
قائد إندونيسي مسلم يُلقي كلمته في القمة الدولية لأكبر تجمُّع للحُجَّاج الدينيين في العالَم، مها كومبه ميلا
“ النهجُ الإسلاميّ للإيكولوجيا الروحية مثاليٌّ وبراجماتيٌّ في آنٍ، ويسعى إلى تحقيق التوافق بين الرخاء الإنسانيّ والحماية البيئية بدلًا من توليد الصراع بينهما، لإنماء البيئة وضمان ازدهار البشر”.
~ كياي حاج أولي الأبصار عبد الله
نائب رئيس المجلس المركزي لنهضة العلماء

براياغ، أُتَّر بَرَدِيش، الهند، 21 – 23 فبراير 2025 — ألقى واحد من أبرز العلماء المسلمين بإندونيسيا، كياي حاج أولي الأبصار عبد الله، كلمةً وَصَفَت حركة الإيكولوجيا الروحية لـ (R20) في ”قمة عالَميَّة للتنمية والاستدامة“، أقيمَت في وسط تجمُّع لـ 400 مليون هندوسيّ تقريبًا، كما وَرَدَ في صحيفة نيويورك تايمز The New York Times.
وقد أشار الكياي أوليل، وهو سليلُ سلسلةٍ طويلة من علماء الدين الجاويين، إلى ما يلي:
من المهم والميمون، على وجه الخصوص، دعوة حضراتكم إليّ، وأنا عالِم دين مسلم، كي أتوجه بالخطاب إلى هذه القمة الجليلة في أثناء انعقاد أكبر لقاء دينيّ على وجه الأرض، وهو مها كومبه ميلا Maha Kumbh Mela. وأعلم أنه على امتداد الأربعين عامًا الماضية، زار عشراتُ الملايين من الهندوس المُخْلصين براياغ للاستحمام في ملتقى أنهار الغانغ، ويامونا، وساراسواتي.

لنهضة العلماء، أو كما تُسَمّى اختصارًا بـ NU، أكثر من 100 مليون تابع و28,000 مدرسة إسلامية داخلية. وبوصفنا مسلمين، ينبغي أن تنشأ رؤيتنا الشاملة للعالَم — وبما يتضمن استجابتنا للمشكلات البيئية — من نَسَقِ تعاليم أهل السُّنَّة والجماعة، أو تتسق معها على أقل تقدير.
من ثَمَّ، قد تُوُصَف الإيكولوجيا الروحية بِعَدِّها استجابة إسلامية بالأساس لمجموعةٍ معقَّدَة من التهديدات المترابطة التي تواجه كلًّا من الإنسانية وبيئتنا الفيزيائية؛ فالإيكولوجيا الروحية لا تضرب بجذورها في العقيدة الإسلامية، والروحانية، والفقه فحسب، بل إنها متسِّقَة كذلك مع الاعتقادات الدينية التي تؤمن بها أغلبيةٌ من المائتي مليون مسلم عبر العالَم، الذين يشكِّلون تقريبًا نسبة 25% من تعداد السكان العالَميّ.
بالإضافة إلى ذلك، إن نهجَ الإيكولوجيا الروحية قابل للتطبيق لدى أهل الأديان جميعًا، وهم الذين يُشّكِّلون أكبر ديموغرافية في نطاق الأسرة الإنسانية — والتي يُقَدَّر أنها تتجاوز نسبة 80% من تعداد السكان العالَميّ. ويرجع ذلك إلى أن الإيكولوجيا الروحية تضرب بجذورها في المبادئ الكونية والأوامر الأخلاقية التي توجَد في تقاليد كلِّ جماعة دينية. وبالتالي، يمكن تبنّي مبادئ الإيكولوجيا الروحية من خلال الحَضِّ على الإيمان الدينيّ الأصيل والالتزام به.

