
الخبير الإستراتيجي البارز في الدبلوماسية الخارجية جون لينشوفسكي والأهمية الجيو-سياسية لنهضة العلماء، إندونيسيا
”لو أنّ هناك سبيلًا مُيَسَّرًا حقًّا، يمكن من خلاله لسياستنا الخارجية دَعْم تلك القوى الإسلامية التي تُعارِض الجهادية المتطرفة، فسيَكون من خلال إقرار الولايات المتحدة رسميًّا بقمة الدين لمجموعة العشرين (R20) واستضافتها بِعَدِّها جزءًا من رئاسة أمريكا لمجموعة العشرين (G20) في العام القادم“
~ الدكتور جون لينشوفسكي
مستشار بمجلس الأمن القومي الأمريكي لدى رونالد ريجان ومؤسِّس معهد السياسة العالَميَّة

الدكتور لينشوفسكي مع قادة كبار من معهد الدفاع الوطني بإندونيسيا (Lembaga Ketahanan Nasional Republik Indonesia)، حيث ألقى محاضرة أمام أكثر من 100 ضابط عسكري رفيع المستوى حول الجيو-سياسة ومجموعة التهديدات الحالية التي تواجه إندونيسيا
واشنطن العاصمة، وجاكارتا، إندونيسيا، 5 نوفمبر 2025 — كَتَبَ واحد من خبراء أمريكا البارزين في ممارَسَة فن الحكم والإدارة [فيما يتعلق بمسائل الدولة] مقالًا في 2700 كلمة، في مجلة بروفيدنْس Providence بعنوان ”إندونيسيا وحرب الأفكار ضد الإسلاموية المتطرفة Indonesia and the War of Ideas against Radical Islamism“. تستكشف مجلة Providence، وهي من نشْر معهد الدين والديمقراطية، فنَّ الحكم والإدارة العالَميَّيْن من منظور النزعة الواقعية المسيحية.
ويحاجّ الدكتور جون لينشوفسكي — المستشار السابق للرئيس رونالد ريجان ومؤسِّس معهد السياسة العالَميَّة في واشنطن العاصمة — بما يلي:
مما يؤسَف له أنَّ المعرفة الأمريكية بإندونيسيا ضعيفة بدرجةٍ باعثة على الإحراج ويسهم ذلك الأمرُ في مسألةِ إنقاصنا من قيمة الإيديولوجيا لأدنى درجة، بوصفها عاملًا إستراتيجيًّا في السياسة العالَميَّة. تتجاهل دولتُنا وجماعةُ سياستنا الخارجية، بدرجةٍ كبيرة من المخاطرة، رابعَ أكبر دولة في العالَم، وأكبرَ دولة إسلامية في العالم لديها، من الناحية السياسية، النسخة الأكثر اعتدالًا للإسلام، وثالث أكبر ديمقراطية في العالَم، وأهم دولة، على المستوى الإستراتيجي، على امتداد الممر المائي التجاري الأكثر ازدحامًا على مستوى العالم. إنها دولة ينبغي أن تكون أقرب بكثير إلى الولايات المتحدة. وعلينا أن نضبط أولوياتنا وفقًا لذلك.
في أثناء زيارة استمرت لأسبوع إلى جاكارتا، في أغسطس 2025، ألقى الدكتور لينشوفسكي سلسلةَ محاضرات عن ”العلاقات الدولية، وفن الإدارة والحكم، والإستراتيجية المتكاملة“، بعدد ساعات بَلَغَ أكثر من 18 ساعة، أمام قادة نهضة العلماء الكبار المشاركين في أكاديمية نهضة العلماء الوطنية للقيادة (AKN–NU). تأسَّسَت الأكاديمية في يونيو 2025، وهي من بنات أفكار الرئيس العام التنفيذي لنهضة العلماء كياي حاج يحيى خليل ثقوف، الذي أسند إليها مهمة ”إعداد قادة نهضة العلماء ليتولوا تحويل المجتمع الإندونيسي وتشكيل انبثاق حضارة عالَميَّة في القرن الحادي والعشرين“.

الدكتور لينشوفسكي مع مشاركين من أكاديمية نهضة العلماء الوطنية للقيادة
الدكتور جون لينشوفسكي تابع مُخْلِص للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ويشتهر بجَمعِه بين القيم الخُلقية المتعالية والعناصر العملية لفنِّ الإدارة والحكم، وذلك للدفاع عن الحرية الفردية والجماعية ضد تهديد الإيديولوجيات الاستبدادية. وبوصفه مدير الشؤون الأوروبية والسوفييتية في مجلس الأمن القومي من عام 1983 إلى 1987، كان الدكتور لينشوفسكي مسؤولًا عن ابتكار إستراتيجيات عَجَّلَت انهيارَ الاتحاد السوفيتي وتحريرَ أوروبا الشرقية من الهيمنة الشيوعية.
