًا ومرجعًا في فتاوى زوجها [علي]. وكانت المسألة مسألة قدرة. ويشمل ذلك الأمرُ كياي محبوب هنا، الذي طَلَبَ فتوى من زوجته؛ والمسألةُ مسألة قدرة [ضحك].

أريد أيضًا التأكيد على أنني عندما عَيَّنت عددًا من النساء في المجلس المركزي لنهضة العلماء، كان ذلك راجعًا إلى كفاءاتهم الشخصية. لست مولعًا بالحصص المحددة [أي، الكوتا]. لماذا نحتاج إليها؟ إذا كان ثَمَّ نساء أقدر من الرجال، إذًا، ببساطة، هذه مشكلة تخص الرجال. المسألة مسألة قدرة. والمبدأ بسيط: ”إسناد الأمر إلى أهله“.

الموقرة خُفيفة إندار باراوانسا، حاكمة جاوة الشرقية وعضو في المجلس المركزي لنهضة العلماء، في زيارتها للقائد الروحي لنهضة العلماء، كياي حاج أ. مصطفى بشري. تحكم الموقرة خُفيفة أكبر إقليم مأهول بالسكان في إندونيسيا، ويسكن فيه 42 مليون شخص.

في خطابه لأتباع نهضة العلماء المسلمين من أهل السنَّة ― وكثير منهم محافظون ― أشار الأستاذُ ثقوف إلى أن قيادةَ النساء أمر حيويّ في سياق يتصاعد فيه تهديد الإيديولوجيات العلمانية لتماسك أول وحدة، وأهم وحدة، في المجتمع، أي، الأسرة:

لا أزال أساهم ― كما يساهم، بحسب اعتقادي، باك أولي [الأبصار عبد الله] كذلك ― بقوة وفعالية في المنتديات المتعددة للحوار بين الأديان منذ ثمانينيات القرن 20. وفي تسعينيات القرن 20 وبدايات الألفية الجديدة، بدأ نزوع جديد في الانبثاق، وبمقتضى هذا النزوع، شُرِعَ في تقديم أجندات لم تنشأ في نطاق بيئة دينية، وصارت تُناقَش في سياق الحوار بين الأديان. ولقد وصل الأمر إلى درجة أن تلك الأجندات العلمانية صار من الممكن تأييدها باسم الدين.

نريد فحص المشكلات التي تواجهنا ونجيب عليها من منظور تقليدنا ― وأقصد، بواسطة تطوير تبصرات متجذّرَة في تقاليد أهل السُّنَّة والجماعة ― ونتجنب محض الترديد الأجوف للنقاط والموضوعات أو الإيديولوجيات المُدَبَّرة في مكان آخر. نريد أن نتحمل مسؤولية إيجاد حلول للمشكلات الحقيقية التي تواجهنا.

لهذا السبب، سيداتي وسادتي، أخبرتُ ”مُسلِمات“ [وهي منظمة سيدات نهضة العلماء] و”فتيات“ [وهي منظمة شابَّات نهضة العلماء] أنه لا ينبغي عليهن تبنّي النسويّة العلمانية: بالتحديد، لأن النسويّة إيديولوجيا، ومجموعة أفكار مُتَصَوَّرَة من خارج أي بيئة إسلامية. لا نحتاج إلى أن نتخبط في أثناء بحثنا عن حجج إسلامية لتسويغ النسويّة. ما الهدف من ذلك؟

دعونا نفكر في دور النساء، واحتياجاتهن، من منظور إسلاميّ، بدلًا من التفكير في هذين الأمرين من منظور نسويّ علمانيّ. تتكون النسويّة من نظريات وتحليلات عديدة تحوَّلَت، لاحقًا، إلى إيديولوجيا مكتملة في الغرب. إذا تبنينا فهم ”نسويّ“ للنساء دون نقدٍ، وبدون التفكير في هذه المسائل من منظور إسلامي (التفسير)، إذًا، سنَكون مثل ذيل حيوان له أربعة أَرْجُل، إذ نتبنى أجندات خارجية يتصورها أشخاص ”لا يعلمهم سوى الله“ من أجل غرضٍ ”لا يعلمه سوى الله“.

إذا فحصنا النسويّة المعاصرة، نجد أنها قد أصبحت، بوضوح، نمطَ خطابٍ مهيمنًا في الغرب، وتَحَوَّلَت إلى إيديولوجيا تسعى إلى تفكيك فهم تقليديّ يتعلق بالنساء … تَطَوَّرَت النسويّة، بعد ذلك، فأصبحت تتبنى ”الشمولية الجندرية“، وهي التي تستتبع مطالب من أجل المساواة الجنسية باسم العدل. ثُمَّ تَحَوَّلَ مفهوم الجندر نفسه بحيث لم يَعُد مسألة اختلافات بيولوجية، وإنما صار، كذلك، مسألة توجُّه جنسيّ، وبما يشمل ”مجتمع الميم LGBTQ“، إلخ.

إذا كان لنا تبنّي إيديولوجيا نسويّة علمانية، سنسترشد بأفكار غُرِسَت وأينعت خارج أيّ بيئة دينية. لا نحتاج إلى السير على هذه الأجندات، ولا نحتاج إلى استعمال توصيفات رائجة لوصف أفكار نطوّرها في بيئتنا الإسلامية.

