
الإيكولوجيا الروحية: ”استيفاء الأمر القرآنيّ للاضطلاع بدور (الخليفة في الأرض)“
”يعتمد الكثيرُ من سكان العالَم على الوقود الحفريّ في حيواتهم اليومية، ولضمان مستوى أدنى من الرخاء الاقتصاديّ. إن أي إستراتيجية تسعى إلى حلِّ المشكلات البيئية بإلحاق الضرر بمصالح المعنيين ستُعَجِّل بإراقة الدماء والفوضى فقط؛ وهما الأمران اللذان حذرتنا منهما سورةُ ”البقرة“. علينا ابتكار إستراتيجيات بيئية عادلة، وتُفِيد الجميع، وتَمْنَح الناسَ الوقتَ الملائم ليتكيفوا مع أي تغيُّرات. إن الوصفاتِ الجاهزةَ، المفروضة من أعلى، والتي لا تأخذ بعين الاعتبار مصالحَ الذين تنقصهم الثروةُ والسُلطةُ، لن تأتي بثمار سوى زعزعة استقرار المجتمعات، وتعريض بيئتنا المُشْتَرَكَة للخطر أكثر“.
~ صاحب المعالي كياي حاج يحيى خليل ثقوف
الرئيس العام للمجلس المركزي لنهضة العلماء

قصر الوطن (أبو ظبي)
أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة ― في 6 نوفمبر 2023، وَجَّهَ الرئيس العام لأكبر منظمة إسلامية في العالَم، وهو صاحب المعالي كياي حاج يحيى خليل ثقوف، خطابّه إلى أكثر من 100 شخصية دينية بارزة اجتمعوا للمشاركة في ”القمة العالمية لقادة الأديان من أجل المناخ“. أقيمَت القمة قبل ثلاثة أسابيع من انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (COP28)، وشارك فيه 83000 مشارك دولي من 197 دولة، في دبي، في الفترة من 20 نوفمبر حتى 13 ديسمبر.
دُعِمَت القمة العالمية لقادة الأديان من أجل المناخ تحت عنوان ”قمة عالَميّة لقادة الأديان من حول العالَم، لتأسيس الدور المحوري للمجتمعات الدينية في معالجة تغيُّر المناخ“، ونَظَّمَه ”مجلس حكماء المسلمين“، بالشراكة مع رئاسة مؤتمر الأطراف COP28، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والكنيسة الكاثوليكية، تحت رعاية رئيس الإمارات العربية المتحدة صاحب المعالي محمد بن زايد آل نهيان.
انعقدت القمة العالمية لقادة الأديان ومؤتمر الأطراف COP28 على خلفية جهود الحكومة لاستبدال التوليد الكهربائي وشبكات توزيع الوقود للدول بأسرها؛ والانهيار المتسارع بشدة للقدرة الصناعية لألمانيا؛ والفقر المتزايد في الوقود على امتداد ألمانيا الغربية؛ وأوامر الحكومة بالحَدِّ من استعمال السماد، وبذلك، يقل المنتوج الزراعي؛ واحتجاجات المزارعين الكبيرة عبر أوروبا؛ والانهيار الاقتصادي في سريلانكا عقب تمرير برلمانها قانون مكافحة الأسمدة الكيميائية؛ وتجويف قدرة الغرب الاقتصادية على المساعدة في الدفاع عن ― والمحافظة على ― النظام الدولي المؤسَّس على القوانين بعد الحرب العالَميّة الثانية، في وقت تآكَلَتْ فيه سلطته الخُلقيّة بشدة.

صاحب المعالي كياي حاج يحيى خليل ثقوف مع صاحب المعالي الشيخ عبد الله بن بيّه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في ”أبو ظبي“.
في خطابه إلى القمة العالَمية لقادة الأديان، قال الأستاذ ثقوف:
الرعاية البيئية ― كما أفهمها من المنظور الإسلاميّ ― فرضٌ إلهيّ مركزي لوجودنا على الأرض. يمدّ اللهُ الإنسانيةَ بكلِّ شيء نحتاجه لنزدهر، لكن يلزم علينا ― لفعل ذلك ― الاهتمام بخلقه، وضمان أنه محفوظ حق الحفظ.
تتطلب الرعايةُ البيئية، على مستوى عالَميّ، بناءَ إجماعٍ واسع المدى، يَمْتَدُّ من لُبِّ المجتمع إلى أعلى المستويات السياسية في الدولة، والسلطة المؤسسية. هذه مهمة منتدى الدين لمجموعة العشرين (R20)، و”حركة الإيكولوجيا الروحية“ الخاصة به، وهي التي أطلقتها نهضةُ العلماء برعاية الرئاسة الأخيرة لإندونيسيا لمجموعة العشرين (G20).
يتطلب تشكيلُ الإجماع الإنصاتَ إلى كلِّ الأصوات. كلُّ شخصٍ يعيش على كوكب الأرض مُشارِكٌ. ستَكون حلولُنا للمشاكل البيئية مُسْتَدَامَةً فقط إذا لم تُقَوِّض السلامَ والأمنَ الدوليَّيْن، وإذا عَمَلَت، على نحوٍ أصيل، لصالحِ الإنسانية كَكُل. تتضمن تلك الرؤيةُ 2 مليار إنسان، أو 24% من سكان العالَم، يعيشون في أوضاع محفوفة بالخطر، تتميز بالفقر، وانعدام الاستقرار، والكثير من العنف.
يعتمد الكثيرُ من سكان العالَم على الوقود الحفريّ في حيواتهم اليومية، ولضمان مستوى أدنى من الرخاء الاقتصاديّ. إن أي إستراتيجية تسعى إلى حلِّ المشكلات البيئية بإلحاق الضرر بمصالح المعنيين ستُعَجِّل بإراقة الدماء والفوضى فقط؛ وهما الأمران اللذان حذرتنا منهما سورةُ ”البقرة“. علينا ابتكار إستراتيجيات بيئية عادلة، وتُفِيد الجميع، وتَمْنَح الناسَ الوقتَ الملائم ليتكيفوا مع أي تغيُّرات. إن الوصفاتِ الجاهزةَ، المفروضة من أعلى، والتي لا تأخذ بعين الاعتبار مصالحَ الذين تنقصهم الثروةُ والسُلطةُ، لن تأتي بثمار سوى زعزعة استقرار المجتمعات، وتعريض بيئتنا المُشْتَرَكَة للخطر أكثر.
إن الحاجة إلى إجماعٍ واسع المدى هي سبب دعوتنا ― في أثناء مشاركتنا في لجنة ’منطقة المحيط الهادئ الهندي (بها 16 عضوًا)‘، التابعة للجنة خبراء Policy Exchange؛ التي رأسها رئيسُ الوزراء الكنديّ السابق ستيفين هاربر Stephen Harper ― لإنشاء ”مؤتمر عن المجتمعات القوية“: وهو آلية للحوار من شأنها إشراك المنظمات الشعبية عبر العالَم في سيرورة لتحديد مسألة ”الارتقاء إلى أعلى قاسم مشترك“، وهي المسألة المُتَعَلِّقة بالقيم المشتَرَكَة التي يمكن الوصول إلى اتفاق عليها.
اليوم، أُجَدِّد تلك الدعوةَ. دعونا نحشد الدعم العام من أجل إيكولوجيا روحيّة مُتَجَذِّرَة في المبادئ القرآنية ― أُسْوَةً برسول الله (صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم)، الذي يقول عنه القرآن الكريم:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ
اقرأ الخطبة الكاملة لصاحب المعالي كياي حاج يحيى خليل ثقوف الملقاة في القمة العالَمية لقادة الأديان، بعنوان الإيكولوجيا الروحية: ”استيفاء الأمر القرآنيّ للاضطلاع بدور (الخليفة في الأرض)“.

بحلول مساء 6 نوفمبر 2023، وفي أثناء احتفالية أقيمَت في قصر الوطن “أبو ظبي”، سار 28 قائدًا دينيًا مسيحيًا، ومسلمًا، وهندوسيًا، وبوذيًا، وطاويًا، وسيخيًا، وبهائيًا، ويهوديًا (أعلاه) عبر خريطة رمزية للعالَم قبل توقيع وثيقة معروفة باسم بيان أبوظبي المشترك للأديان بشأن COP28.
أعلن المُوَقِّعون على بيان أبوظبي المشترك للأديان بشأن COP28، مُتَحَدِّثين ”بوصفهم مُمَثِّلي أدياننا الخاصة، الأصلية، وتقاليد الحكمة“، أن ”واجبنا الجمعي … هو تسريع انتقال الطاقة وتحقيق صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2050، كما تمت المطالبة بذلك في ’اتفاق باريس‘“، وتوجيه الاستثمارات المالية نحو هذه المهمة، من خلال ”أن نلتمس من المؤسسات المالية، والمؤسسات المالية الدولية، والقطاع الخاص، والشركات، والحكومات، تبنّي استثمارات مسؤولة وممارسات أعمال تتوافق مع المقاييس المناخية والبيئية والاجتماعية“.
في 2022، أسَّسَت نهضةُ العلماء منتدى الدين لمجموعة العشرين بالاقتران مع الرئاسة الإندونيسية لمجموعة العشرين، وذلك من أجل ”تغذية بنى السلطة السياسية والاقتصادية بالقيم الخُلقية والروحية“. ولاشتهار نهضة العلماء طويلًا بمعارضتها لتحويل الجماعات المتطرفة (مثل الإخوان المسلمين، والقاعدة، وداعش) الإسلام إلى سلاح، كذلك تُثَبِّط نهضةُ العلماء التلاعبَ بالتعاليم الدينية ― وكذلك جهود استغلال تقاليد العالَم الدينية ― من أجل خدمة أجندات ذات تَطَلُّعات كبيرة تُمليها النُخَب السياسية والاقتصادية.
ولهذا السبب، لم يوقِّع صاحبُ المعالي كياي حاج يحيى خليل ثقوف بيان أبوظبي المشترك للأديان بشأن COP28. وبدلًا من التوليف بين التعاليم الإسلامية والأجندة السياسية والاقتصادية المتجذرة في تحليل علماني إلى درجة كبيرة لأزمة العالَم الإيكولوجية، ينصح الأستاذُ ثقوف أتباعَ نهضة العلماء الذين يبلغ عددهم مائة مليون، بـ “التفكير في هذه المسائل من منظور إسلامي”، وبالتالي، سنتجنب أن ”[نَكون] مثل ذيل حيوان له أربعة أَرْجُل، إذ نتبنى أجندات خارجية يتصورها أشخاص ’لا يعلمهم سوى الله‘ من أجل غرضٍ ’لا يعلمه سوى الله’“.
في خطبة أُلقيَت في مايو 2023، بمناسبة تمكين نهضة العلماء للنساء لإصدار الفتاوي لأول مرة في تاريخ المنظمة، قال الأستاذ ثقوف:
لا أزال أساهم بقوة وفعالية في المنتديات المتعددة للحوار بين الأديان منذ ثمانينيات القرن 20. وفي تسعينيات القرن 20 وبدايات الألفية الجديدة، بدأ نزوع جديد في الانبثاق، وبمقتضى هذا النزوع، شُرِعَ في تقديم أجندات لم تنشأ في نطاق بيئة دينية، وصارت تُناقَش في سياق الحوار بين الأديان. ولقد وصل الأمر إلى درجة أن تلك الأجندات العلمانية صار من الممكن تأييدها باسم الدين….
نريد فحص المشكلات التي تواجهنا ونجيب عليها من منظور تقليدنا ― وأقصد، بواسطة تطوير تبصرات متجذّرَة في تقاليد أهل السُّنَّة والجماعة ― ونتجنب محض الترديد الأجوف للنقاط والموضوعات أو الإيديولوجيات المُدَبَّرة في مكان آخر. نريد أن نتحمل مسؤولية إيجاد حلول للمشكلات الحقيقية التي تواجهنا.
في أثناء ”قمة (R20) الدولية للسلطات الدينية“ التي أقيمَت في بالي، إندونيسيا في 2022، أطلقت نهضةُ العلماء، و”رابطة العالَم الإسلامي“، و”مركز القيم الحضارية المشتركة (CSCV)“، حركةَ الإيكولوجيا الروحية لدعم التوازن في البيئة والمجتمع. وكما قال ت. هولاند تايلور (نائب رئيس مجلس الإدارة، والمدير التنفيذي لمركز القيم الحضارية المشتركة) في مناسبة إطلاق الحركة المعنيّة:
عندما يهيمن، في وقتٍ ما، منظور علماني بشكلٍ غالب على الخطاب البيئي ونقاشات السياسات المتصلة بالمسألة، من المهم حقًا أن تَكون منتديات مثل ”مجموعة العشرين (G20)“ متاحة لأصوات القادة الدينيين ومجتمعاتهم، الذين يُشَكِّلون تقريبًا 85% من سكان العالَم. يبرهن هذا الحدث ― الحاصل في مساء قمة (R20) السنوية الأولى في بالي ― على أن أديانَ العالَم الرئيسية لديها الإرادة، ولديها القدرة على التعاون في إحياء التقاليد الأصلية للإيكولوجيا الروحية، والتي يمكنها المساعدة في استعادة التوازن في الطبيعة والمجتمعات الإنسانية عبر العالَم.

من اليسار إلى اليمين: ت. هولاند تايلور (حاج. محمد خليل)؛ وكياي حاج عبد الغفور ميمون؛ وصاحب المعالي كياي حاج يحيى خليل ثقوف؛ وصاحب المعالي المستشار عبد السلام، الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، على هامش لقاءات القمة العالمية لقادة الأديان في ”أبو ظبي“.
”الهدفُ من منتدى الدين لمجموعة العشرين هو ضمان أن يضطلع الدين، في القرن الواحد والعشرين، بدورِ مصدرٍ أصيل وديناميكي للحلول، بدلًا من المشكلات. من خلال (R20)، نأمل في تعزيز انبثاق حركة عالَميّة، سيساعد فيها ذوو النفوس الصافية، من كل إيمان وأمَّة، في تحقيق التوافُق بين بنى القوة الجيوسياسية والاقتصادية في العالَم وأسمى القيم الخلقية والروحية، من أجل كلّ الإنسانية“.
~ صاحب المعالي كياي حاج يحيى خليل ثقوف
الرئيس العام للمجلس المركزي لنهضة العلماء
”من الله الرحمن، تحيات السلام التي تنقلها الأشجار“
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
