
أساتذة أكاديميون يفحصون أهمية حركة الإسلام للإنسانية بإندونيسيا في كتاب نشرته دار بريل للنشر
”يمكن، بالفعل، تحليل الإسلام للإنسانية باعتبارها إستراتيجية السياسة الخارجية الإندونيسية، تلك الإستراتيجية الفعَّالة التي تتناول الكثير من المواضيع“
~ من مقدمة ”الإسلام للإنسانية“

لايدن، هولندا وفيينا — في أغسطس 2023، نَشَرَت واحدة من أقدم وأعرق دور النشر الأكاديمية في القارة الأوروبية كتابًا مُحَرَّرًا يضم تحليلات لحركة ”الإسلام للإنسانية“ في إندونيسيا كَتَبَها باحثون اختصاصيون رياديون في دراسة وتحليل الإسلام بأوروبا والولايات المتحدة.
شاركَ الدكتور روديجر لوهلكر مع الدكتورة كاثارينا إيفاني في تحرير كتاب الإسلام للإنسانية: التفكُّر في مفهوم إسلامي Humanitarian Islam: Reflecting on an Islamic Concept، الذي اشتركت في نشره [دار] بريل (تأسست. 1683) وجامعة فيينا (تأسست. 1365)؛ ويصدر الكتاب باعتباره الكتاب رقم (24) في سلسلة عنوانها ”الدين والتحول في المجتمع الأوروبي المعاصر“. لــ[دار] بريل مكاتب في لايدن، وبوسطن، وبادربورن، وسنغافورة، وتَنشُر 275 دورية و1200 كتاب وعمل مَرْجِعِيّ جديد تقريبًا، في كلّ عام، وكلها تخضع لمراجعة الأقران [أي، تحكيم] من خارج الدار.

لثلاثمائة وأربعين عامًا، ارتبطت [دار] بريل بجامعة لايدن ارتباطًا وثيقًا، وهي التي تأسست في عام 1575 على يد الأمير وليم الثالث [وليم من مدينة أورانج] روديجر لوهلكر واحد من الخبراء الرواد في الإسلام الكلاسيكي بأوروبا، بالإضافة إلى الجماعات الإسلاموية الإرهابية المعاصرة مثل داعش وتنظيم القاعدة. وهو مستشار للاتحاد الأوروبي وعدة دول أعضاء فيه، وبما يتضمن النمسا، وألمانيا، وسويسرا، في التطرُّف الإسلاموي ومجابهة الإرهاب.
ولا تزال نهضة العلماء ومبادَراتها الإستراتيجية، وبما يشمل الإسلام للإنسانية، في مركز اهتمام البروفيسور لوهلكر منذ 2014، عندما أسَّسَ مرصد فيينا للبحث التطبيقي عن الإرهاب والتطرُّف (VORTEX) مع قادة نهضة العلماء: كياي حاج أ. مصطفى بشري، وكياي حاج يحيى خليل ثقوف، وت. هولاند تايلور.
وكما لاحظ الدكتور لوهلكر في مقاله البحثي، ”إعادة النظر في الفقه: توطين وكَوْنَنَة الشريعة الإسلامية في إندونيسيا Fiqh Reconsidered: Indigenization and Universalization of Islamic Law in Indonesia“، الذي يختتم الكتاب:
قد يُفْهَم ذلك الأمر باعتباره فاتحة مرحلة جديدة لفقهٍ جديد، لا يكتفي بالتكيُّف مع أوضاع الحداثة، بل يستعيد الاقتدار على اجتهادٍ جديد من حركات تنبثق في الشرق الأوسط منذ القرن التاسع عشر. ومن نتائج هذه العملية المستمرة بيانٌ صغير، يُسَمَّى بيان نوسانتارا، نَشَرَته [منظمة] أنصار، في تجمُّع كبير، في 22 نوفمبر 2018، في مناسبة مولد النبي، وحَضَرَها الرئيسُ الإندونيسي جوكو ويدودو. وأتى في البيان:
”نداء لذوي النفوس الصافية من كل إيمان وأمة ليشاركوا في بناء إجماع عالمي لمنع استخدام الإسلام كسلاح في السياسة، سواء أقام بذلك المسلمون أم غير المسلمين، وللحدِّ من انتشار الكراهية الجماعية من خلال تعزيز انبثاق نظام عالمي عادل ومُتَجَاِنس بحق، يتأسس على احترام الحقوق والكرامة المتساوية لكل إنسان“.