لدينا، بالفعل، نشاطية للنساء، تضطلع بها ”مسلمات“ و”فتيات“، والآن، تضطلع بها منتديات تأسست من أجل العالِمات المسلمات. لكننا لسنا في حاجة إلى تسمية نمط نشاطيتنا بـ ”النسويّة“. لأي هدف؟ ما الذي سنجنيه إذا فعلنا ذلك؟

أعتبر هذا الأمر مسألة مهمة للغاية تواجه المجلس المركزي لنهضة العلماء، وهو مسألة يلزم علينا التعامُل معها. وذلك لوجود حركات متعددة تتميز بنشاطها على الساحة الدولية، وهي الحركات التي تسعى، بعدائية واضحة، إلى اختراق المؤسسات الدينية مثل نهضة العلماء.

لسنا وحدنا المُعرَّضين للاختراق، ولسنا وحدنا الواقعين تحت ضغط من هذه الحركات. وعلى سبيل المثال، لقد حدث، مؤخرًا، انشقاق يفوق الوصف، داخل الاتحاد الأنجليكاني ― وهو كنيسة إنجلترا ― عندما، أصدرت، فجأة، السلطةُ الأنجليكانية المركزية في إنجلترا فتوى تسمح بمبارَكَة الزيجات المثليّة داخل الكنائس التابعة لكنيسة إنجلترا. رفضَ الأنجليكانيون بإفريقيا هذا الإجراء. وعلى نحوٍ مميّز، يتفوق الأنجليكانيون في إفريقيا، في عددهم، على أولئك الذين لا يزالون مؤمنين ممارسين في إنجلترا!

لقد اتحَدَ الأنجليكانيون الأفارقة بالفعل، لكي ينفصلوا عن ”كنيستهم الأم“ التاريخية في إنجلترا. الآن، لماذا تصرَّفَت كنيسة إنجلترا وَفق هذه الطريقة؟ لأنها كانت، منذ زمان طويل، ولا تزال، هدفًا للضغط الشديد والاختراق العنيف من الإيديولوجيات العلمانية.

في فنلندا، ثَمَّ أُسقُف لوثريّ نَشَرَ كُتَيِّبًا عن قيم الأسرة في المسيحية. وفي هذا الكُتَيِّب، قيل إن الزواج المثليّ غير متوافِق مع التعاليم المسيحية.

قد يُقارَن بين هذا الكُتَيِّب والكراريس [أو الإمساكيات] التي تُوَزَّع بعد صلاة الجمعة. انشغل هذا الكُتَيِّب بقيم الأسرة وأوضح أن الزواج المثليّ لا يُعْتَبَر مقدسًا في المسيحية.

قُدِّم للشرطة بلاغ عن هذا الأُسقُف اللوثريّ واستُدْعِيَ للمحكمة بسبب ترويج خطاب تمييزيّ يتعلق بمثليي الجنس.

في فنلندا ― إذا كان ثَمَّ مشايخ مسلمون لا يريدون عقد الزواج بين شخصين من نفس الجنس ― قد يَكونون، في المستقبل، معرضين لعقوبة من الدولة [ضحك بدهشة]. هذا أمر يفوق الوصف والقدرة على التخيُّل.

حوكِمَت وزيرة الداخلية الفنلندية السابقة بايفي راسانين، مع القسيس اللوثريّ يوهان بوهيالا، بسبب ”خطاب كراهية“ لاستشهادها بنَصٍّ مسيحيّ

علينا النظر في هذه المسائل ومسائل أخرى، لأننا نمتلك الكثير من المصادر والمواد نستقي منها في أثناء تطويرنا لخطاب إسلامي يتعلق بقضايا المرأة….

والآن، من الصحيح أننا نتعامل، في هذه المساحة، مع مشكلات كثيرة مرتبطة بتعاليمنا الدينية. ثَمَّ الكثير من النصوص والتأويلات التي قد تُعْتَبَر مُقَيِّدَة لأدوار المرأة، وتُعْتَبَر خالقة للتمييز ضد النساء، بل تتصور النساء باعتبارهن مصادر للفتنة أو باعتبارهن محرضات على الفتنة.

على سبيل المثال، يُقال أحيانًا إن النساء لا ينبغي عليهن تأدية صلاة الجماعة في المساجد لأنه أمر سيؤدي إلى الفتنة، وهكذا تباعًا. يتطلب هذا الأمرُ المزيدَ من التفكُّر، الذي قد يحدث داخل إطار إعادة غرس التعاليم الدينية في سياقها، كما نفعل حاليًا مع الفقه الإسلامي من أجل حضارة عالَميّة. في هذه الحالة، نحتاج إلى إجلاء ماهية المبادئ المعاصرة، فيما يتعلق بالنساء، في وقت انبثاق هذه التعاليم. هل تُكَوِّن هذه المبادئ مذهبًا دينيًا قطعيًّا، أم أنها، ببساطة، مسألة ثقافة؟

إن التمكين التاريخي للنساء، في نهضة العلماء، الذي اضطلع به الأستاذ ثقوف، يُمَثِّل جهوده لإعادة غرس المبادئ البالية والإشكالية في الأرثوذوكسية الدينية. كان الحَدَثُ المقام في 6 مايو واحدًا من مئات الحلقات التي تنظمها نهضةُ العلماء على امتداد العام الماضي لدمج فقه الحضارة في المجتمع من خلال شبكتها الهائلة المكونة من 28000 مدرسة إسلامية داخلية. وما يلي هو النَّص العربي الكامل لخطبة الأستاذ ثقوف، ومدتها 38 دقيقة، والتي يمكن مطالعتها كذلك باللغة الإندونيسية أسفله.

