
نهضة العلماء وجمهورية إندونيسيا تطلقان ”مبادرة AAA“ لحشد الجنوب العالَمي تأييدًا لنظام دولي مؤسَّس على القوانين
”وكما حدث في هذه القاعة نفسها، في عام 1955 … نحتاج، نحن أهل الجنوب العالَمي، إلى رفع صوتنا المُوَحَّد مرة أخرى. نحتاج إلى التَّحَدُّث بصوت قوي في اتحاد، لنُذَكِّر الناسَ من كل أنحاء العالَم ونُعَلِّمهم فنخبرهم عن الإجماع الذي حققته الإنسانية في عام 1945، وهو إجماع مدهش، وقَيِّم، على الرغم من كونه هشًا: أي، ميثاق الأمم المتحدة“.
~ صاحب المعالي كياي حاج يحيى خليل ثقوف
الرئيس العام للمجلس المركزي لنهضة العلماء

باندونغ، إندونيسيا ― من 20 – 22 ديسمبر 2023، أقامت حكومة إندونيسيا وأكبر منظمة إسلامية في العالَم، وهي نهضة العلماء، مؤتمرًا دوليًا للتخطيط مُعَدًا لـ ”إحياء روح باندونغ وحركة عدم الانحياز، في استجابة للديناميات الجيو-سياسية الراهنة“.
اجتمع وزراء حكومات، وصناع سياسات، ودبلوماسيون، وسفراء من أكثر من 25 دولة في مبنى ”ميرديكا“ التاريخي بشارع آسيا-أفريقيا Asia-Afrika، في مدينة باندونغ، وهو نفس موقع إقامة مؤتمر باندونغ في الفترة من 18 – 24 إبريل (الصورة أسفله). تَطَلَّعَت القمة الأولى، التي أقيمت في أثناء الحرب الباردة، إلى إعادة خلق العالَم وَفق شروط أعدل ومناسبة لمدى أكبر لصالح الذين عانوا، عبر الجنوب العالَمي، من الاستعمار لقرون.

القاعة الرئيسية لمبنى ”ميرديكا“ في أثناء مؤتمر باندونغ (”الآسيوي-الأفريقي“) في عام 1955 (أعلاه) ومؤتمر التخطيط لمؤتمر AAA في 2023 (أسفله)

اشتركت وزارة الشؤون الدينية بإندونيسيا مع نهضة العلماء في إقامة مؤتمر التخطيط لمؤتمر AAA (الآسيوي-الأفريقي، اللاتيني الأمريكي) باعتباره خطوة أولى صوب تشكيل إجماع بين الدول في الجنوب العالَمي بحيث يَكون مهمًا لأقصى مدى في تقوية ― والحفاظ على ― النظام الدولي المؤسَّس على القوانين، والذي نشأ من أهوال الحرب العالَميّة الثانية.
لقد وصفت وزارةُ الخارجية الأمريكية المبادئ الجوهرية لمؤتمر باندونغ الأول باعتبارها ”التقرير السياسي للمصير، والاحترام المتَبادَل للسيادة، وعدم الاعتداء، وعدم التدخُّل في الشؤون الداخلية، والمساواة“؛ وقد اعتُبِرَت هذه المبادئ إلى حَدٍّ بعيد إنجازًا تاريخيًا كبيرًا في القرن العشرين. ولقد رأى مكتب المؤرخين، التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، أن ”[مؤتمر] باندونغ أعطى صوتًا للدول الناشئة وبرهنَ على استطاعتها أن تَكون قوة في سياسات العالَم المستقبلية، داخل أو خارج إطار عمل الحرب الباردة“.

القادة العالَميون في باندونغ في عام 1955، من اليسار إلى اليمين: جواهر لال نِهرو (الهند)؛ وكوامي نكروما (غانا)؛ وجمال عبد الناصر (مصر)؛ وسوكارنو (إندونيسيا)؛ وجوزيف بروز تيتو (يوغوسلافيا)