صاحب القداسة جاغادغورو شري شانكارا فيجاييندرا ساراسواتي سواميغال يؤدي طقوس الوضوء المقدسة في نهر الغانغ. يحظى صاحبُ القداسة بتوقير 1.2 مليار تابع وكذلك بتوقير القادة الكبار للهندوسية؛ ويرأس صاحب القداسة المجمع الديني ”كانشي كاماكوتي بيتام“ في ولاية تاميل نادو، جنوب الهند.
وبالنسبة إلى الذين لديهم رؤية روحية شاملة للعالَم، لا تُعَدُّ مشروعية هذا النهج أكبر فحسب — بل إنه من الراجح أن تُكَلَّل بالنجاح في حماية البيئة فعليًّا — بالمقارنة مع إيديولوجيا علمانية محضة، مفروضة على الشعوب من خلال السلطات؛ وهي الإيديولوجيا التي تسعى إلى فرض سياسات اقتصادية كُلِيَّة موحَّدَة، من خلال قرارات حكومية، على المجتمعات الدينية في جميع أنحاء العالَم….

يعتقد المسلمون أنَّ الله كَلَّفَ البشريةَ بأن يؤدوا دورهم بوصفهم خلفاء في الأرض، وأنَّ هذا التكليفَ أو الأمر الإلهي يتضمن سيادةَ الإنسان على الطبيعة. لكنَّ هذه السيادةَ لا تَكون مشروعة إلا بِقَدْرِ وعي البشر بمشيئة الله وإرادته والعمل وَفقها — وقَضَت مشيئة الله أن يتحرك البشر في الحياة بالرحمة التي تشمل كلَّ جانب من جوانب خلق الله.
في التصوُّف، تُسَمَّى هذه الحالة من التحقُّق الروحيّ بـ الإنسان الكامل. ويحوز مثل هذا الفرد المُتَحَقِّق روحيًا الحكمةَ اللازمة للعمل بوصفه مُدَبِّرًا مسؤولًا عن خَلق الله، متوافقًا مع المشيئة الإلهية.
على نحوٍ مثاليّ، يحوز هذا الأمرُ صورةً عملية من خلال القانون، والقانون الإسلامي (المعروف بالفقه) تضبطه حسابات المصلحة والمَفْسَدَة، حسبما يُقال باللغة العربية. والإنسان الذي بَلَغَ الكمال الروحيّ، أو الخليفة، قادرٌ على الإتيان بالتشريع بطريقةٍ ترفع الرخاء الإنساني إلى الحَدِّ الأقصى مع تقليل الضرر الذي يحيق بالمجتمع والعالَم الطبيعيّ الذي يحاوطنا إلى الحَدِّ الأدنى.

كياي حاج أولي الأبصار، نائب رئيس نهضة العلماء، يستعد للاستحمام في ملتقى نهرَي الغانغ ويامونا أثناء مها كومبه ميلا
وكلنا على علم، في نهضة العلماء، بأنّ خطة عمل التغيُّر المناخيّ/ صافي الانبعاثات الصفري التي تروِّج لها، بحماسةٍ، الكثير من الحكومات الغربية، ومنابر الإعلام، والمنظمات غير الحكومية، مرتبطة ارتباطًا مباشرًا أو غير مباشر بعدد كبير من التطوُّرات الإشكالية عبر العالَم. وتتضمن هذه التطوُّراتُ الجهودَ المُدَمِّرَة اقتصاديًا الرامية إلى استبدال شبكات توليد الكهرباء وتوزيع الوقود في دول بأكملها؛ والتسارع الكبير في عملية الاستغناء عن الصناعة في ألمانيا؛ وتزايد الفقر في مجال الوقود على امتداد أوروبا الغربية؛ والتدابير الحكومية التي تهدف إلى تقييد استخدام الأسمدة، وبالتالي تقليل الإنتاج الزراعي؛ والاحتجاجات الضخمة التي ينظِّمها المزارعون عبر أوروبا؛ والجهود المنهجية الرامية إلى منع توليد الكهرباء منخفضة التكلفة في جميع بلدان الجنوب العالَميّ؛ والانهيار الاقتصادي في سريلانكا عقب تمرير البرلمان فيها لقانون مناهض للأسمدة الكيماوية؛ وتآكل القدرة الاقتصادية للغرب على المساعدة في الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد فيما بعد الحرب العالمية الثانية والحفاظ عليه، في وقت تآكلت فيه سلطته الأخلاقية بشدة أيضًا.
بالتغاضي عن المصلحة والمَفسَدَة، لا تحمي الإيديولوجيا العلمانية الشرسة، ونهجها ”صافي الانبعاثات الصفري“ المُحْتَفَى به احتفاء واسع النطاق، البيئةَ ولا البشر. في الواقع، نجد أنهما غالبًا ما تفاقمان الضررَ البيئيّ نفسَه الذي تَدَّعي كلتاهما أنهما تسعيان وراء مَنعه؛ ففي غياب دافع روحي أو أخلاقي مُقْنِع، من المُرَجَّح للمجتمعات الغنية إعطاء الأولوية لحماية البيئة مقارنة بالدول الفاشلة أو الدول النامية التي تكافح من أجل التَّخَلّص من الفقر.
في صورتها الراهنة، تُظْهِر الحركةُ البيئية (للتغيُّر المناخيّ/ صافي الانبعاثات الصفري) عدمَ نضج الإنسان الناقص، الذي يَجلب نقصُ الحكمة لديه المفسَدَةَ من خلال إيذاء خَلق الله الذين يُعَدُّ البشر جزءًا لا يتجزأ منهم بالتأكيد. ومن المهم بمكان الإشارة إلى أنّ مركز جاذبية هذه الحركة البيئية العلمانية الشرسة، المُبالَغ في تعقيدها، إنما هو في الغرب، ويتبناها، بالأساس، أناسٌ تخلّوا بالفعل عن إيمانهم التقليديّ الذي ورثوه عن أسلافهم.
النهجُ الإسلاميّ للإيكولوجيا الروحية مثاليٌّ وبراجماتيٌّ في آنٍ، ويسعى إلى تحقيق التوافق بين الرخاء الإنسانيّ والحماية البيئية بدلًا من توليد الصراع بينهما، لإنماء كلٍّ من البيئة والبشر.