كياي حاج يحيى خليل ثقوف يسعى إلى الإقرار بالعالِمات المسلمات وتمكينهن

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله والشكر لله والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه،

السيدات والسادة، حضرات العلماء المسلمين، حضرات العالِمات المسلمات. لقد طلبتُ من كياي محبوب [الأمين العام لمؤسسة بحث المسائل] أن يشير إلى السيدات المدعوات اليوم هنا بـ نياي [أي، العالِمة المسلمة]، لأنكن متمكنات، حقًّا، من الفقه الإسلامي.

لستن نساء يُشار إليهن [على نحوٍ مغلوط] ― عند ارتدائكن غطاء الرأس فقط ― باعتباركن علماء. وأنا على ثقة من أن العالِمات المسلمات الحاضرات اليوم هنا، بمشيئة الله، عالِمات من النساء، من خلفية أصيلة تنتمي إلى نهضة العلماء.

في البدء، دعوني أرحّب بالموقَّر، الفاضل، كياي أبون بنيامين، رئيس نهضة العلماء في جاوة الغربية، والذي يصحبه أعضاء كبار من المجلس المركزي لنهضة العلماء. وأرحّب بالكياي أولي الأبصار عبد الله، رئيس ”لاكبيسدام“ (معهد نهضة العلماء للدراسة وتطوير الموارد البشرية)، وكياي حاج محبوب معافي [الأمين العام لبحث المسائل وهو قسم بنهضة العلماء يتعامل مع المسائل المرتبطة بالفقه]، وزوجته الفاضلة هي التي أعدَّت المراسيم هنا اليوم.

وانضم إلينا، كذلك، شخص مكانته عالية، وهو الكياي ”سِرْمِدِي“، أمين المجلس الأعلى لنهضة العلماء. وأنا على يقين، سيداتي وسادتي، من أن اسمه كان يجب أن يَكون ”سَرْمَدِيّ“ [أي، الأبديّ أو الدائم]، وكل ما في الأمر أنك عندما تقرأ اسمه بدون الحركات في اللغة العربية، يصبح اسمه ”سِرْمِدِي“ [ضحكات من الحضور].

أرحّب بالأصدقاء الموقرين من وزارة الشؤون الدينية وحكومة مدينة ”بورواكارتا“. الحمد لله، هذه مبادرة رغبت طويلًا في تفعيلها: مجلس خبيرات مُكَوَّن من نساء قادرات على أداء دور وسيط يوحِّد العالِمات المسلمات من نهضة العلماء.

ثَمَّ اعتبارات متعددة أذكرها في هذا الصدد. أولًا، يحتوي اسم ”نهضة العلماء“ على الكلمة العربية المرادفة لأهل البحث باللغة الإنجليزية ― العلماء. والمقصود من ذلك هو أن نهضة العلماء تتكون، بحق، من أهل العلم. ويشير قولي ”أهل العلم“، في هذا السياق إلى المتخصصين في علوم الدين. وبالتالي، المُشار إليهم بـ ”العلماء“، في مصطلح ”نهضة العلماء“، هم علماء الدين ― وهم العلماء المتعمقون حقًّا في العلوم الدينية. لذا، سيتكون هذا المجلس من علماء مسلمين حقيقيين.

ثَمَّ مفهوم يقول بأن تصنيف ”العلماء“ ينبغي توسيعه ليشمل الخبراء في مجالات أخرى متعددة. وبصراحة شديدة، لا نستطيع قبول ذلك الأمر، لأنه يختلف عن مقاصد مؤسسي نهضة العلماء عندما استعملوا مصطلح ”عالِم“. ولا نستطيع، على سبيل المثال، تعيين باحث أو عالِم في الرياضيات في المجلس المركزي لنهضة العلماء، ما لم يَكُن هذا الشخص، كذلك، عالِمًا في الدين، وهو المقصود بمصطلح ”علماء“ في أي وسطٍ لنهضة العلماء.

إذًا، هذا هو الاعتبار الأول. نريد أن نرى عالِمات مسلمات يُبدعن دورًا عظيمًا داخل نهضة العلماء. نريد أن نرى عالِمات باحثات مسلمات درسن في نهضة العلماء.

بمرور السنوات، لاحظتُ وجود مبادَرَات متعددة تزعم أنها تُعِين النساء العالِمات، لكنني أردت، دومًا، التيقُّن من كون هؤلاء السيدات عالِمات داخل نهضة العلماء أم لا.

واليوم، الحمد لله ― بمساعدة كياي أبون بنيامين وبحث المسائل، بقيادة باك محبوب معافي ― نجحنا، بالفعل، في إطلاق هذا المجلس [للعالِمات].