أُقيمَ مؤتمر التخطيط لمؤتمر AAA، كما تَصَوَّره رئيسُ نهضة العلماء كياي حاج يحيى خليل ثقوف، لمواجهة الصراعات المتفشية سريعًا، والتي تهدد السلام والأمن الدوليَّيْن؛ وكان عنوان المؤتمر، كذلك، ”المؤتمر الآسيوي، والأفريقي، والأمريكي اللاتيني عن الاعتدال الديني“. غالبًا ما تجد هذه الصراعاتُ المريرة جذورَها في العداوة العِرقية و/أو الدينية. وفي خطابه الرئيسي في باندونغ، قال الأستاذ ثقوف:
منذ 69 عامًا تقريبًا ― من 18 إلى 24 إبريل 1955 ― أقيمَ مؤتمر تاريخي في هذا المبنى نفسه. وكانت الدول المشارِكَة في العموم دولًا مستقلة حديثًا في آسيا وأفريقيا. واجتمع مُمَثّلوهم هنا في باندونغ في المبادرة المشتركة للرئيس سوكارنو، رئيس إندونيسيا، ورئيس الوزراء جواهر لال نِهرو.
كان المقصود من المؤتمر ― الذي سُمّيَ بالمؤتمر الآسيوي الأفريقي، ثم أصبح، لاحقًا، معروفًا باسم مؤتمر باندونغ ― تذكير العالَم بمبادئ الإجماع الدولي التي توصل لها قادة العالَم في عام 1945: أي، ميثاق الأمم المتحدة.
فيديو لخطاب الرئيس الإندونيسي سوكارنو في الجلسة الافتتاحية، المكتملة العدد، لمؤتمر باندونغ (1955)، الذي قال فيه: ”هذا أول مؤتمر بين القارات للمُسَمين بـ ’ذوي البَشَرات الملونة‘ في تاريخ الإنسانية“.
كان ميثاقُ الأمم المتحدة إجماعًا دوليًا مُصَمَّمًا لوضع حَدٍّ للعداوة والاضطراب الموجودَيْن بالفعل فيما بين ”قبائل“ الإنسانية المتنوعة. هناك الكراهية والعداء والعنف بين الدول، وبين الأعراق، وبين الجماعات العرقية المختلفة، وحتى بين الأديان والإيديولوجيات المتعددة.
قبل ميثاق الأمم المتحدة، كانت العداوات والحروب أمورًا طبيعية. وكان القتل بين الجماعات القائمة على الهوية طبيعيًا. ولقد حدثت هذه الأحداث لآلاف السنوات، بدءًا من الإمبراطورية الرومانية، وصولًا إلى الحقبة البعيدة للحضارتين السومرية والآشورية.
وأما بالنسبة إلى مصر القديمة، والحضارة الرومانية، والحضارة الفارسية، وغيرها: كلها شهدت وارتكبت مثل هذه الأهوال. في النهاية، بلغ نزوع الإنسانية لارتكاب العنف والفظائع ذروته في الصراعات الأعظم على الإطلاق، والتي كانت عالَميّة النطاق. وأقصد بالتحديد الحربيْن العالَميتيْن الأولى والثانية. معًا، حصدت هذه الصراعاتُ مئة مليون إنسان. صدمت هذه الصراعاتُ العالَم، واستحثت المجتمعَ الدولي على الوصول إلى إجماع لإنهاء مثل هذه الفظائع للأبد.
ولهذا السبب انبثق ميثاق الأمم المتحدة. كان المقصود منه خلق نظام دولي بناء على قوانين، وليس على تنافس قوي على السلطة. وكان المقصود منه إجلال الاحترام الكوني للإنسانية بصرف النظر عن اختلافات العِرق، أو الإثنية، أو الدين.
تمثَّلَت الرؤية في خلق نظام دولي جديد بناء على قوانين، وبناء على احترام الحقوق المتساوية وكرامة كل إنسان. لكنَّ مثلَ هذه القوانين ― أو أي قوانين ― في حاجة إلى بنية سلطة لضمان تفعيلها. ولهذا السبب تأسست ”منظمة الأمم المتحدة (UNO)“: تطبيق ميثاق الأمم المتحدة واستيفاء تطلعاته السامية.
هناك كيان داخل منظمة الأمم المتحدة يُسَمَّى ”مجلس الأمن“، لديه خمسة مقاعد دائمة: هذه هي الدول المكللة بالنصر بعد الحرب العالَميّة الثانية. في ذلك الوقت، اعتُبِرَت هذه الدول أقوى الدول على الأرض، وبذلك، فهي قادرة على تقوية النظام المؤسَّس القائم على القوانين كما تَصَوَّره ميثاقُ الأمم المتحدة.
في أعقاب الحرب العالَميّة الثانية مباشرةً، بدت هذه البنية معقولة وواقعية. ولتضمن منظمةُ الأمم المتحدة السلامَ والاستقرار الدوليَّيْن، يتطلب الأمرُ تطويرَ آلية توفِّر سلطةً كافية لفرض بنود الإجماع الدولي بعد الحرب العالَميّة الثانية على كلِّ الدول الأعضاء بالأمم المتحدة. لكنَّ الواقعَ لم يَكن هو المُتَصَوَّر بالضبط. وبعد تأسيس منظمة الأمم المتحدة مباشرةً، أتى للوجود عالَم ثنائي القطب، مُنْقَسِم بين الشرق والغرب.
قادت الولاياتُ المتحدة الأمريكية الغربَ، وقاد الشرقَ الاتحادُ السوفيتي. اضطلع هذا القطبان بأدوارهما وَفق طريقة مشابهة لتلك التي سادت قبل التوصُّل إلى الإجماع الدولي لميثاق الأمم المتحدة: أي، تتمثل الطريقة المعنية في تنافس قوي على السلطة حيث سَعَت القوى الكبرى وراء التأثير على أجزاء من العالَم، أو الهيمنة عليها.
تسبب هذا التنافس ― الذي حدث بُعيد أهوال الحربَيْن العالَميَّتَيْن ― في قلق بالغ، بالأخص بين قادتنا وقادة دول أخرى مستقلة حديثًا في آسيا وأفريقيا. ولذا اجتمعوا في باندونغ، في هذا المبنى نفسه، لتذكير قوىَ العالَم الرئيسية بسبب تَبَنّي ميثاق الأمم المتحدة، ولتذكيرها بالمقصود أساسًا من منظمة الأمم المتحدة. بمعنى آخر، هذا الاجتماع وسيلة لتعزيز مبادئ ميثاق الأمم المتحدة نفسها. [وهذا الاجتماع] وسيلة من جهة صيانة ودعم احترام حقوق الإنسان الأساسية واحترام الكرامة المتساوية لكل دولة وكل إنسان.