من ثَمَّ، نَشْهَد نقاشًا اختصاصيًا فيما يبدو، حول منهجية الفقه في إندونيسيا، وقد تحوَّل إلى بيان ديني-سياسي من المُحْتَمَل أن يَكون له تأثير عالَميّ. قد نفهم هذا البيان باعتباره البرهان الأخير على توطين، وكذلك عولَمَة، وكذلك كَوْنَنَة الفقه في إندونيسيا.
بالتالي، من الممكن فهم هذه العملية للتوطين باعتبارها تطويرًا لمدرسة فكرية إندونيسية أصيلة، يبدأ في الاشتغال على مستوى عالَميّ ويؤكِّد على الإسلام باعتباره جزءًا من القيم الكونية للإنسانية، ولا يقصي الأجزاء الإسلامية ولا غير الإسلامية الأخرى من المجتمع العالَمي.
في مساهمته بالكتاب المُحَرَّر عن الإسلام للإنسانية، قال الدكتور أحمد كورو (وهو أستاذ جامعي وُلِدَ في تركيا، اختصاصه العلوم السياسية، ومدير الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة سان دييغو الحكومية، وهو مؤلف كتاب الإسلام والسلطوية والتأخر: مقارنة عالَميّة وتاريخية Islam, Authoritarianism, and Underdevelopment: A Global and Historical Comparison؛ وهو الكتاب الذي لاقى استحسانًا كبيرًا (صدر عن مطبعة جامعة كامبريدج):
ترفض إعلاناتُ نهضة العلماء مفهوم الخلافة العالَميّة، أو [أي مفهوم لــ] كيان سياسي من شأنه توحيد كلّ المسلمين. قَبِلَ مفهومَ الخلافة كلٌّ من العلماء الذين يتبعون الاتجاه الفكري السائد، مثل علماء الأزهر والجماعات الراديكالية، مثل القاعدة وداعش. وفي 2014، وَقَّع أكثر من مئة عالِم من مختلف الدول رسالةً مفتوحة لقائد داعش، وهو أبو بكر البغدادي. ومن بين العلماء الذين أجروا هذه المداخَلَة عبد الله بن بيّه، وحمزة يوسف، وعلي جمعة. وورد في الرسالة، فيما يتعلق بالخلافة: ”الخلافة أمر واجب على الأمة باتفاق. وقد افتقدت الأمة الخلافة بعد سقوطها عام 1924م. لكن الخلافة الجديدة تتطلب إجماعًا من المسلمين“. إذًا، اتفق هؤلاء العلماء الراسخون مع داعش في أن إقامة الخلافة أمر ديني واجب على المسلمين. ويكمن خلافهم مع داعش في أن خلافة الأخيرة لم تؤسَّس على إجماع. ويبرز ذلك الأمرُ أهميةَ رفض نهضة العلماء لفكرة الخلافة.
علاوة على ذلك، تؤكد إعلاناتُ نهضة العلماء مشروعيةَ الأنظمة الدستورية والتشريعية للدول الحديثة، ومن ثم، ترفض الفكرة القائلة بأن إقامة دولة بناء على الشريعة الإسلامية من الواجب دينيًا. كما تلح إعلاناتُ نهضة العلماء على أهمية المواطنة المتساوية برفض التمييز بين المسلمين وغير المسلمين باعتبارهما تصنيفَيْن شرعيَّيْن. وتنادي هذه الإعلانات بتعاون أعمق بين المسلمين، والمسيحيين، وأتباع الأديان الأخرى لتعزيز السلام العالَميّ. ولقد اتخذت نهضةُ العلماء خطواتٍ عمليةً لتحقيق ذلك الهدف. لتحقيق التضامن والاحترام بين الثقافات، أسَّسَت نهضةُ العلماء علاقةَ عملٍ مع ”التحالف الإنجيلي العالَميّ“، الذي يقول بتمثيله لـ 600 مليون بروتستانتي…..
إن تلقّي هذه الحركة الإصلاحية في الشرط الأوسط، وهو المركز التاريخي للإسلام، مهمٌ، إذا كان لهذه الحركة المعنيّة حيازة تأثير عالَميّ. لقد كان نصيب الإسلام للإنسانية التجاهل في الغالب، وأعني تجاهُل الباحثين والحكومات من دول شرق-أوسطية مثل تركيا، وإيران، ومصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة؛ وهي الدول التي ترى [حركة] الإسلام للإنسانية منافِسَة لمحاولاتهم الخاصة الساعية إلى التأثير على العالَم الإسلامي. وبوصفها مبادَرَة غير حكومية، تختلف الإسلام للإنسانية عن الجهود الشرق-أوسطية في تشكيل العالَم الإسلامي، والتي يتمثل أغلبها في برامج وخطط بقيادة حكومية.

يمكن للقراء المتاح لهم الولوج إلى أي مكتبة أكاديمية تحميل نسخة (PDF) من كتاب الإسلام للإنسانية: التفكُّر في مفهوم إسلامي. ويمكن طلب نسخ ورقية (غلاف فاخر) من موقع أمازون أو من دار بريل مباشرة.
وتتضمن المساهمات الأخرى في كتاب الإسلام للإنسانية:
- تقديم الدكتورة ألينا أيزاك لما تسميها بهرمنيوطيقا قرآنية ”إنسانية النزعة“، تُقَدِّم حركة الإسلام للإنسانية مثالًا لها؛
- بحث بعنوان ”الإسلام للإنسانية، والدولة، والحقوق الأساسية، والدولة الديمقراطية الحرة“، للدكتور حسين جيجك، ويتضمن تأملات في الدور الممكن لحركة الإسلام للإنسانية باعتبارها مَخْرَجًا من المعضلة التركية الراهنة؛
- بحث يتناول بالتحليل إعلان جيراكان بيمودا أنصار عن الإسلام للإنسانية (2017) من منظور لاهوتي مسيحي كاثوليكي، للدكتور ياكوف هِيلمُت دِيبل؛
- تحليل الدكتورة غزالة فَريدزاده لـ ”تصوُّف ابن عربي وأثره على حركة الإسلام للإنسانية“؛
- ”التصوُّف باعتباره ضمانة الإسلام للإنسانية؟ تأويلات صوفية معاصرة للشريعة والرحمة“، للدكتور يانوس هِنْشِل؛
- ”التراث الإسلامي في إندونيسيا: مجموعة نصوص“، للدكتور روديجر لوهلكر، وفيه يحلِّل ”خَطابَة نهضة العلماء في سياق ’القوة الناعمة‘ الإندونيسية الراهنة، أي، إستراتيجية الدبلوماسية الإندونيسية، التي يلزم فهم الظاهرة الجديدة لـ [حركة] الإسلام للإنسانية في نطاقها“.

اقتباسٌ من ابن عربي منشور على موقع مؤسسة الحرية للجميع LibForAll Foundation، التي شارك في تأسيسها، في 2003، الرئيس السابق لنهضة العلماء والرئيس الإندونيسي، صاحب المعالي كياي حاج عبد الرحمن وحيد مع ت. هولاند تايلور
لقد صارَ قلبي قابِلًا كُلَّ صورةٍ؛
فمرعى لغزلانٍ وَديْرٌ لرُهبانِ
وبيتٌ لِأَوثانٍ وكعبةُ طائف،
وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قُرآنِ.
أَدينُ بِدينِ الحُبِّ أَنّى تَوجَّهَتْ
ركائِبُهُ فالحُبُّ ديني وإِيماني
~ ابن عربي
يوفِّر بحثُ الدكتورة فَريدزاده تحليلًا تفصيليًا للعلاقة بين فلسفة وحدة الوجود عند ابن عربي وتقاليد إندونيسيا في التسامح الديني كما تمثّلها [حركة] الإسلام للإنسانية:
يشير بعض الدارسين الغربيين للإسلام الإندونيسي باعتباره ”الوجه الباسم للإسلام“. يُقْصَد من هذا التمييز التأكيد على الطبيعة ”المعتدلة“ و”المتسامحة“ للإسلام الإندونيسي، وهي التي يمكن اقتفاء أثرها وصولًا إلى تضافرها مع التصوُّف الإسلامي باعتباره البُعْد الروحي والقلب الجواني، أو الباطني، للدين الإسلامي. ويَعتبر الكثير من المفكرين ارتباط الإسلام مع الصوفية من بين أهم العوامل المُشَكِّلَة للإسلام في أرخبيل الملايو-الإندونيسي.
ومن بين المدارس الفكرية الصوفية المتعددة التي أثَّرَت في الإسلام الإندونيسي تعاليم ابن عربي، ومدرسة الحلاج، والتصوُّف ”الأرثوذوكسي“ إلى حَدٍّ ما للجنيد والغزالي. وفيما يتعلق بـ ”التسامح“، و”التَّعَدُّدِيَّة“، وقبول ”التنوُّع“، أدَّت مدرسة محي الدين بن عربي (ت. 1240) دورًا مهمًا منذ بداية انتشار الإسلام عبر عالَم الملايو.
ولقد أوَّلَ المعلِّقون على ابن عربي مفهومَ العقيدة المركزية لديه بوصفها وحدة الوجود، المعروفة أيضًا بالوجودية في أرخبيل الملايو-الإندونيسي. وفي نسقه الثيو-صوفي، يظهر الله باعتباره المصدر الأول للخلق، في إقراره بذاته وتجسيده لذاته حتى في أصغر الكائنات بوصفه نَفَسًا إلهيًا يسري في كل مخلوق. ويزخر تصوُّف ابن عربي بإعلانات الحب لله والحب للبشرية، وهو ما يُشَكِّل الأساس الإنساني النزعة لقبول التنوُّع.
أصبحت ”وحدة الوجود“ عند ابن عربي مهمة، بخاصة للإسلام الصوفي الشعبي التَّعَبُّدِيّ في جنوب شرق آسيا، حيث أصبحت هذه الرؤية راسخة سريعًا. ولا يزال من الممكن ملاحظة ودراسة تشعُّباتها في ثقافة الملايو-الإندونيسية إلى يومنا هذا. نشأ الاعتدال، والتسامح، والتنوُّع الديني-الثقافي من المفهوم الصوفي لوحدة الوجود و”الوحدة الإلهية“، وتدعم [هذه القيم] رؤية شاملة للعالَم منفتحة، وكليَّة، مُوَجَّهَة صوب ”حب“ لا-نهائي ”للمُطْلَق“.
ويمكنا توقُّع أن هذه الثقافة الصوفية للتسامح والتَّعَدُّدِيَّة ظاهرة في الكثير من المنظمات السوسيو-سياسية في إندونيسيا المعاصرة. وباعتبارها منظمات شعبية كبيرة بها عشرات الملايين من الأتباع، أدَّت هذه المنظمات بالفعل دورًا كبيرًا في تشكيل الإسلام الإندونيسي وحركة الإصلاح الإندونيسية، وهي التي حدثت دائمًا على العكس مما حدث في مصر أو دول إسلامية أخرى محدَّدَة من خلال منظمات. ومن بين هذه المنظمات نهضة العلماء — أكبر منظمة إسلامية في إندونيسيا، وبها 90 مليون تابع — وحركة الإسلام للإنسانية التابعة لها، وهي التي تأسست في 2016؛ وكلتاهما تشتهران باتّباع منهج متسامح مع جماعات إثنية-دينية مختلفة.
بناء على هذه الاعتبارات، تسعى هذه الورقة البحثية إلى الإبانة عن بعض المفاهيم والأفكار المفتاحية في النسق الفكري الثيو-صوفي لابن عربي، مثل وحدة الوجود والإنسان الكامل، وهي التي وفَّرت الظروف المناسبة لتشكيل التسامح والتنوُّع الديني في التصوُّف الإسلامي. ويليها نقاش أشمل لتأثير تصوُّف ابن عربي على مقارَبات نهضة العلماء ومواقفها، وعلى حركة الإسلام للإنسانية التابعة لها، والمُطَوَّرَة حديثًا.
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي
قد ترغب في قراءة:
”الفكرة ’الكبيرة‘ لإندونيسيا: حل الجدل العالمي المرير حول الإسلام“