سيُبرز المجلسُ العملَ الذي تُنجزه العالِمات للدرجة التي ستجعل، وأنا آسف لقول ذلك، دور العلماء الدينيين صغيرًا في نهضة العلماء [ضحك]. سنرى من أي معدن صُنِعَت العالِمات المسلمات.

السيدات والسادة، سأخبركم بالأمر المهم: لقد لاحظتُ وجود مسار واضح حينما يناقش الناسُ الإسلامَ في علاقته بأفكار تنشأ من ديناميات سوسيو-سياسية وثقافية قومية أو دولية. على سبيل المثال، كان ثَمَّ وقت يصوغ فيه الناس ادّعاءات عن الدور الرياديّ للإسلام في مجالات متعددة، وذلك باتخاذهم مواقف فكرية سَعَت ― في الحد الأدنى ― إلى جعل العلاقة بين الإسلام والأفكار الجديدة الرائجة متوافقة.

حدث ذلك، على سبيل المثال، عندما بزغ نجم خطابٍ عن أفضلية العلم. وفي رأيي، كانت الأفكار التي تطورت قرب نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 [في العالَم الإسلامي] بمثابة استجابة لإحساس الحضارة التركية العثمانية بأن الإنجازات الفائقة لمنافسيها قد هزمتها، وأقصد، بالتحديد، الحضارة الأوروبية.

وبتطور المعرفة العلمية بسرعة شديدة في أوروبا، ولاحقًا، بانهزام الحضارة الإسلامية، انبثق ادّعاء جديد. وقال هذا الادعاء إن الإسلام، في الواقع، كان رائدَ المعرفة العلمية. وبالمثل، كلما انبثقت نزعة فكرية ما، وراجت في مكان ما بالعالَم، يَكون ذلك مصحوبًا بادّعاء يقول إن الإسلام، في الواقع، إما يتوافق مع هذه النزعة الرائجة، أو، بالفعل، كان من روادها.

عندما تطوَّر خطاب عن عملية التحوُّل للديمقراطية، ظهرت ادّعاءات تقول بأن الإسلام، أيضًا، يدعم الديمقراطية. عُثِرَ على آيات متعددة تصب في صالح الحجة القائلة بأن الإسلام، في الواقع، نصير الديمقراطية. ولقد حدثت هذه العملية حتى عندما أصبحت الاشتراكية شائعة بين دول العالَم الإسلامي المستقلة حديثًا، مثل مصر، في ظل حكم جمال عبد الناصر.

ولقد أصدرت ”أم كلثوم“ أغنية تمتدح النبي محمد ― صلَّى الله عليه وسلَّم ― وتقول فيها ”الاشتراكيون أنت (يا محمَّد) إمامهم“. كَتَبَ الشاعرُ المصري أحمد شوقي القصيدةَ الأصلية، وكان يُعتَبَر أفضل شاعر مصري، أمير الشعراء المصريين. ادُّعيَ أن النبي محمد قائد الاشتراكية!

ثَمَّ نزوع واضح، من هذا النوع. ولستُ واثقًا من ماهية السيكولوجية أو العقلية التي نشأ منها هذا النزوع، لأن هذا النزوع ظلَّ موجودًا لفترة زمنية طويلة جدًا.

بالفعل، ثَمَّ، غالبًا، أطراف معنيّة، لديها احتياجات ومصالح مُعَيَّنَة يسعون إلى استخدام الإسلام لتعزيزها. ويشمل ذلك الأمرُ، على سبيل المثال، حكومات وجهات أخرى مُعَيَّنَة تفعل ذلك كلما أرادت تعزيز أجندتها. ولتحقيق غايتهم، يجبرون الإسلام ― والأديان الأخرى ― على تطوير خطابات تؤيد أجندتهم.

لا أزال أساهم ― كما يساهم، بحسب اعتقادي، باك أولي [الأبصار عبد الله] كذلك ― بقوة وفعالية في المنتديات المتعددة للحوار بين الأديان منذ ثمانينيات القرن 20. وفي تسعينيات القرن 20 وبدايات الألفية الجديدة، بدأ نزوع جديد في الانبثاق، وبمقتضى هذا النزوع، شُرِعَ في تقديم أجندات لم تنشأ في نطاق بيئة دينية، وصارت تُناقَش في سياق الحوار بين الأديان. ولقد وصل الأمر إلى درجة أن تلك الأجندات العلمانية صار من الممكن تأييدها باسم الدين.

نستطيع أن نرى، على سبيل المثال، كيفية انبثاق أجندات مثل تغيُّر المناخ، والإدماج، إلخ، خارج بيئة دينية ثُمَّ أُقْحِمَت في الخطاب الدينيّ. وأتحدث بكل صراحة، ليس هذا الأمر جديدًا بأي حالٍ من الأحوال. في ثمانينيات القرن العشرين، أُقْحِمَت أجندة الحكومة الإندونيسية لتنظيم الأسرة في بيئات دينية كي تُناقَش وتُشَرْعَن باسم الدين. بالفعل، كانت نهضةُ العلماء نشطة للغاية في هذه المسألة، لدرجة أنني أستطيع قول إن نهضة العلماء كانت السببَ الرئيسيّ وراء نجاح برنامج تنظيم الأسرة. [لقد فعلت نهضةُ العلماء ذلك لأن] تنظيم الأسرة موصى به في الإسلام بالفعل.

لقد تحوَّل هذا النزوع ليصبح شاملًا مجموعة متعددة من الأجندات على نحوٍ متزايد. وفجأة، حُفِّزنا لدعم وتأييد ”الفقه الإسلامي للإعاقة“، أو دعم وتأييد خطاب عن فقه أهداف التنمية المستدامة.

والآن، يعزِّز المجلسُ المركزي لنهضة العلماء (PBNU) خطابًا عن الفقه الإسلامي من أجل حضارة عالَميّة (فقه الحضارة)، ولذلك، أريد أن أستغل هذه الفرصة لأقول لكم، من باب الشرح والتفسير، إن منطقَ فقه الحضارة مختلفٌ عن هذا النزوع الذي ينشد تعزيز فقه الإعاقة، أو فقه تغيُّر المناخ، أو فقه أهداف التنمية المستدامة، إلخ. يمكن تضمين فقه تنظيم الأسرة في فقه الحضارة [لأن تنظيمَ الأسرة محثوث عليه في الإسلام].

أما بالنسبة إلى الخطابات الأخرى المتعلقة بالفقه، والتي تظهر من آن لآخر، نجد أنها تنشأ، بوضوح شديد، من جماعات المصالح الخاصة التي تَكون معنيّة، بالأساس، بجعل أجنداتها العلمانية شرعية باسم الدين.

لم يَصغ العلماءُ المسلمون أهدافَ التنمية المستدامة. لقد صاغها، في البداية، آخرون، ثم استُدْعِيَ العلماءُ البارزون والشخصياتُ الدينية البارزة من أجل تأييد ودعم أهداف التنمية المستدامة ومن أجل تجميع حِجاج دينيّ يمكن، تقريبًا، تقديمه باعتباره مؤيدًا وداعمًا لأهداف التنمية المستدامة، وهكذا تباعًا.

والآن، الفقه الإسلامي من أجل حضارة عالمية مختلفٌ، لأن سؤال الحضارة يُفْحَص من منظور إسلاميّ. ليس لدينا، حتى الآن، وصفة لتحديد ماهية شكل العلاقة التي ينبغي على هذه الحضارة اتخاذها بالضبط. علينا، أولًا، استكشاف المسألة ثم الإسهاب فيها. هذا ما نريد تحقيقه في المستقبل: نريد التصرُّف في توافُقٍ مع تبصراتنا الخاصة، وبالأخص، التبصرات التي يوفّرها أهلُ السُّنَّة والجماعة.

نريد فحص المشكلات التي تواجهنا ونجيب عليها من منظور تقليدنا ― وأقصد، بواسطة تطوير تبصرات متجذّرَة في تقاليد أهل السُّنَّة والجماعة ― ونتجنب محض الترديد الأجوف للنقاط والموضوعات أو الإيديولوجيات المُدَبَّرة في مكان آخر. نريد أن نتحمل مسؤولية إيجاد حلول للمشكلات الحقيقية التي تواجهنا.

لهذا السبب، سيداتي وسادتي، أخبرتُ ”مُسلِمات“ [وهي منظمة سيدات نهضة العلماء] و”فتيات“ [وهي منظمة شابَّات نهضة العلماء] أنه لا ينبغي عليهن تبنّي النسويّة العلمانية: بالتحديد، لأن النسويّة إيديولوجيا، ومجموعة أفكار مُتَصَوَّرَة من خارج أي بيئة إسلامية. لا نحتاج إلى أن نتخبط في أثناء بحثنا عن حجج إسلامية لتسويغ النسويّة. ما الهدف من ذلك؟

دعونا نفكر في دور النساء، واحتياجاتهن، من منظور إسلاميّ، بدلًا من التفكير في هذين الأمرين من منظور نسويّ علمانيّ. تتكون النسويّة من نظريات وتحليلات عديدة تحوَّلَت، لاحقًا، إلى إيديولوجيا مكتملة في الغرب. إذا تبنينا فهم ”نسويّ“ للنساء دون نقدٍ، وبدون التفكير في هذه المسائل من منظور إسلامي (التفسير)، إذًا، سنَكون مثل ذيل حيوان له أربعة أَرْجُل، إذ نتبنى أجندات خارجية يتصورها أشخاص ”لا يعلمهم سوى الله“ من أجل غرضٍ ”لا يعلمه سوى الله“.

إذا فحصنا النسويّة المعاصرة، نجد أنها قد أصبحت، بوضوح، نمطَ خطابٍ مهيمنًا في الغرب، وتَحَوَّلَت إلى إيديولوجيا تسعى إلى تفكيك فهم تقليديّ يتعلق بالنساء.

في أثناء كأس العالم لكرة القدم، على سبيل المثال، كان ثَمَّ لاعب مغربي [أشرف حكيمي] سَجَّلَ هدفًا ثم احتضن أمَّه على الملأ وأشاد بفضلها في نجاحه. فجأة، انتقدت شخصيةٌ هولندية نسويّة بارزة، نسيتُ اسمها، حكيمي لفعله ذلك الأمر. وقالت ”لا تُمَجّدوا الأمهات، إذ لا ينبغي تقييد النساء بدور الأمومة فقط“. لقد أصبحت كتابات هذه السيدة النسوية الهولندية رائجة للغاية. وهذه هي النسويّة.

تَطَوَّرَت النسويّة، بعد ذلك، فأصبحت تتبنى ”الشمولية الجندرية“، وهي التي تستتبع مطالب من أجل المساواة الجنسية باسم العدل. ثُمَّ تَحَوَّلَ مفهوم الجندر نفسه بحيث لم يَعُد مسألة اختلافات بيولوجية، وإنما صار، كذلك، مسألة توجُّه جنسيّ، وبما يشمل ”مجتمع الميمLGBTQ“، إلخ.

إذا كان لنا تبنّي إيديولوجيا نسويّة علمانية، سنسترشد بأفكار غُرِسَت وأينعت خارج أيّ بيئة دينية. لا نحتاج إلى السير على هذه الأجندات، ولا نحتاج إلى استعمال توصيفات رائجة لوصف أفكار نطوّرها في بيئتنا الإسلامية.

لدينا، بالفعل، نشاطية للنساء، تضطلع بها ”مسلمات“ و”فتيات“، والآن، تضطلع بها منتديات تأسست من أجل العالِمات المسلمات. لكننا لسنا في حاجة إلى تسمية نمط نشاطيتنا بـ ”النسويّة“. لأي هدف؟ ما الذي سنجنيه إذا فعلنا ذلك؟

أعتبر هذا الأمر مسألة مهمة للغاية تواجه المجلس المركزي لنهضة العلماء، وهو مسألة يلزم علينا التعامُل معها. وذلك لوجود حركات متعددة تتميز بنشاطها على الساحة الدولية، وهي الحركات التي تسعى، بعدائية واضحة، إلى اختراق المؤسسات الدينية مثل نهضة العلماء.

لسنا وحدنا المُعرَّضين للاختراق، ولسنا وحدنا الواقعين تحت ضغط من هذه الحركات. وعلى سبيل المثال، لقد حدث، مؤخرًا، انشقاق يفوق الوصف، داخل الاتحاد الأنجليكاني ― وهو كنيسة إنجلترا ― عندما، أصدرت، فجأة، السلطةُ الأنجليكانية المركزية في إنجلترا فتوى تسمح بمبارَكَة الزيجات المثليّة داخل الكنائس التابعة لكنيسة إنجلترا. رفضَ الأنجليكانيون بإفريقيا هذا الإجراء. وعلى نحوٍ مميّز، يتفوق الأنجليكانيون في إفريقيا، في عددهم، على أولئك الذين لا يزالون مؤمنين ممارسين في إنجلترا!

لقد اتحَدَ الأنجليكانيون الأفارقة بالفعل، لكي ينفصلوا عن ”كنيستهم الأم“ التاريخية في إنجلترا. الآن، لماذا تصرَّفَت كنيسة إنجلترا وَفق هذه الطريقة؟ لأنها كانت، منذ زمان طويل، ولا تزال، هدفًا للضغط الشديد والاختراق العنيف من الإيديولوجيات العلمانية.

في فنلندا، ثَمَّ أُسقُف لوثريّ نَشَرَ كُتَيِّبًا عن قيم الأسرة في المسيحية. وفي هذا الكُتَيِّب، قيل إن الزواج المثليّ غير متوافِق مع التعاليم المسيحية.

قد يُقارَن بين هذا الكُتَيِّب والكراريس [أو الإمساكيات] التي تُوَزَّع بعد صلاة الجمعة. انشغل هذا الكُتَيِّب بقيم الأسرة وأوضح أن الزواج المثليّ لا يُعْتَبَر مقدسًا في المسيحية.

قُدِّم للشرطة بلاغ عن هذا الأُسقُف اللوثريّ واستُدْعِيَ للمحكمة بسبب ترويج خطاب تمييزيّ يتعلق بمثليي الجنس.

في فنلندا ― إذا كان ثَمَّ مشايخ مسلمون لا يريدون عقد الزواج بين شخصين من نفس الجنس ― قد يَكونون، في المستقبل، معرضين لعقوبة من الدولة [ضحك بدهشة]. هذا أمر يفوق الوصف والقدرة على التخيُّل.

علينا النظر في هذه المسائل ومسائل أخرى، لأننا نمتلك الكثير من المصادر والمواد نستقي منها في أثناء تطويرنا لخطاب إسلامي يتعلق بقضايا المرأة.

في يوم ما، سألني باك أولي الأبصار عبد الله، ”ما الذي نريد، فعلًا، إنجازه [من خلال فقه إسلامي من أجل حضارة عالَميّة]، فيما يتعلق بالنساء؟“، وكانت إجابتي، ببساطة: ”أن يَكون لدى النساء نفس الفرص التي تمكنهن من تطوير قدراتهن. وكان هذا مطلب [الناشطتين البارزتَين بنهضة العلماء] نياي جويسيه ونياي سيتي سارة [في أثناء مؤتمر نهضة العلماء، في مينيس، 1938]“.

يلزم أن تحظى النساء بنفس الفرص كالرجال. إذا كان الرجال بإمكانهم تلاوة القرآن، ينبغي أن تَكون النساء قادرات على فعل ذلك أيضًا. إذا كان للرجال الدراسة، ينبغي السماح للنساء بذلك. فكرتي هنا مفادها أنه إذا كان للرجال أن يكونوا متعلمين، كذلك ينبغي أن تَكون النساء.

هذا ما طالَبَت به نياي جويسيه ونياي سيتي سارة، لأن ”طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة“.

إذا كان للرجال والنساء التمتع بفرص متساوية، سيصبح الباقي من الأمر مسألة قدرة. مَن كان لديه [أو كانت لديها] القدرة الأكبر ينبغي تعيينه [أو تعيينها]، اقتداء بالمبدأ الإسلامي: ”إسناد الأمر إلى أهلِه“.

الأمرُ بهذه البساطة. إذا كان للنساء قدرة أكبر من قدرة الرجال، فهذه ليست مشكلة. فقد قال النبي عن [زوجته] السيدة عائشة، ما معناه: ”خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء“.

وواقع الحال، كذلك، أن [ابنة النبي] فاطمة أصبحت مصدرًا ومرجعًا في فتاوى زوجها [علي]. وكانت المسألة مسألة قدرة. ويشمل ذلك الأمرُ كياي محبوب هنا، الذي طَلَبَ فتوى من زوجته؛ والمسألةُ مسألة قدرة [ضحك].

أريد أيضًا التأكيد على أنني عندما عَيَّنت عددًا من النساء في المجلس المركزي لنهضة العلماء، كان ذلك راجعًا إلى كفاءاتهم الشخصية. لست مولعًا بالحصص المحددة [أي، الكوتا]. لماذا نحتاج إليها؟ إذا كان ثَمَّ نساء أقدر من الرجال، إذًا، ببساطة، هذه مشكلة تخص الرجال. المسألة مسألة قدرة. والمبدأ بسيط: ”إسناد الأمر إلى أهله“.

والآن، من الصحيح أننا نتعامل، في هذه المساحة، مع مشكلات كثيرة مرتبطة بتعاليمنا الدينية. ثَمَّ الكثير من النصوص والتأويلات التي قد تُعْتَبَر مُقَيِّدَة لأدوار المرأة، وتُعْتَبَر خالقة للتمييز ضد النساء، بل تتصور النساء باعتبارهن مصادر للفتنة أو باعتبارهن محرضات على الفتنة.

على سبيل المثال، يُقال أحيانًا إن النساء لا ينبغي عليهن تأدية صلاة الجماعة في المساجد لأنه أمر سيؤدي إلى الفتنة، وهكذا تباعًا. يتطلب هذا الأمرُ المزيدَ من التفكُّر، الذي قد يحدث داخل إطار إعادة غرس التعاليم الدينية في سياقها، كما نفعل حاليًا مع الفقه الإسلامي من أجل حضارة عالَميّة. في هذه الحالة، نحتاج إلى إجلاء ماهية المبادئ المعاصرة، فيما يتعلق بالنساء، في وقت انبثاق هذه التعاليم. هل تُكَوِّن هذه المبادئ مذهبًا دينيًا قطعيًّا، أم أنها، ببساطة، مسألة ثقافة؟

نستطيع رؤية الاختلافات الثقافية المهمة حتى في كلّ ما يحيط بنا. وعلى سبيل المثال، غالبًا ما يُعَدِّد أهل جزيرة ”مادورا“ الزوجات، وهو أمر يعتبره نساء ورجال ”مادورا“، على حَدٍّ سواء، طبيعيًّا، ”مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ“ (القرآن، النساء: 3)، بل في الواقع، قد تُغَيَّر الزوجات المنفردات. لا أعلم إذا كان لكياي أبون أكثر من زوجة، لكنه أمر طبيعي في ”مادورا“.

الموقف مختلف هنا في جاوة الغربية. والأمر أصعب، بحق، على الساحل الشماليّ لجاوة الوسطى. إنه مختلف إلى مدى عظيم. ذات مرة، كان ثَمَّ فعالية ما مُقامة في مدرسة داخلية بالساحل الشمالي لجاوة، واجتمع عدد من المشايخ الأفاضل في غرفة جلوس كياي (فلان)، وكان من الساحل الشماليّ لجاوة الوسطى. لن أذكر أيّ أسماء كي لا أسبب فتنة. وكان من بين الضيوف شيخ فاضل من جزيرة ”مادورا“، وكان لديه عدة زوجات، أي، كان من أهل التَّعَدُّد [في الزوجات]. لكن كياي (فلان)، وهو المستضيف، كان لديه زوجة واحدة.

وَبَّخَ الكياي المادوري الآخرين، وقال، ”إذا كان مشايخنا الأفاضل أتقياء حقًا، لن يَكونوا خائفين من زوجاتهم الأوليات، أليس من سُنَّة النبي أن يتزوج المرء أكثر من زوجة؟“.