في وقت مؤتمر باندونغ، في عام 1955، بقيت تقريبًا كل أفريقيا تحت الحكم الاستعماري الأوروبي. وتمثلت مهمة من المهام الأساسية لـ ”حركة باندونغ“ في مساعدة هذه الدول على حيازة استقلالها.
سيداتي وسادتي، لم يَكَد يمر وقت على ذلك المؤتمر إلا وعَبَّر الرئيس سوكارنو عن رغبته في توسيع المؤتمر الآسيوي-الأفريقي. وأراد إقامة مؤتمر آسيوي، وأفريقي، وأمريكي لاتيني. وقال في ذلك الوقت: ”استطعنا إقامة مؤتمر AA بنجاح؛ ونهدف الآن إلى عقد مؤتمر AAA“. [تصفيق]. وبينما كان هناك الكثير من الدول الجديدة في عام 1955 في آسيا وأفريقيا، كان هناك، أيضًا، دول ناشئة حديثًا في أمريكا اللاتينية. وهكذا تشكَّلَت حركة عدم الانحياز.
سيداتي وسادتي، لقد قادنا التاريخ إلى موقفنا الراهن، وفيه لم تتحقق الأحلام الجميلة لميثاق الأمم المتحدة عمليًا على نحوٍ تام. يعتقد الكثير من الناس أن موقفنا يسوء. وتستمر الحروب والاضطهادات وفظائع أخرى لا حصر لها في الحدوث.
ألقى صاحب المعالي الرئيس جوكو ويدودو خطبةً، منذ ثلاثة أسابيع، في أثناء مؤتمر استضافته نهضةُ العلماء في جاكارتا، وأسميناه قمة (R20) الدولية للسلطات الدينية (ISORA). وأقتبس منه قوله: ”من غير المعقول أن المدنيين، والنساء، والأطفال ― في عالَم اليوم؛ وهو عالَم الحداثة الفائقة ― يُذْبَحون جهارًا، وتستمر الحروب في الاشتعال، لا يردعها رادِع“.
لقد أصبحت مثل هذه الصراعات اتجاهًا رائجًا. وفي الأعوام الأخيرة، لا يزال الموقف ينتقل من سيئ إلى أسوأ. من الواضح بالنسبة إلينا أننا إذا سمحنا لهذا الاتجاه الرائج بالاستمرار دون رادع، سيَكون مستقبل الإنسانية في خطر. بالفعل، في ظل طبيعة التكنولوجيا والأسلحة الحديثة، إذا استمر الاتجاه الرائج، قد لا يَكون هناك مستقبل للإنسانية، وقد لا يوجد مستقبل لأي منّا، باستثناء انهيار اقتصادنا العالَمي، وانهيار الإمدادات الغذائية الضعيفة بدرجة كبيرة، وانهيار الحضارة نفسها.
ولذا، يلزم علينا التحرُّك.
نؤمن، نحن [قادة] نهضة العلماء، بأنه لا توجد حركة نحتاج إليها حقًا ― ولا هي الأهم لمستقبل الإنسانية ― أكثر من حركة عالَميّة مُصَمَّمَة لمواجهة هذا التهديد. لأنه يستحيل تحقيق الإجماع الدولي المطلوب للتعامل مع التحديات العالَميّة الأخرى إذا لم نستطع الاتفاق على هذا الأمر.
نحتاج، نحن أهل الجنوب العالَمي، إلى رفع صوتنا المُوَحَّد مرة أخرى. نحتاج إلى التَّحَدُّث بصوت قوي في اتحاد، لنُذَكِّر الناسَ من كل أنحاء العالَم ونُعَلِّمهم فنخبرهم عن الإجماع الذي حققته الإنسانية في عام 1945، وهو إجماع مدهش، وقَيِّم، على الرغم من كونه هشًا: أي، ”ميثاق الأمم المتحدة“. لقد نشأ هذا الإجماع العالَمي الذي لم يسبق له مثيل بتكلفة عالية لمدى لا يمكن تصوُّره، بعد حروب وفظائع حصدت أكثر من مائة مليون إنسان.
كم يلزمنا أن نشهد من فظائع قبل أن نضع حدًّا لهذه المأساة الإنسانية المتكررة؟

الرئيس جمال عبد الناصر، والرئيس سوكارنو، ورئيس الوزراء جواهر لال نِهرو يقرعون الأكواب في أثناء مراسم استقبال بالبيت الهندي، نيويورك، في 29 سبتمبر 1960
ولكي تؤدي منظمة الأمم المتحدة وظائفها بفعالية، يحتاج أعضاء مجلس الأمن إلى النهوض بمسؤوليتهم الفردية والجماعية لدعم ميثاق الأمم المتحدة، بدلًا من إساءة استعمال سلطتهم لتعزيز أجندة تنشغل بالمصالح الشخصية على حساب الإنسانية بالعموم.
لا نريد، ولا نتوقع من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أن يتنازلوا عن سلطة ”الفيتو“. بالأحرى، نناشد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لاستعمال سلطتهم بمسؤولية، وهو القصد من ميثاق الأمم المتحدة نفسه.
تحتاج دول العالَم إلى التحرُّك الآن، لمنع تآكل إضافي وانهيار يطال الإجماع الدولي بعد الحرب العالَميّة الثانية. نحن مواطني كل دولة من دولنا فخورون بتواريخنا المُمَيَّزَة الخاصة. لكننا نحتاج الآن إلى التوحُّد والتحرُّك الحاسم، مناشدين العالَم لمواجهة تهديد فائق لوجودنا جميعًا.

في 1961، تأسست حركة عدم الانحياز، بناء على المبادئ المُتَّفَق عليها بمؤتمر باندونغ، في بلغراد، يوغوسلافيا (الصورة أعلاه)
بإلهام من المبادرة التاريخية للرئيس سوكارنو ― التي أطلقها الرئيس سوكارنو ورفيقه رئيس الوزراء نِهرو مع الكثير من القادة الآسيويين والأفريقيين في باندونغ ― لدينا فكرة متعلقة بكيفية إنجاز هذا الأمر. ننوي صنع تاريخٍ، بتحقيق حلم الرئيس سوكارنو بإقامة مؤتمر آسيوي، وأفريقي، وأمريكي لاتيني.
دَعَوناكم هنا كي نفكّر في هذه الفكرة معًا، ولنعمل سويًا على تحقيقها، من أجل أبنائنا وأحفادنا، ومن أجل الإنسانية، ومن أجل مستقبل الحضارة الإنسانية.
دَعَوناكم هنا لنبدأ العمل معًا على إقامة مؤتمر آسيوي، وأفريقي، وأمريكي لاتيني قد يُقام، إن شاء الله، في العام القادم. [تصفيق].
لذا، أشكركم، سيداتي وسادتي، على مشاركتكم ومساهمتكم في هذا المؤتمر. في النهاية، ما نحن إلا بشر يحتاجون المعونة والهداية من الله القدير، كي تجد جهودنا لتحسين الوضع الإنساني طريقًا للأمام، وتؤدي إلى انبثاق مستقبل أكثر سلامًا وأمنًا وأنبل، لكل الإنسانية، وللحضارة العالَميّة نفسها.
أتمنى أن يكون المؤتمر نافعًا، وأعبِّر مرة أخرى عن شكري لكلّ واحد من حضراتكم وحضراتكن.
والله الموفق إلى أقوم الطريق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


أقيم مؤتمر التخطيط لمؤتمر AAA تحت رعاية رئيس نهضة العلماء صاحب المعالي كياي حاج يحيى خليل ثقوف (أعلاه، جهة اليسار) وأخيه الأصغر، المُوَقَّر حاج ياقوت خليل قوماس، وزير الشؤون الدينية لجمهورية إندونيسيا
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي (بدون الصور)
قد ترغب في قراءة:
صحيفة وول ستريت: لا تزال هناك حياة في الإعلان العالَمي لحقوق الإنسان