في شهادةٍ ألقيَتْ أمام الكونجرس في 2017، في وقت ذروة التهديد الذي تَفرضه داعش، عَرَّفَ الدكتور لينشوفسكي منظمةَ نهضة العلماء بوصفها ”أبرز صوت في العالَم للإسلام السُّنِيّ التَّعَدُّدِيّ والمتسامح“. وفي مقاله بجريدة بروفيدنْس Providence، يقول:
حازت نهضةُ العلماء قَصَبَ السَّبْق في تأسيس منتدى الدين لمجموعة العشرين أو Religion 20 (“R20”) — وهي حركة بين الأديان مُصَمَّمَة، بحسب الرئيس العام التنفيذي لنهضة العلماء ومؤسِّس (R20) يحيى ثقوف، من أجل ”تحقيق التوافُق بين بنى القوة الجيو-سياسية والاقتصادية في العالَم وأسمى القيم الخلقية والروحية“. وهذا ارتحال جذريّ عن التركيز العلمانيّ، ذي النزعة المُعَوْلَمَة، لأغلب المشاركين في مجموعة العشرين (G20). منتدى (R20) مُخَصَّص لإثارة ملف حقوق الإنسان والقيم الحضارية المشتركة بِعَدِّها عنصرًا مركزيًا في خَلْقِ عالَمٍ متآلف، وجَعْل هذه القيم جزءًا دائمًا من جدول أعمال (G20)، في مقابل تركيز حصريّ على صور التآلف والانسجام التي تخلقها التجارةُ الدولية.
وعلى سبيل المثال، من بين لجان العمل التابعة لـ (R20) لجنةُ عملٍ مُخَصَّصَة لـ ”إعادة تسييق المبادئ البالية والإشكالية في الأرثوذوكسية الدينية“ في أديان العالَم الكبرى، وهي المبادئ أو ”التعاليم التي لا تتوافق مع التعايُش السلميّ ونظام دولي قائم على القوانين، يتأسس على احترام الحقوق والكرامة المتساوية لكل إنسان“. وفي حالة الإسلام، يدرُس (R20) مفهوم ”الكافر“ و”الجهاد“ باعتبارهما مفهومَيْن منتميَيْن تمامًا إلى المبادئ أو التعاليم السالفة الذِّكر.
لو أنّ هناك سبيلًا مُيَسَّرًا حقًّا، يمكن من خلاله لسياستنا الخارجية دَعْم تلك القوى الإسلامية التي تُعارِض الجهادية المتطرفة، فسيَكون من خلال إقرار الولايات المتحدة رسميًّا بقمة الدين لمجموعة العشرين (R20) واستضافتها بِعَدِّها جزءًا من رئاسة أمريكا لمجموعة العشرين (G20) في العام القادم.

الرئيس العام التنفيذي لنهضة العلماء كياي حاج يحيى خليل ثقوف؛ والموقَّر جعفري شمس الدين (فريق أول، متقاعد)، وزير الدفاع بإندونيسيا؛ والدكتور لينشوفسكي؛ والدكتور تيموثي صامويل شاه مدير المبادرات الإستراتيجية بمركز القيم الحضارية المشتركة
بالإضافة إلى توجُّهه بالحديث إلى أكاديمية نهضة العلماء الوطنية للقيادة ومؤسسة المرونة الوطنية Lemhannas، التقى الدكتور لينشوفسكي شخصيًا مع وزير الدفاع بإندونيسيا لمناقشة تهديدات الأمن والسيادة بالدولة، وألقى خطابًا عنوانه ”التآلف الذي يتجاوز الحدود: إطلاق العنان لإمكانات الدبلوماسية الثقافية“ أمام حشد كبير من المسؤولين الحكوميين الذين وَظَّفَتْهُم وزارةُ الثقافة الإندونيسية.

وزير الثقافة الإندونيسي فاضلي زون يُقَدِّم إلى الدكتور لينشوفسكي خنجرًا عتيقًا جاويًا، أو keris، ذا دلالة ثقافية وروحية عظيمة الأثَر
يظهر المقال الكامل للدكتور لينشوفسكي في مجلة بروفيدنْس Providence أدناه. ويمكن تحميل نسخة PDF من المقال.