الآن، كان ثَمَّ ستارة تفصل غرفة الجلوس التي اجتمع فيها المشايخ الأفاضل، ومن وراء الستارة، كانت زوجة كياي (فلان) تستمع إلى الكياي المادوري وصاحت باللغة الجاوية ”من تقيأ هذه الكلمات من فمه؟!“، وعندما سَمعَ الكياي المادوري ذلك القول، قال، ”ها! إذا كانت الثقافة هنا هكذا [على الساحل الشماليّ من جاوة الوسطى]، سأكون مرعوبًا من اتّخاذ أكثر من زوجة واحدة أيضًا!“.

[ضحك صاخب]

هنا، في جاوة، المسألةُ، المتعلقة بالدور الذي يمكن للمرأة القيام به، بسيطةٌ. لكنَّ الثقافةَ سائلةٌ، ولذا، في سياق آخر، لن تقبل النساء موقفًا مشابهًا لموقفنا هنا في جاوة.

أعتقد أن مسألةَ الحجاج الديني المتعلق بالمرأة، بوصفها مصدرًا للفتنة، ومسألةَ خطر الفتنة، أمران ينبغي أخذهما بعين الاعتبار وتوضيحهما لمدى أكبر.

من فضلكم، فكّروا في أن العلماء الذكور كتبوا، عبر القرون، الكثير [مما يتعلق بموضوع المرأة]. والآن، ما أريده هو أن تساهم العالِمات المؤهلات برؤاهن، باعتبارهن نساء. سيمكننا ذلك من التعامل مع مشكلات محتملة الحدوث، وبما يتضمن الحاجة إلى تقييم مطالب النساء الناشطات ووزن هذه المطالب مقابل الحاجة إلى بناء عائلات مستقرة. وأكرر، لا أعرف إذا ما كانت هذه الأسئلة قضايا ثقافة أو قضايا مذهب دينيّ؛ ولا يزال هذا الأمر في حاجة إلى المزيد من التوضيح.

في نطاق بيئة ثقافية إندونيسية، نستطيع أن نرى جميعًا، بوضوح، أنه سيَكون صعبًا بناء عائلات مزدهرة بدون أداء الأمهات لدورهن الأساسي. إذا لم تستطع الأمهات قضاء وقت كافٍ مع عائلاتهن، سيَكون هذا الأمر مشكلة. والآن، قد لا يَكون هذا الأمر مشكلة إذا كان الآباءُ قادرين على قضاء وقت أكثر مع أبنائهم. وحتى حينئذ، ثَمَّ مشكلات كثيرة، في الدول المتقدمة، متعلقة بمسألة أحقية النساء في تلقّي نفس المرتب الذي يتلقاه الرجال نظير أداء نفس العمل. وبعض الصناعات المتقدمة مستمرة في عدم توفير راتب متساوٍ للنساء العاملات. هذا أمر سيُناقش، دون شك، في نهاية المطاف.

وإجمالًا، سيداتي وسادتي، لقد وَجَّهت كياي محبوب ومؤسسة بحث المسائل (LBM) صوب تأسيس منتدى أصيل للعالِمات المسلمات. وما دُعِيَ العلماء الذكور إلى هذا اللقاء، اليوم، إلا من باب المجاملة.

ثانيًا، دعونا نشيّد نشاطية مُوَحَّدَة تبدأ من منظورنا الإسلامي المشترك وتأخذ بعين الاعتبار المشكلات الحقيقية التي تواجهنا، بدلًا من تبنّي مبادئ وُلِدَت خارج بيئة دينية فقط. تتمثل أمنيتي الصادقة في بنائنا لهذه [النشاطية] داخل نهضة العلماء.

أود أن أشكر مؤسسة بحث المسائل، والمجلس المركزي لنهضة العلماء، ونياي علائي والزملاء الآخرين، وبالأخص، كياي أبون بنيامين الذي وَفَّر هذا المكان للقاء. أتمنى أن تُبارَك مدرسة المهاجرين الداخلية لاستضافتها ذلك الحدث، ونأمل جميعًا، كذلك، أن يَكون لنا نصيب في هذه المبارَكَة. ولقد رأينا بأعيننا كيفية كون مدرسة المهاجرين الداخلية بركة بالفعل. وأسأل الله أن يحظى كل الحضور، هنا، اليوم، بنصيب من هذه البركة. آمين.

دعونا، معًا، نفتتح هذه الحلقة الدراسية بأعمال حسنة، لعلنا نهتدي بسُنَّة سيدنا محمد، صلوات ربي وسلامه عليه. وآمل، بصدق، أن تَكون مساعينا نافعة، وترضي الله، وأن نتمتع ببركة محمد، نبي الله.

إلى حضرة المصطفى سيدنا ومولانا محمد، صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حضرة أرواح مشايخنا ومشايخ مشايخنا، وبالأخص، حضرة أرواح مؤسسي نهضة العلماء، بوعي نية الوصول والقبول، كل شيء لله، الفاتحة:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ‎ .‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ‎. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ‎. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ‎. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ .

آمين

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع

تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)

قد ترغب في قراءة:

المؤتمر الدولي الأول للفقه الإسلاميّ من أجل حضارة عالَميّة

نهضة العلماء ترفض ملاءمة ”الكافر“، باعتباره تصنيفًا شرعيًا، للدول القومية الحديثة