وكما ترون من هذا التلخيص الموجز، للإيكولوجيا الروحية أبعاد عقائدية، وروحية، وفقهية — وكلها تتكئ على للتكليف الإلهيّ للبشر، بأن يكونوا خلفاءه في الأرض….
في الإسلام، اليقظة الروحية ضرورية لكنَّها ليست شرطًا كافيًا لحماية البيئة. ينبغي أن تتجسد المشيئة الإلهية في العالَم من خلال الفعل. وهذا البُعْدُ الفيزيائيُّ يَتَطَرَّق إليه الفقهُ.
وعلى نقيض الإيديولوجيات العلمانية الطوباويّة الساعية وراء مَنْعِ أي، وكلِّ، دمار للبيئة بصرف النظر عن تكلفة ذلك المَنْعِ على البشر، الفقهُ براجماتيٌّ؛ إذ يُقِرُّ بأنّ الأفعال البشرية كلَّها تحدث في سياق مُحَدَّد، في وجود منافع وتكاليف يلزم قياسها برويَّةٍ لتحقيق نتيجة نهائية مُثلَى. يؤسِّس هذا الحساب للمصلحة/المَفْسَدَة الفقهَ في الواقع الفعليّ السياقيّ للمجتمعات الإنسانية الواقعيَّة. وبفعل ذلك، يسعى الفقهُ إلى تجنُّب الشراك والمخاطر التي تلاقيها الإيديولوجيات العلمانية الشرسة التي تَكون على استعداد — في أقصى صورها تَطَرُّفًا — للتضحية بالبشر في السعي وراء سراب مسيانيّ [مسيحانيّ] طوباويّ.
وقناعتنا الراسخة، بوصفنا مؤمنين متدينين، أنَّ اللهَ قد كَرَّمَ بني آدم وزرع في قلوبنا وأرواحنا القدرةَ على التمييز بين الصواب والخطأ، بين الخير والشرِّ. ينبغي على صوت الضمير أن يَحْكُمَ علاقاتنا الرأسية والأفقية أي، علاقتنا بالله، وعلاقتنا بالبشر، وعلاقتنا بالطبيعة كَكُلٍّ.
وهذا هو المنطلَق الأساسيّ للإيكولوجيا الروحية التي تسعى إلى تعزيز التوازن داخل الطبيعة والمجتمع لصالح الجميع.
قراءة الخطبة الكاملة لكياي حاج أولي الأبصار عبد الله

رئيس ”مؤسسة الهند“ الدكتور رام مادهاف يلقي كلمتَه في قمة كومبه العالَميَّة للتنمية والاستدامة، التي نُظِّمَت بالتعاون مع حكومة أُتَّر بَرَدِيش

شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي
قد ترغب في قراءة: