
المقال الافتتاحي بصحيفة وول ستريت يُبرِز نهضة العلماء ومركز القيم الحضارية المشتركة
”ويتمتع الإسلام الإنساني، وهو الصورة الشاملة المتسامحة من الإسلام التي تروج لها تلك الجماعة التي تتضمن 100 مليون عضو [وهي نهضة العلماء]، بالإمكانية والقدرة على تغيير احتمالات السلام في أجزاء كثيرة بالعالَم“.
~ ماري آن جليندون،
”لا تزال هناك حياة في الإعلان العالَمي لحقوق الإنسان“

مدينة نيويورك، نيويورك، 8 ديسمبر 2023 — قبل يومين من الذكرى السنوية الخامسة والسبعين للإعلان العالَمي لحقوق الإنسان، نَشَرَت صحيفة وول ستريت مقالًا افتتاحيًا لأستاذة القانون (المتقاعدة) وسفيرة الولايات المتحدة السابقة للكرسي الرسولي، ماري آن جليندون، يُحَلِّل الوضع الراهن للإعلان العالَمي لحقوق الإنسان.
ولفتت البروفيسورة جليندون، في مقالها المعنون بـ ”لا تزال هناك حياة في الإعلان العالَمي لحقوق الإنسان“، الانتباه إلى أنه ”في مواجهة الحرب والفظائع، تبقى سديدةً مبادئُ الوثيقة التي يعود عمرها إلى خمسة وسبعين عامًا“. وبالأخص، أشارت البروفيسورة جليندون إلى ما يلي:
”يريد مركزُ القيم الحضارية المشتركة، الذي أسسته نهضةُ العلماء بإندونيسيا، بناءَ حركة لتقوية نظام دولي مؤسَّس على القوانين، قوامه المبادئ العالَميّة. وتنضم أكبر شبكة أحزاب سياسية في العالَم إلى هذا المسعى، وأقصد ”منظمة ديمقراطيي الوسط الدولية“، المكونة في معظمها من أحزاب أوروبية وأمريكية لاتينية. في 2020، نادت المنظمتان كلتاهما بتأييد عالَميّ مُجَدَّد لمبادئ حقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالَمي. إن ذلك الاتحاد بين الشرق والغرب دليلٌ على أن المبادئ الجوهرية للإعلان العالَمي لديها أسس في أغلب أنساق العالَم الفلسفية والدينية“.
ظَهَرَ المقال الافتتاحي للبروفيسورة جليندون بالاقتران مع مؤتمر تخطيط دولي أقيمَ في جامعة برينستون، في يومَي 13 و14 ديسمبر 2023، واجتمع فيه قادة دينيون كبار وقادة أكاديميون لمناقشة ”مستقبل الإعلان العالَمي لحقوق الإنسان“. صُمِّمَ الحدث لتعزيز ”إجماع عالَميّ يقول بتجسيد الإعلان العالَمي لحقوق الإنسان لرؤية حضارية ينبغي على شعوب، وأديان، وثقافات العالَم المتعددة الكفاح لتحقيقها“؛ وقد اشترك في رعايته برنامج ”جيمس ماديسون“ في المُثُل والمؤسسات الأمريكية بجامعة برينستون، ونهضة العلماء، ومركز القيم الحضارية المشتركة، ومنتدى الدين لمجموعة العشرين (R20).
يظهر، أسفله، المقال الافتتاحي بالكامل للبروفيسورة ماري آن جليندون.

صحيفة وول ستريت | مقال رأي
لا تزال هناك حياة في الإعلان العالَمي لحقوق الإنسان
في مواجهة الحرب والفظائع، تبقى سديدةً مبادئُ الوثيقة التي يعود عمرها إلى خمسة وسبعين عامًا.