مجلة بروفيدنْس Providence

مسجد الاستقلال في جاكارتا، وهو الأكبر في جنوب شرق آسيا، وكاتدرائية جاكارتا (ذات الأبراج البيضاء). المسجد والكنيسة متَّصلان ببعضهما البعض من خلال ”نفق الأخوَّة والرحمة“ (Terowongan Silaturahmi)
إندونيسيا وحرب الأفكار ضد الإسلاموية المتطرفة
بقلم جون لينشوفسكي | 5 نوفمبر، 2025
مؤخرًا زرتُ عاصمة إندونيسيا، جاكارتا، حيث دُعيت إلى إلقاء سلسلة محاضرات أمام عشرين قائدًا بارزًا ينتمون إلى أكبر منظمة إسلامية في العالَم — نهضة العلماء (NU).
وبينما انشغل الجزء الأول من حياتي المهنيّة بالتحدّي الإستراتيجي والإيديولوجي للشيوعية السوفييتية التي اشتغلتُ عليها في مجلس الأمن القومي الأمريكي في عهد ريجان، أنشغل، الآن، بتهديد مشابه من الحزب الشيوعيّ الصينيّ. بالتالي، لماذا ركَّزتُ على إندونيسيا البعيدة جغرافيًا، واخترتها من بين كلِّ البلدان الأخرى؟
تتكون الإجابة من نقطتَيْن:
أولًا، تمر معركة الأفكار، الدائرة داخل نسق الإسلام، بنقطة تحوُّل إستراتيجية. هذا صراعٌ بين الذين يريدون أن يَكون الإسلام مصدرًا دينيًا للحلول، لا للمشكلات، في العالَم، في مقابل أولئك الذين يُحفّزهم طموحٌ سياسيّ علمانيّ في الأساس، هدفه استعادة خلافة إسلامية مزعومة، سواء أكان ذلك بالسيف أم بوسائل أخرى — أي، الهجرة، والنمو الديموغرافيّ، وعدم الاندماج، وحيازة سلطة سياسية أكبر. إندونيسيا موطنُ أولئك الذين ذَكَرتُهم أولًا: أولئك الذين لديهم التزام دينيّ ويسعون، في الوقت نفسه، إلى تحقيق التآلف مع الأديان والدول الأخرى، وهو منظور أدَّى إلى التزام جديد بإصلاح الإسلام على نطاق عالَميّ.
ثانيًا، تُعَدُّ إندونيسيا أهم دولة في جنوب شرق آسيا وبحر جنوب الصين على المستوى الجغرافيّ-الإستراتيجيّ. إنها الغنيمة التي تريد الصين تأمينَها من خلال إستراتيجيتها في التخريب والغزو بدون حرب. بوصفها ديمقراطية، تشترك إندونيسيا في مصلحة مستمرة مع الولايات المتحدة وأقرب أصدقائنا وحلفائنا في المنطقة — اليابان، وكوريا الجنوبية، والفلبين، وتايلاند، وتايوان — تتمثل في الحفاظ على الاستقلال والأمن في المنطقة.
تمثِّل إندونيسيا أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالَم، إذ لديها حوالي 230 مليون مسلم، ولدى نهضة العلماء وحدها قرابة 115 مليون عضو، مما يجعلها أكبر المنظمات الإسلامية غير الحكومية نفوذًا في العالَم. وهي، بالأساس، جمعية مستقلة تابعة للمجتمع المدني، لا تخضع لأيِّ رقابة حكومية.
نهضة العلماء منظمة إسلامية معتدلة سياسيًا، وكان لها تأثير حاسم في استمرار تركيز إندونيسيا على الإسلام بوصفه دينًا بإزاء كونه إيديولوجيا سياسية جذرية. ولا تزال إندونيسيا تخوض، بنجاح، حربًا إيديولوجية ضد الجهاديين المتطرفين طوال عقود داخل الدولة، وبما يتضمن الإخوان المسلمين، وتنظيم القاعدة وحلفاءها المحليين، بالإضافة إلى التأثير الوهابيّ/السلفيّ العربيّ السعوديّ.
شَنَّ رئيسُ نهضة العلماء لفترة طويلة (الذي شغل منصب رئيس إندونيسيا أيضًا)، كياي حاج عبد الرحمن وحيد، هجمات رئيسية جريئة في تلك الحرب. ومن باب التدليل على إبانته الاختلافات بين ”الإسلام الصحيح“ بإزاء ”الإسلام الخاطئ“:
يفشل الكثير من المسلمين في فهم الإسلام فهمًا بصيرًا، وهو الدين الذي يُعَلِّم الإنسانَ أن يَكون رؤوفًا بالآخرين ويفهم نُظُمَهم القِيَمِيَّة، مع العلم بأن الإسلام يتسامح مع هذه النُظُم المعنيّة جميعًا بوصفه دينًا. ويمكن تكثيف جوهر الإسلام في كلمات القرآن الكريم، ”لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ“. وذلك جوهر التسامح. يسيئ المتعصبون المتدينون — سواء أكان ذلك عن قصدٍ أم جهلٍ — فَهْمَ الإسلام فيجعلونه عقيدة في التَّعَصُّب، والكراهية، وإراقة الدماء. ويبرِّرون وحشيتَهم بشعاراتٍ مثل ’الإسلام فوق كلِّ شيء‘. يسعون إلى ترهيب وإخضاع كلّ مَن لا يشاركهم رؤاهم المتطرفة، بصرف النظر عن الانتماء القومي أو الدين. وبينما تسارع حفنة من المسلمين في إراقة الدماء بنفسها، يتعاطف ملايين، لا حصر لهم، مع أفعالهم العنيفة، أو يشاركون في التواطؤ بالصمت.
تتفاقم أزمةُ سوء الفهم محل التحليل — أي سوء فَهْمِ المسلمين أنفسهم للإسلام — بسبب فشل الحكومات، وأتباع الأديان الأخرى، وغالبية المسلمين ذوي النيات الحسنة في مقاومة هذه الإيديولوجيا الخطيرة، وعزلها، وتشويه سمعتها. وبالتالي، تصيب هذه الأزمةُ المسلمين وغير المسلمين على حَدٍّ سواء، مع ما يترتب على ذلك من عواقب مأسوية. يسمح الفشل في فهم طبيعة الإسلام الحقيقية باستمرار تحويل المسلمين في جميع أنحاء العالم إلى متطرفين، بينما يحجب عن بقية البشرية حلًا بَيِّنًا.
تتمثل أنجع وسيلة للتغلُّب على التطرُّف الإسلاموي في تفسير ماهية الإسلام الحقيقية للمسلمين وغير المسلمين على حَدٍّ سواء. وبدون ذلك التفسير، سيميل الناس إلى قبول الرؤى المتطرفة التي لم تُفَنَّد — وهو ما يضاعف من عملية تحويل المسلمين إلى متطرفين، وإثارة بقية العالَم ضد الإسلام نفسه. (عبد الرحمن وحيد، ”الإسلام الصحيح في مقابل الإسلام الخاطئ“، وول ستريت جورنال، 12/30/05).
في جزء من حملته لتشويه سمعة الإسلاموية المتطرفة، كتب عبد الرحمن (الذي اشتهر باسم ”جوس دور Gus Dur“ باللغة الدارجة) كتابًا عنوانه وهم الدولة الإسلامية The Illusion of an Islamic State. وفي هذا الكتاب، يحاجّ بأن الجهاديين المتطرفين يحفزِّهم طموح إلى السلطة السياسية العلمانية، ولا يحفِّزهم كفاحٌ ديني جاد سعيًا وراء التزام بأوامر إلهيّة قدسيّة. وكما يقول في مقدمته:
”إن المقتنعين بأنهم يعرفون أكثر من أي شخص آخر عن الإسلام، ورغم ذلك تملأهم الكراهية تجاه أيٍّ من مخلوقات الله الذين لا يسيرون على نفس طريقهم؛ وهؤلاء الذين يزعمون لأنفسهم حيازة الحقيقة المطلقة، وبناء على ذلك يُخَوَّل لهم التصرُّف باعتبارهم خلفاء الله على الأرض ويُملون على كل الناس كيف يجب عليهم أن يحيوا — من الواضح أن كلماتهم وسلوكهم لن يقودونا لمعيّة الله. إن حلمهم المتعلق بدولة إسلامية محض وهم، وذلك لأن الدولة الإسلامية الحقيقية لا توجد في أي بنية لحكومة ما، وإنما توجد في قلوب منفتحة على الله ومخلوقاته“.
يُثْبِت الكتابُ كيفيةَ مجابهةِ تحالف من المسلمين المفكرين من الزاوية الدينية، الجادّين، تأثيرَ الإخوان المسلمين مجابهةً ناجحة وكيفية إمكان استعمال وسائل هذا التحالف في الأماكن الأخرى لعزل الإيديولوجيا الإسلاموية ووصمها، وهي إيديولوجيا الكراهية، والاستعلاء، والعنف التي تهب الحياة إلى الإرهاب.
تضمَّنَت جهودُ عبد الرحمن وحيد في هذا الصدد عملَه مديرًا في مؤسسة ”الحرية للجميع LibForAll Foundation“ — (“Liberty for All”) — (ومقرها وينستون-سالم)، وعضوًا في مجلس إدارتها، ومستشارًا كبيرًا لها؛ وهي المؤسسة المُخَصَّصَة لمجابهة التطرُّف الديني والإرهاب.
تحت قيادة الرئيس العام التنفيذي الجديد لنهضة العلماء، كياي حاج يحيى خليل ثقوف، تسعى المنظمة الآن إلى مَدِّ تأثيرها إلى بقية العالَم الإسلامي، وتحدوها آمالُ تحقيقِ التوافق بين الإسلام والمبادئ الكونية لحقوق الإنسان وتحقيق التآلف بين الإسلام والأديان والأمم الأخرى.
من المؤشرات الدالَّة على نهجِ نهضة العلماء تأسيسها ”معهد الإسلام للإنسانية“. يمثِّل اسمُ المعهد نفسه إدانةً غير مباشرة لممارَسَة الإسلام في الكثير من بقاع العالَم. ويُذَكِّرنا ذلك بـ ”ربيع براغ“ في 1968، حيث اضطلع قائد الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، ألكسندر دوبتشيك Alexander Dubcek، بإصلاحات داخلية هدفها خلق ”اشتراكية ذات وجه إنسانيّ“. وقد أوحى هذا الشعارُ نفسه بأن الاشتراكية المُمارَسَة في الاتحاد السوفيتي والدول التابعة له لم يَكُن لديها وجه إنسانيّ. كانت تلك الفكرةُ بالتحديد، التي تَحَدَّت شرعيةَ حُكْمِ الحزب الشيوعيّ السوفيتيّ، كافيةً لدفع الكرملين إلى غزو تشيكوسلوفاكيا لاستعادة الامتثال الإيديولوجي الصارم.
نهضة العلماء مستعدة للتنافس مع الدول الشرق-أوسطية في تعليم شباب المسلمين، وللتنافس، بالفعل، في تشييد المستقبل الإسلامي. وبالمعونة المالية من حكومة ”أبو ظبي“، أسَّسَت جامعةُ نهضة العلماء (UNU) بيوجياكارتا مركزًا لدراسات المستقبل. وستُدْمِج برامجُ هذا المركز التعليمية ”القيم الإسلامية مثل الرحمة“ في منهج دراسيّ يركِّز على العلم، والتكنولوجيا، ودراسات المستقبل للمساعدة في ”تطوير مجتمعات سلمية، وشاملة، ومتسامحة، ومزدهرة، ومستدامة“. يُضاف إلى ذلك أنّ نهضة العلماء منخرطة بقوة مع ”الجامعة الإسلامية العالمية الإندونيسية“، التي تُنافس بوصفها مركزًا رئيسيًا للتعليم في العالَم الإسلامي، إذ تعزِّز نسخة متسامحة للإسلام تسعى إلى التآلف مع أديان العالَم الأخرى.
حازت نهضةُ العلماء قَصَبَ السَّبْق في تأسيس منتدى الدين لمجموعة العشرين أو Religion 20 (“R20”) — وهي حركة بين الأديان مُصَمَّمَة، بحسب الرئيس العام التنفيذي لنهضة العلماء ومؤسِّس (R20) يحيى ثقوف، من أجل ”تحقيق التوافُق بين بنى القوة الجيو-سياسية والاقتصادية في العالَم وأسمى القيم الخلقية والروحية“. وهذا ارتحال جذريّ عن التركيز العلمانيّ، ذي النزعة المُعَوْلَمَة، لأغلب المشاركين في مجموعة العشرين (G20). منتدى (R20) مُخَصَّص لإثارة ملف حقوق الإنسان والقيم الحضارية المشتركة بِعَدِّها عنصرًا مركزيًا في خَلْقِ عالَمٍ متآلف، وجَعْل هذه القيم جزءًا دائمًا من جدول أعمال (G20)، في مقابل تركيز حصريّ على صور التآلف والانسجام التي تخلقها التجارةُ الدولية.
وعلى سبيل المثال، من بين لجان العمل التابعة لـ (R20) لجنةُ عملٍ مُخَصَّصَة لـ ”إعادة تسييق المبادئ البالية والإشكالية في الأرثوذوكسية الدينية“ في أديان العالَم الكبرى، وهي المبادئ أو ”التعاليم التي لا تتوافق مع التعايُش السلميّ ونظام دولي قائم على القوانين، يتأسس على احترام الحقوق والكرامة المتساوية لكل إنسان“. وفي حالة الإسلام، يدرُس (R20) مفهومَ ”الكافر“ و”الجهاد“ باعتبارهما مفهومَيْن منتميَيْن تمامًا إلى المبادئ أو التعاليم السالفة الذِّكر.
لو أنّ هناك سبيلًا مُيَسَّرًا حقًّا، يمكن من خلاله لسياستنا الخارجية دَعْم تلك القوى الإسلامية التي تُعارِض الجهادية المتطرفة، فسيَكون من خلال إقرار الولايات المتحدة رسميًّا بقمة الدين لمجموعة العشرين (R20) واستضافتها بِعَدِّها جزءًا من رئاسة أمريكا لمجموعة العشرين (G20) في العام القادم.
للمساعدة في إرشاد منتدى الدين لمجموعة العشرين (R20) إلى اتجاه مُتَّسِق، أسَّسَت نهضة العلماء، بالتعاون مع هولاند تايلور، المدير التنفيذي لمؤسسة ”الحرية للجميع“، والدكتور تيموثي شاه، أستاذ باحث متميز في السياسة بجامعة دالاس، مركزَ القيم الحضارية المشتركة (CSCV). ولقد حَدَّدَ هذا المركزُ مبادئ تتشاركها أديان متعددة، يمكنها تكوين الأساس لتآلف أكبر بين الأديان والدول. وبالاستقاء من الإعلان العالَميّ لحقوق الإنسان، أبان مركزُ (CSCV) عددًا من هذه المبادئ، التي تُسَمَّى بــ ”مبادئ الضمير“:
نعتقد بوجود نظام لخَلْق الله وبوجود مبادئ أساسية مُحَدَّدَة مجدولة في نسيج الطبيعة نفسها. إنَّ هذه المبادئ، التي أمرَ بها اللهُ — التي يربطها المسلمون بـ ”أسماء الله الحسنى“؛ ويسمّيها، بالفعل، الفلاسفة واللاهوتيون الغربيون ”القانون الطبيعي“ أو ”القانون الأخلاقي الكوني“؛ ويشير إليها الهندوس بــ ”رِتَا rta“ ووَصفها سي. إس. لويس بــ ”الطاو“ — تعكس الحبَّ اللا-نهائي لله، ورحمته، وحكمته، وعدله.
تؤسِّس هذه المبادئ الأساسية، عندما يستوعبها الضميرُ الإنساني، القيمَ الكونية التي أبانتها، منذ زمن طويل، تقاليدُ العالَم الثقافية، والدينية، والأخلاقية الكبرى، وكذلك اعتنقتها.
من خلال فهمِ هذه ”المبادئ الأولى“ والعمل وَفقها، يمكن للإنسان تطوير الشخصية النبيلة، أو القيمة النبيلة. ويستعمل المسلمون مصطلحَ ”الأخلاق الكريمة“ عندما يشيرون إلى العناصر المُعَقَّدَة، التي يُقَوِّي بعضها بعضًا، للسِّمَة الأخلاقية التي يُقْتَدَى بها، مثل الحب، والرحمة، والصدق، والامتنان، والتواضع. وتُعَرِّف تعاليمُ الكنيسة الكاثوليكية الفضيلةَ بأنها ”استعداد عادي وثابت لفعل الخير“ (”المبادئ المشتركة من أجل الازدهار الإنساني“، مركز القيم الحضارية المشتركة).
وَفق مركز (CSCV)، الإخلاص لهذه المبادئ يجعل من الممكن للقوى التي نسمّيها في ”معهد السياسة العالَمية“ بـ ”الحضارة النزيهة“ الاتّحاد ضد قوى الاستبداد التوتاليتاريّ — في تجسيداته الشيوعية، والفاشية، والإسلاموية المتطرفة — الذي لا يزال يتناحر مع تلك الحضارة طوال قرن. وبالفعل، يُشْبِّه مركزُ (CSCV) اتَّحادَ القوى المقاوِمَة للنزعة التوتاليتارية بـ ”أخوية الخاتم“ في ثلاثية ملك الخواتم Lord of the Rings التي ألَّفها تولكين Tolkien:
في العالَم الأسطوريّ للأرض الوسطى، تُصَوِّر روايةُ تولكين الصراعَ الأزليّ بين الخير والشرِّ. لقد أعلن سيدُ الظلام سورون عودَته إلى الأرض الوسطى. ويلزم على البشر، والأقزام، والآلف، والهوبيت أن يقرروا إذا ما كانوا سيتَّحدون، ومن ثَمَّ، يقاومون قوى الاستبداد التي تسعى إلى غزو كلِّ كائن حيٍّ في الأرض الوسطى، واستعباد جميع مَن عليها، و/أو القضاء عليهم. المُنضَمُّون إلى ‘أخوية الخاتم’ — والمجتمعات التي يمثلونها — يختلفون اختلافًا جذريًا من المنظور الثقافي، واللغويّ، وحتى الجينيّ (أي، على مستوى الأنواع). وما يُوَحِّدهم إنما هي مجموعة من القيم المشتركة، وهم مستعدون للمجازفة بحيواتهم كي يعيدوا إرساء الحدود بين الحضارة والهمجية ويدافعوا عن هذه الحدود. (المصدر نفسه)
ومبادئ ”الحضارة المشتركة“، بالتحديد، هي التي يمكنها إرشاد المجتمعات المتنوعة وتمكينها من الاتحاد في ”صراع طويل غير مُحَدَّد المعالم“ مشتَرَك ضد إمبراطوريات الشر التوتاليتاريّة.
في وجود مبادرات مثل حركة الإسلام للإنسانية، و(R20)، ومركز (CSCV)، تسعى نهضة العلماء الآن إلى مَدِّ تأثيرها إلى إسلام الوسطية وممارَسَة تأثيرها لتعزيز حقوق الإنسان والقيم الحضارية المشتركة الأخرى على المستوى العالَميّ. وتحقيقًا لهذه الغاية، أسَّسَت نهضةُ العلماء ”الأكاديمية الوطنية للقيادة“، حيث ألقيتُ محاضراتي.
صُمِّمَت الأكاديمية المعنية لتوفير التعليم لكوادر نهضة العلماء:
- في القيادة الإستراتيجية، في الدبلوماسية الخارجية والمحلية معًا؛
- في الرؤية العالَميَّة الدينية والحضارية الشاملة التكاملية لنسخة الإسلام السُّنِيّ لدى نهضة العلماء؛
- في تطوير القدرة على ”فهم الديناميّات التاريخية، والسياسية، والثقافية، والاقتصادية التي تُشَكِّل القرن الحادي والعشرين، والتحرُّك بين هذه الديناميات“؛
- في القدرة على خَلْقِ وتفعيل سرديات مُقْنِعَة قادرة على فرض نفسها فيما يراه الرئيس العام التنفيذي لنهضة العلماء يحيى ثقوف ”تنافُسًا حادًا يتعلق بماهية القيم التي ستُشَكِّل أساس حضارة عالَميّة جديدة“؛
- في المبادئ التي تُمَكِّن من احترام كرامة كلِّ البشر، والحوار بين الأديان والحضارات، والديمقراطية.
تلقت أغلب قيادة نهضة العلماء تعليمًا ذا أساسٍ دينيّ في شبكة مدارس المنظمة. وقد حاز بعضهم تعليمًا أعلى في كليات وجامعات مدنية ويشغلون مناصب أساتذة جامعيين وكاتبي رأي في عواميد ثابتة بالصحف والجرائد. ما احتاجوه جميعًا إنما كان تعليمًا في الفلسفة السياسية، والعلاقات الدولية، وتلك العناصر المتعلقة بفَنِّ الحُكم والإدارة، التي من شأنها رفع قدرتهم على ممارَسَة التأثير الإستراتيجي إلى أقصى مدى. دُعِيَ ثلاثة أمريكيين ليكونوا أعضاء بهيئة التدريس في المنهج الدراسي الافتتاحي للأكاديمية: الدكتور بيتر بيركوفيتس Peter Berkowitz من معهد هوفر (المدير السابق لطاقم تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية في عهد وزير الخارجية مايك بومبيو Mike Pompeo)، والبروفيسورة ماري آن جليندون Mary Ann Glendon من كلية الحقوق بجامعة هارفارد (والسفيرة الأمريكية السابقة لدى الكرسي الرسولي)، وأنا.
دُعيتُ كي أقدِّمَ إلى قيادة نهضة العلماء مقدمة عن العلاقات الدولية، ودور الأخلاق في السياسة الخارجية، وأحد العناصر الأساسية في فنِّ الحكم والإدارة: التأثير الاستراتيجي وما ينبثق عنه من منافسة إيديولوجية. ومن بين العديد من الأساتذة المحتملين الذين كان بإمكانهم تقديم الجزء المتعلق بالعلاقات الدولية على الأقل من منهجي الدراسي، اختاروني لأنني أنظر إلى العلاقات الدولية من منظور نظام أخلاقيّ متعالٍ، وموضوعي، وعالَميّ — أي من منظور ”القانون الطبيعيّ“.
وهذه هي الرؤية العالَميَّة التي أراد علماءُ نهضة العلماء أن أنقلها [من خلال محاضراتي] لأنهم لا يثقون فيمن يعتبرونهم نُخَب السياسة الخارجية من أصحاب الرؤية العلمانية الشرسة والنزعة النسبية في الغرب، الذين كانوا يُصَدِّرون منتوجات سامة لثقافة شعبية مُنْحَلّة إلى مجتمعات لا تزال تحافظ على الأعراف التقليدية. (وبالفعل، تعكس سياسات بعض تلك النخب انعدامًا تامًا لفهم الأهمية الإستراتيجية للدبلوماسية العامة ودور الدين في الدبلوماسية الثقافية). وبينما تُقَدِّر نهضةُ العلماء الديمقراطية والحرية الغربيتَيْن، إلا أنَّ المنظمة تشعر بالقلق عندما يرى علماؤها أنَّ الحرية الغربية تتحول إلى انحلال [أي، حرية يُساء استعمالها].
إجمالاً، ألقيتُ 18 ساعة من المحاضرات على مدار ثلاثة أيام. وأخبرتُ الحضور أنهم جميعًا يستحقون ميداليات ذهبية أولمبية لمجرد استماعهم إليّ كل يوم لمدة طويلة! ومن بين الموضوعات التي تطرقتُ إليها:
- المبادئ الأولى في الفلسفة السياسية والأخلاقية التي تُمَكِّن القادةَ من تحديد ”الكود الجينيّ [التأسيسيّ]“ للأنظمة الحاكمة المختلفة وكيفية تحديد إمكان تحرُّك مثل هذه الأنظمة على المستوى الدوليّ. ركَّزتُ على سؤالين أساسيين ونتائجهما السياسية: 1) هل هناك طبيعة إنسانية لا تقبل التغيير أم عساها تَكون مرنة وتقبل الوصول إلى مرتبة الكمال من خلال الهندسة الاجتماعية، أو السياسية، أو الاقتصادية، أو الحيوية-الطبية، أو الجينية؟ و2) هل هناك نظام أخلاقيّ متعالٍ، موضوعيّ، كونيّ في العالَم؟
- الجهات الفاعلة في العلاقات الدولية؛
- سمات السلطة القومية وأدواتها – وناقشتُ الماديّ منها وغير الماديّ؛
- النظريات البديلة في السلام وتوافق المصالح، وبما يتضمن تلك القائمة على علاقات السلطة وتلك التي تضرب بجذورها في مفهوم سَكينَة النظام tranquillitas ordinis لدى القديس أوغسطين.
- أسباب الصراع والحرب؛
- أنواع المُحارَبَة — الحركيّة وغير الحركية [أي، تلك التي تَكون غير مباشرة، وبدون قتال بالأسلحة] — وبالأخص الحرب السياسية، والإيديولوجية، والمعلوماتية، والنفسية، والثقافية؛
- الطرق غير العنيفة التي يرى الإنسانُ أنه ينبغي على أيّ دولة محاولة استعمالها في مواقف الصراع غير القابل للمصالحة قبل الشروع في استعمال القوة للدفاع عن المصالح الحيوية؛
- دور الأخلاق في تشكيل الغايات وممارَسَة وسائل السياسة الخارجية؛
- ممارَسَة الدبلوماسية العامة، والتأثير الإستراتيجيّ، والتنافس الإيديولوجيّ.
في تَسَلُّحهم بمعرفة هذه المواضيع، تأخذ قيادةُ نهضة العلماء خطوة أقرب صوب تحقيق طموحها في إضفاء الطابع الوسطيّ على العقيدة الإسلامية عبر العالَم. إنَّ المثالَ الذي تُقَدِّمه هذه المنظمةُ من إندونيسيا يُعَلِّم، بالفعل، ثقافاتِ السياسة الخارجية المادية النزعة في الغرب أنَّ التنافس الإيديولوجيّ صورةٌ إستراتيجية لمنع التحوُّل إلى التطرُّف، ذات آثار وتداعيات عالَميَّة.
مما يؤسَف له أنَّ المعرفة الأمريكية بإندونيسيا ضعيفة بدرجةٍ باعثة على الإحراج ويسهم ذلك الأمرُ في مسألةِ إنقاصنا من قيمة الإيديولوجيا لأدنى درجة، بوصفها عاملًا إستراتيجيًّا في السياسة العالَميَّة. تتجاهل دولتُنا وجماعةُ سياستنا الخارجية، بدرجةٍ كبيرة من المخاطرة، رابعَ أكبر دولة في العالَم، وأكبرَ دولة إسلامية في العالم لديها، من الناحية السياسية، النسخة الأكثر اعتدالًا للإسلام، وثالث أكبر ديمقراطية في العالَم، وأهم دولة، على المستوى الإستراتيجي، على امتداد الممر المائيّ التجاري الأكثر ازدحامًا على مستوى العالم. إنها دولة ينبغي أن تكون أقرب بكثير إلى الولايات المتحدة. وعلينا أن نضبط أولوياتنا وفقًا لذلك.

مجلة بروفيدنْس Providence ينشرها معهد الدين والديمقراطية
شارِك هذا البيانَ الرسميّ مع
تحميل نسخة (PDF) من البيان الرسمي
قد ترغب في قراءة:
الجمعية العمومية لمنظمة ديمقراطيي الوسط الدولية في أبيدجان، ساحل العاج