بقلم ماري آن جليندون | 8 ديسمبر، 2023

رجل يُمْسِك بالإعلان العالَمي لحقوق الإنسان في عام 1955. الصورة:
THREE LIONS/HULTON ARCHIVE/GETTY IMAGES
اعتمدت ”الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة“ الإعلانَ العالَمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948، ولم يَكن هناك أي صوت مُعارِض (على الرغم من امتناع المملكة العربية السعودية، وجنوب أفريقيا، ودول الكتلة السوفييتية عن التصويت). والآن، ينهار هذا الإجماع المدهش؛ وهو الإجماع الذي تحقق في أعقاب حربين عالَمِيَّتَيْن وفظائع لا تُوصَف. ويبدو أن الأمل في الوصول إلى إجماع عالَمي على أي شيء بعيدُ المنال.
لكن، هل يقول الواقع إن الإجماع على المجموعة الصغيرة نسبيًا من المبادئ الأساسية في الإعلان العالَمي لا يمكن إعادة تنشيطه؟ يشير تاريخُ الإعلان إلى ثلاثة أسباب تعلل استحقاق الجهد فيما يُبْذل فيه. وهناك تَطَوُّر واعد، لم يلاحظه الغرب حتى الآن، يشير إلى احتمال وجود سبب رابع.
أولًا، في 1948، سَخَرَ الواقعيون السياسيون من الفكرة القائلة بأن الكلمات وحدها بإمكانها إحداث التغيير. لكن، بحلول عام 1989، كان العالَم مندهشًا من أن كلماتِ صدقٍ بسيطة قليلة — وأن قلة من الأناس الشجعان الراغبين في وصف الخير والشر باسميهما، دون مواربة — بإمكانهم تغيير مسار التاريخ. أصبح الإعلانُ العالَمي أبرزَ رمز للحركات الشعبية الكبيرة التي عَجَّلَت بانهيار وزوال الكولونيالية، وأتت على الاحتلال في جنوب أفريقيا، وساعدت على الإطاحة بالأنظمة التوتاليتارية [أي، ذات النزعة الشمولية] التي بدت مستعصية على التدمير في أوروبا الشرقية. وكان لمبادئه غير المُلْزِمَة تأثير أكبر من تأثير المعاهدات الدولية التي كانت قائمة عليه.
ثانيًا، أدَّى الدينُ دورًا كبيرًا في هذه الحركات التحويلية. وباعتباري واحدة من المحامين الذين دافعوا عن العاملين في مجال الحقوق المدنية في ”صيف الحرية Freedom Summer“، في 1964، أستطيع أن أشهد بأن القناعة الدينية هي التي شجَّعَت الكثير منّا على اتّباع مارتن لوثر كينغ الابن في الكفاح لإنهاء التفرقة القانونية. وكان الأمر قائمًا هكذا في حركات الحرية في كلّ مكان.
والآن، دور الدين أشد تعقيدًا. لقد شهدت الأعوام الأخيرة زيادة في الصراعات الإقليمية تضمَّنَت الدين بالضرورة، وانحسارًا في العاطفة الدينية في الغرب. وهذا مزيج سيئ لأن الحَمِيَّة الدينية لا تختفي بالضرورة عندما تكف عن أن تُوَجَّه صوب الموضوعات الدينية. وغالبًا ما تنتقل لموضوع آخر، مثل الهوية العِرقيّة، ويُسْعَى وراءها بإخلاص شديد حقًا.
ولحسن الحظ، لا يتجاوز رفضُ الإيديولوجيات التي تتلاعب بالدين تحقيقًا لأغراض سياسية، أو التي تستعمله بوصفه ذريعة للعنف، سلطةَ القادة الدينيين والجماعات الدينية. ولا هو مما يتجاوز قدرتهم على إيجاد مصادر في تقاليدهم الخاصة لتعزيز الاحترام والتسامح، وهو الأمر الذي قامت به الكنيسة الكاثوليكية في المجمع الفاتيكاني الثاني؛ وهو نفس الأمر الذي تقوم به أكبر منظمة سياسية إسلامية، وهي نهضة العلماء، في وقتنا هذا. ويتمتع الإسلام الإنساني، وهو الصورة الشاملة المتسامحة من الإسلام التي تروج لها تلك الجماعة التي تتضمن 100 مليون عضو، بالإمكانية والقدرة على تغيير احتمالات السلام في أجزاء كثيرة بالعالَم.
ثالثًا، لم تَكُن القوى العظمى بالعالَم هي التي ضَمَنَت أن حماية حقوق الإنسان كانت من ضمن أهداف الأمم المتحدة، وإنما كان الضامنُ ائتلافًا لدولٍ قوتها أقل. ولم تَكُن حقوقُ الإنسان أولويةً للدول الخمس الكبرى التي أصبحت أعضاء دائمة بمجلس الأمن. وعندما قررت هذه الدولُ الكبرى تأسيسَ سلام جديد ومنظمة للأمن، كان شاغلهم الرئيسي ضمان استقرار الحدود وتوفير وسيلة لحلّ النزاعات.
لكنَّ مبعوثين من دول قوتها أقل — مثل هيربرت إيفات من أستراليا، وشارل مالك من لبنان، وكارلوس رومولو من الفلبين — وحَّدوا جهدهم لتوسيع هذه الأجندة. أصبحت لغةُ ميثاق الأمم المتحدة أساسَ كامل مشروع حقوق الإنسان بعد الحرب.
والآن، كما كان الحال في 1945، يبدو الاهتمام الأشد بفكرة حقوق الإنسان العالَميّة حاصلًا بين الدول والجماعات السياسية التي لا تحظى بأقوى تأثير على الساحة العالَميّة — وإنما هي دول تفهم أنه بدون الالتزام بمبادئ أساسية قليلة، فلن يظل هناك شيء سوى إرادة الأقوى.
يريد مركزُ القيم الحضارية المشتركة، الذي أسسته نهضةُ العلماء بإندونيسيا، بناءَ حركة لتقوية نظام دولي مؤسَّس على القوانين، قوامه المبادئ العالَميّة. وتنضم أكبر شبكة أحزاب سياسية في العالَم إلى هذا المسعى، وأقصد ”منظمة ديمقراطيي الوسط الدولية“، المكونة في معظمها من أحزاب أوروبية وأمريكية لاتينية. في 2020، نادت المنظمتان كلتاهما بتأييد عالَميّ مُجَدَّد لمبادئ حقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالَمي. إن ذلك الاتحاد بين الشرق والغرب دليلٌ على أن المبادئ الجوهرية للإعلان العالَمي لديها أسس في أغلب أنساق العالَم الفلسفية والدينية.
وما كان لأيٍّ من ذلك إدهاش الرجال والنساء الذين أسسوا مشروع حقوق الإنسان ما-بعد-الحرب. لقد رأوا أفضل وأسوأ ما في البشر. لكن بينما يَكون الجنس البشري قادرًا على الإتيان بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، إلا أنه قادر على تصوُّر وجود حقوق يمكن انتهاكها، وقادر على إبانة هذه الحقوق في الإعلانات والدساتير. ويستطيع الناس توجيه سلوكهم صوب المعايير التي يُقرّون بها ويشعرون بالحاجة إلى الإتيان بأعذار عندما يَقصُر سلوكهم عن بلوغها.
منذ خمسة وسبعين عامًا مضت، صاغ هؤلاء المبدعون إجماعًا ساعد الملايين على تحقيق مقاييس حياة أفضل وحرية أكبر. قبل أن نيأس من الإعلان العالَمي لحقوق الإنسان، ينبغي علينا أن نسأل أنفسنا: هل سيتطلب الأمر مزيدًا من الحروب والرعب لإحياء مبادئ قليلة مستقرة للياقة الإنسانية؟
الأستاذة جليندون أستاذة قانون متقاعدة بجامعة هارفارد. وشغلت منصب المبعوثة للكرسي البابوي، 2008-09.
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي
قد ترغب في قراءة: